سياحة في كتاب: سعاد حسن علي كرار، ذكريات سودانية رحلة تسعينية في زمن الحرب

سياحة في كتاب: سعاد حسن علي كرار، ذكريات سودانية رحلة تسعينية في زمن الحرب، طبعة أولى دار الأدهم للنشر والتوزيع القاهرة 2025م
بروفسور/ فدوى عبد الرحمن علي طه
جامعة الخرطوم

أهدتنا ابنتي “عزة جمال” حفيدة مؤلفة الكتاب (والدتها ثريا محمد مضوي)، نسخة من مؤلف جدتها. وكنت أنوي الكتابة عنه في حينه فقد جذبني وشدني إليه، إلا أن ثمة ظروف خاصة، خارجة عن الإرادة” جعلتني أتأخر في كتابة هذا العرض.
يقع الكتاب في 187 صفحة من القطع المتوسط أهدته السيدة سعاد إلى روح والديها حسن علي كرار ونفيسة كامل. مهدت للكتاب بروفسور آمنة الصادق بدري وقدمت له الدكتورة سميرة أمين.
استهلت المؤلفة الجزء الأول بالحديث عن شقيقها الشهيد عبد المنعم حسن علي كرار 1951 – 1990م وهو ولد جاء بعد عشرة بنات وحكت عن تجربته ضابطاً بالقوات المسلحة ودوره في حركة الخلاص الوطني. فقد نظم عبد المنعم مع عدد من الضباط حركة تصحيحية ضد انقلاب 30 يونيو 1989م وتحركوا في 23 أبريل 1990م الموافق 28 رمضان 1410 هجرية لاستلام السلطة. لم يكتب للحركة النجاح وأعدم عبد المنعم ورفاقه في 23 أكتوبر نفس يوم التحرك. وأتت سعاد بصورة في الكتاب لجميع الشهداء. وبالطبع حكت سعاد عن الحزن والألم العميق المتجدد الذي تركه إعدام عبد المنعم. ولسعاد إلى جانب عبد المنعم شقيقان، عبد العظيم وعبد المجيد.
حكت سعاد عن والدها الأستاذ حسن علي كرار خريج كلية غوردون الذي تخرج معلماً وتدرج في مهنة التعليم إلى أن أصبح نائب وكيل وزارة المعارف وتعلم على يديه عدد من المهنيين. وتحدثت سعاد عن والدتها السيدة نفيسة كامل ووصفتها بأنها أول رائدة سودانية في مجال العمل الطوعي والخيري والصحافة وتشهد لها بذلك سيرتها الذاتية. وتورد سعاد معلومة مهمة عن والدتها وهي تواصلها عن طريق المراسلة مع عميد الأدب العربي الأستاذ طه حسين والذي أرسل لها قوائم لإصدارات مزجت بين القديم والحديث من التراث العربي والإسلامي والأوربي. كما نصحها بالتثقيف الذاتي. ولم تغفل سعاد ذكر إنجازات والدتها فيما يتعلق بالمرأة وحقوفها ومكاسبها التي دونتها في كتابها بعنوان المرأة السودانية بين الماضي والحاضر.
أفردت سعاد جزءاً من الكتاب للحديث عن شقيقاتها وبعضهن تخرج في كلية المعلمات وعملن بالتدريس، وبعضهن التحق بالجامعات. وتحكي عن شقيقتها “نادية” بأنها نظمت وقادت أول مظاهرة ضد الاستعمار بمدينة الأبيض عام 1952م للمطالبة بفتح مدارس للمرحلة المتوسطة نظراً لوجود مدرسة واحدة وسطى للبنات بإقليم كردفان. ونتج عن قيادة نادية للمظاهرة فصلها من المدرسة بقرار من مديرة مكتب التعليم بالأبيض بريطانية الجنسية، ومنع قبولها بأي مدرسة حكومية أخرى. إلا أن والدها أدخلها الكلية القبطية لمواصلة تعليمها. وتحكي عن شقيقتها “ليلى” بأنها واصلت تعليمها بالمرحلة المتوسطة وقطعته بسبب الزواج لكنها التحقت فيما بعد طالبة ناضجة بجامعة الأحفاد ونالت درجة البكالوريوس ثم درجة الماجستير من كلية التربية بجامعة الخرطوم. شقيقتها “أميمة” درست علوم الطيران وفي عام 2005م انضمت إلى الحركة الشعبية والجبهة الثورية حيث شغلت منصب أمين العلاقات الخارجية للمجلس الإسلامي للسودان الجديد.
بعد الحديث عن أسرتها انتقلت سعاد للحديث عن شخصيتها وبدأتها بالطفولة ومولدها في 22 أكتوبر 1933م بمدينة الأبيض، وطلب والدها النقل من الأبيض إلى أم درمان لتتمكن كريماته من مواصلة تعليمهن. وتذكر سعاد أن الانتقال إلى العاصمة كان بمثابة نقلة كبيرة جداً في حياتهم. وتم تسجيلها واخواتها في المدرسة الإرسالية. وقد أدت مدارس البنات الإرسالية (التبشيرية) دوراً تأسيسياً في تعليم المرأة بالسودان، خاصة خلال فترة الحكم الثنائي، حيث ركزت على التعليم الأكاديمي والمهني للفتيات. وتمكنت إلى حد من سد النقص في تعليم البنات الذي لم توليه الحكومة الاستعمارية القدر الكافي من الاهتمام. وكانت أبرز مدارس الإرساليات المسيحية في مناطق الخرطوم وأم درمان.
عادت سعاد إلى الأبيض مرة أخرى بعد قبولها بالمدرسة الوسطى وتزامن ذلك مع ترقية والدها ونقله إلى مدينة الأبيض. وتم فتح مدرسة وسطى بالأبيض عام 1947م. وقبلت سعاد للسكن بالداخلية لبعد المنزل عن المدرسة، وكانت الداخلية مخصصة للطالبات من خارج مدينة الأبيض. ورغم تهيبها للسكن الداخلي لكنها سرعان ما اعتادت عليه. وكانت تخرج كل أسبوعين إلى المنزل، وفي الداخلية أوكلت إليها مهمة إدارة المخزن. ويعيد ذكرها للسكن الداخلي إلى الأذهان تجربة هذا السكن الذي كان معمماً على جميع مدارس السودان الوسطى والثانوية حتى ثمانينيات القرن الماضي. وكان متاحاً للطلاب والطالبات من القرى حول المدارس. وقد أسهم كثيراً في تعويد الطلاب والطالبات على الاعتماد على النفس في سن مبكرة. ومن معلمات سعاد في مدرسة الأبيض ملكة الدار محمد عبد الله التي اشتهرت فيما بعد بكونها قاصة وروائية سودانية، وكانت عضواً مؤسساُ في جمعية الأبيض الخيرية النسائية، وعضواًُ في الاتحاد النسائي وناشطة في مؤسسات وهيئات العمل النسوي، وساهمت بمجهود كبير في حملات التوعية ضد العادات والممارسات السيئة في المجتمع السوداني مثل الختان الفرعوني، وأقامت ندوات في كثير من أقاليم السودان.
تروي نفيسة كامل والدة سعاد الصعوبات التي واجهتها في تعليم بناتها، والمشقة التي وجدتها في إنجاز ذلك الأمر. وتذكر أيضاً أن كريماتها لزِمن المنزل لأن زوجها أبدى عدم رغبته في التحاقهن بالعمل. وزوجها حسن علي كرار كان صديقاً لعبد الرحمن علي طه وتربطه به علاقة وصداقة وطيدة. وانتهزت نفيسة فرصة زيارة قام بها عبد الرحمن للأبيض عندما كان وزيراً للمعارف، ليقنع زوجها بالعدول عن موقفه. قالت نفيسة: “جاء عبد الرحمن علي طه في زيارة للأبيض، وحل ضيفاً علينا بالمنزل. وفي صباح أحد الأيام لبست ثوبي وانتظرت السيد عبد الرحمن علي طه. وقررت أن أتحدث إليه حيث كان في طريقه إلى حمام المنزل الذي يبعد عن الجزء الرئيسي في المنزل. وقلت له: يا سيد عبد الرحمن، البنات أكملن تعليمهن، وكما ترى فهن لا زلن يلزمن البيت. وعندي رغبة أن يلتحقن بالعمل كمعلمات في المدارس، إلا أن والدهن يرفض ذلك. وطلبت مساعدته في هذا الصدد إن كان بوسعه. وقد رد السيد عبد الرحمن علي طه بالإيجاب، وشكرته على ذلك. وبعد سفره بفترة أذيعت أسماؤهن في مقدمة المقبولات للدراسة بكلية المعلمات وكان سروري بذلك الإنجاز عظيماً. ويبدو أن والدهن قد أدرك أنني قد أبلغت السيد عبد الرحمن علي طه، لأنه سألني عن ذلك فيما بعد”. (نفيسة كامل، المرأة السودانية بين الماضي والحاضر، مطابع مؤسسة الخليج للنشر والطباعة، 1997، ص 92 – 93)
كانت سعاد مجتهدة وطموحة وكانت تمني نفسها بدخول جامعة الخرطوم لدراسة الطب وسمعت من مدرساتها التحاق كل من خالدة زاهر وزروي سيركسيان بمدرسة كتشنر الطبية. سرت سعاد لنتيجتها المتميزة فقد جاءت الثانية على فصلها وقررت أن تكون الأولى في الامتحان القادم، ، لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه فقد أذاعت المعلمة للطالبات أن سعاد لن تعود وسنفتقدها لأن زواجها سيكون في الإجازة. كان وقع الخبر عليها شديداً. وكما تذكر فقد بكت بصوت عال لدرجة أن شقيقتها “عزيزة” اعتقدت أن فرداً من الأسرة قد توفي. لم تخرج سعاد عن المألوف بين بنات جيلها في ذلك الوقت فقد كان ظهور الزوج المناسب لا يعفي من مواصلة التعليم وكانت القرارات تصدر من رجال متعلمين كما هو الحال مع حسن علي كرار وآخرين مثل عبد الرحمن علي طه أول وزير للمعارف، وله كريمتان قُطع تعليمهن وزوجن في سن مبكرة.
تزوجت سعاد وهي في سن الرابعة عشر من المهندس محمد مضوي بابكر سليل أسرة مضوي العريقة والشهيرة في بري، والدته شقيقة عبيد حاج الأمين أحد قادة جمعية اللواء الأبيض. وتصف سعاد زوجها بأنه كان حكيماً، وصادقاُ، ومتديناً، ومنظماً. وكان متفوقاً في دراسته عند تخرجه في كلية غوردون مهندساً ونال جائزة الكلية، ومهنياً متميزا في وزارة الري التي عمل بها.
تنقلت سعاد مع زوجها في قرى ومدن السودان. ولم تغفل الحديث عن المعاناة في قرى الجزيرة التي كان يعمها الظلام الدامس والطابع الخلوي، وكيف اختلفت حياتها هناك عن عيشها مع أسرتها وحياتها بالداخلية مع زميلاتها وصديقاتها. وكانت تقضي وقتها في قراءة الكتب والقصص ولم تترك كثرة القراءة إلا بعد قدوم مولودتها الأولى “ثريا”. كما واجهتهم سيول القاش عندما انتقل زوجها للعمل في أروما بمديرية كسلا. ومن المحطات التي نقل إليها زوجها عام 1962م مدينة الدويم في النيل الأبيض ولمدة خمس سنوات مكنت بناتها “ثريا” و”سامية” و”منى” من دخول المدرسة الوسطى. أما “وفاء” و”آمال” كانتا بالمرحلة الأولية. ودخل ابنها “أحمد” مدرسة بخت الرضا. وتذكر سعاد أن حياتهم في الدويم كانت نقلة كبيرة. ومنها انتقلوا إلى كوستي ثم مدني وكان منزلهم يقع في الحي البريطاني. وأتوقف هنا قليلاً وصورة سعاد في الحي البريطاني ماثلة أمامي بوجهها الصبوح الباسم. وكانوا جيران أخي الطبيب صلاح الدين وزوجته نعمات. وجمعني فصلٌ واحد مع ابنتها “منى” في مدرسة واد مدني الثانوية. وقضوا في مدني ثلاث سنوات منها إلى بري المحس حيث بلغ زوجها سن المعاش. وفي مدني وضعت سعاد ابنها خالد. سنحت لها الفرصة في الخرطوم بلقاء والدها واخواتها الموجودات في الخرطوم. وكان اللقاء في منزل والديها راتباً كل جمعة. وتتحدث سعاد عن جمال اللقاء الذي تواصل بعد وفاة والدها عام 1981م ووفاة والدتها عام 2005م. واستمر البيت مفتوحاً كما كان قبل وفاة والديها.
أفردت المؤلفة صفحات للحديث عن بناتها، وأبنائها، وحفيداتها، وأحفادها. ولم تغفل الحديث عن أزواج كريماتها. تخرج أبناؤها في جامعة الخرطوم عدا “ثريا” تخرجت في جامعة الأحفاد وقد قطع تعليمها للزواج وواصلته فيما بعد. وتخرج ابن المؤلفة “خالد” في جامعة الجزيرة. وكما ذكرنا سابقاً كانت سعاد تمني النفس بدخول كلية الطب جامعة الخرطوم ولم تتحقق أمنيتها فقد قطعت دراستها بسبب الزواج. لكن حقق ابنها أحمد أمنيتها وتخرج في كلية الطب عام 1980 م ومنح جائزة طب الأطفال. وتخصص جراحاً متميزاً في مجاله.
إن الجزء المؤلم في هذا الكتاب ما روته سعاد عن اضطرارها لمغادرة السودان بعد اندلاع الحرب البائسة العبثية اللعينة في 15 أبريل 2023م والمصاعب والمخاطر الجسيمة التي تعرضت لها. إلا أن سعاد مع حسها التاريخي العالي رأت أن تتحدث عن الحرب العالمية الثانية (1939م – 1945م)، وكان عمرها ست سنوات عندما اندلعت الحرب. وتقول سعاد إنه ورغم مساؤي الاستعمار فقد كانت له حسنات منها السكة الحديد والنظام التعليمي المنظم المفيد وكلية غوردون ومدرسة كتشنر الطبية ومدرسة القابلات. وأنه لولا أن الإنسان والشعوب لا تقبل الاستعمار “لكنا تمنينا عشر سنوات أخرى من حكم الاستعمار البريطاني” على حد قولها. وعددت الأشياء التي افتقدها السودان بعد الاستعمار مثل الخدمة المدنية والتعليم والبني التحتية.
كان خروج سعاد من السودان بعد اندلاع الحرب محفوفاً بالمخاطر وحكت عن رحلة السفر إلى بورتسودان والطريق الكئيب ومشهد قوات الدعم السريع الذي تكرر. وعانت سعاد من الإحباط بسبب جواز سفر بريطاني غير مجدد منعها من اللحاق بابنها الطبيب “أحمد” المقيم ببريطانيا، ووثيقة سفر رفضت في جدة وأخرى رفضت في معبر أرقين، وانتظار طويل لاستخراج جواز سفر جديد. رافقت سعاد في هذه الرحلة الشاقة ابنتها “وفاء”. وساعدها أهل ومعارف وأصدقاء في المحطات التي توقفت بها. غادرت سعاد الخرطوم في 15 أبريل 2023م ووصلت القاهرة في 22 أكتوبر 2023م، وهي رحلة مضنية استغرقت ستة أشهر لسيدة شارفت التسعين من عمرها، كانت تمني النفس كما ذكرت بقضاء وقت جميل في منزلها ببري المحس. ما تعرضت له سعاد من المخاطر تعرض له سودانيون كثيرون سواء كان نزوحهم داخل أم خارج السودان وحكت المؤلفة في مذكراتها بعضاً من هذه الأهوال والمخاطر فقد ظلت متابعة للأخبار.
في ختام هذا العرض يلاحظ القارئ للكتاب الذاكرة المتقدة التي تتمتع بها سعاد. وهي بهذه الإصدارة تسد نقصاً معرفياً هو كتابة المذكرات وهذا مفقودٌ في السودان والمساهمة فيه ضئيلة جداً، ونحن عموماً أمة تفتقد الحس الوثائقي. كما يطرق الكتاب جوانب مجتمعية مهمة في تاريخ السودان الحديث مثل التعليم وخلافه. متع الله المؤلفة بالصحة والعافية.
drfadwa@hotmail.com

عن فدوى عبد الرحمن علي طه