باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 28 يونيو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

سياسات الجوار تجاه اللاجئين السودانيين (2023–2026)

اخر تحديث: 27 يونيو, 2026 10:26 مساءً
شارك

سياسات الجوار تجاه اللاجئين السودانيين (2023–2026): أنماط الاستجابة بين الحماية الإنسانية والضبط الأمني والانتهاكات في سياق الحرب الأهلية السودانية

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يمثل النزوح السوداني الناتج عن الحرب الأهلية التي اندلعت في أبريل 2023 واحدة من أكبر وأسرع أزمات النزوح القسري في العالم خلال العقد الأخير، حيث تطور خلال فترة زمنية قصيرة إلى أزمة إقليمية واسعة النطاق شملت معظم دول الجوار في شرق ووسط أفريقيا، وأنتجت أنماطاً متعددة من الاستجابة الإنسانية والسياسية والأمنية. وتشير التقديرات المجمعة إلى أن أعداد اللاجئين والنازحين خارج السودان تجاوزت عدة ملايين، مع تركّز التدفقات بشكل أساسي في الدول الحدودية المباشرة، ما خلق ضغطاً غير مسبوق على أنظمة اللجوء الإقليمية.

وبحسب التقديرات الرقمية التفصيلية، استقبلت مصر ما بين 900 ألف إلى 1.4 مليون لاجئ سوداني منذ بداية النزاع، مع تركز واضح في القاهرة الكبرى وأسوان والمناطق الحدودية الشمالية، إضافة إلى انتشار ملحوظ في بعض المدن الحضرية الكبرى نتيجة شبكات الهجرة السابقة والعلاقات التاريخية بين البلدين. كما استقبلت تشاد ما بين 950 ألف إلى 1.2 مليون لاجئ، وهو رقم يجعلها من أعلى الدول في العالم من حيث نسبة اللاجئين مقارنة بعدد السكان، مع تركّز كبير في المناطق الشرقية المتاخمة لدارفور مثل أدري وما حولها. أما جنوب السودان فقد استقبل ما بين 600 ألف إلى 800 ألف حالة مختلطة بين لاجئين وعائدين، خاصة في ولايات أعالي النيل والوحدة، مع تدفقات عبر معابر نهرية وبرية متعددة. وفي أوغندا تراوح العدد بين 60 ألفاً و110 آلاف لاجئ، وغالباً ما تركزوا في المستوطنات الريفية شمال وغرب البلاد ضمن النظام القائم لإدارة اللجوء. بينما استقبلت إثيوبيا ما بين 70 ألفاً و180 ألفاً، مع تفاوت داخل أقاليم بني شنقول–قمز والأمهرا ومناطق الحدود الغربية المتأثرة بالتداخل الجغرافي مع السودان. وفي ليبيا تراوح العدد بين 150 ألفاً و300 ألف شخص في سياق مختلط بين اللجوء والهجرة غير النظامية عبر مسارات الصحراء الكبرى، خصوصاً عبر الكفرة وسبها ومناطق الجنوب الليبي. بينما سجلت جمهورية إفريقيا الوسطى ما بين 20 ألفاً و60 ألفاً من اللاجئين السودانيين في المناطق الحدودية الشمالية، في حين بقيت إريتريا في أدنى المستويات بأقل من 10 آلاف حالة تقديرية نتيجة القيود الحدودية الصارمة.

وتعكس أنماط الاستجابة الإقليمية تبايناً بنيوياً عميقاً في قدرات الدول وسياساتها. ففي حالة تشاد، تمثل الاستجابة نموذجاً إنسانياً واسعاً تمثل في فتح الحدود بشكل شبه كامل منذ أبريل 2023، وإنشاء أكثر من 20 موقع استقبال ومخيمات حدودية بدعم مباشر من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، إلا أن هذا الانفتاح ترافق مع أزمة تمويل حادة تتجاوز 60% من الاحتياجات، إضافة إلى اكتظاظ المخيمات وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي في مناطق مثل أدري والمخيمات الشرقية، وظهور ضغط كبير على البنية الصحية والتعليمية المحلية.

في المقابل، تقدم أوغندا نموذجاً أكثر تنظيماً واستقراراً نسبياً، يعتمد على نظام المستوطنات الريفية بدلاً من المخيمات المغلقة، ويتيح للاجئين حرية حركة أوسع وإمكانية الوصول إلى العمل والخدمات الأساسية، مع إدماج تدريجي في الاقتصاد المحلي، رغم الضغوط المتزايدة على الموارد المحلية ونقص التمويل الدولي وارتفاع الطلب على الخدمات العامة.

أما مصر وإثيوبيا فتتبنيان نموذجاً أكثر تقييداً أمنياً، حيث اتسمت الاستجابة في مصر بتشديد إجراءات الدخول، وتوسيع القيود على التأشيرات، وزيادة حملات التوقيف والترحيل، خاصة في القاهرة وأسوان والمناطق الحدودية مع السودان، مع التركيز على ضبط الهجرة غير النظامية وإدارة تدفقات العبور. وفي إثيوبيا، تأثرت الاستجابة بشكل مباشر بالصراعات الداخلية وضعف البنية الإدارية وتفاوت السيطرة الحكومية على الأقاليم، مما أدى إلى عدم تجانس في التسجيل والخدمات وظهور فجوات حماية بين المناطق المختلفة.

وفي جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى، تهيمن الهشاشة المؤسسية والأمنية على المشهد، حيث تنتشر حالات العنف غير المنهجي ضد اللاجئين، بما في ذلك النهب والابتزاز والاشتباكات في نقاط العبور ومراكز الاستقبال، إضافة إلى ضعف واضح في أنظمة الحماية الرسمية، واعتماد كبير على الفاعلين الدوليين والمنظمات الإنسانية في توفير الحد الأدنى من الخدمات.

أما ليبيا فتشكل حالة انهيار شبه كامل لمنظومة الحماية، حيث يتداخل اللجوء مع الهجرة غير النظامية، وتنتشر مراكز الاحتجاز التعسفي وشبكات التهريب وحالات الاختفاء القسري والترحيل القسري في بعض المناطق الصحراوية، في ظل غياب نظام لجوء وطني فعال وتعدد مراكز السلطة والأمن غير النظامي.

وفي المقابل، تتبنى إريتريا سياسة إغلاق حدودي صارم مع محدودية شديدة في الشفافية الإحصائية وغياب شبه كامل للبيانات الرسمية، إلى جانب قيود صارمة على الدخول، ومخاوف مرتبطة بإمكانية الإعادة القسرية، مما يجعلها من أكثر البيئات غموضاً من حيث أوضاع اللاجئين السودانيين.

ويكشف التحليل المقارن أن محددات الاستجابة الإقليمية لا ترتبط فقط بحجم الأزمة الإنسانية، بل تتحدد عبر خمسة عوامل رئيسية مترابطة: قدرة الدولة المؤسسية، مستوى الاستقرار السياسي الداخلي، قوة الأمن الحدودي، البنية الإدارية لإدارة الهجرة واللجوء، وطبيعة العلاقات الثنائية مع السودان. كما يظهر أن الدول الأكثر استقبالاً ليست بالضرورة الأكثر قدرة على إدارة الأزمة، بل غالباً ما تكون الأكثر تعرضاً جغرافياً أو الأكثر انفتاحاً سياسياً أو الأضعف قدرة على ضبط الحدود.

وبشكل عام، تعكس هذه الأزمة غياب إطار إقليمي موحد لإدارة اللجوء، مقابل هيمنة استجابات وطنية متباينة تؤدي إلى تفاوت كبير في مستويات الحماية والخدمات، مما يجعل فرص اللاجئ السوداني في الحصول على الأمان والخدمات مرتبطة بدرجة كبيرة بالدولة التي يصل إليها أكثر من ارتباطها بالمعايير الدولية الموحدة للحماية الإنسانية.

النص الكامل للمقال

المقدمة

شهد السودان منذ أبريل 2023 انهياراً أمنياً واسع النطاق نتيجة الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، امتد من الخرطوم إلى دارفور والجزيرة وكردفان والنيل الأبيض، ما أدى إلى تفكك مؤسسات الدولة وتراجع شبه كامل في وظائفها الخدمية والأمنية. ونتج عن ذلك توسع غير مسبوق في النزوح الداخلي والعابر للحدود، حيث تصف UNHCR (2025) هذه الأزمة بأنها “أسرع حالات النزوح القسري نمواً في العالم خلال العقد الأخير”، مع تدفقات يومية بلغت في بعض الفترات 10,000 إلى 20,000 شخص عبر المعابر الحدودية خلال 2023–2024، خاصة في فترات التصعيد في الخرطوم ونيالا والفاشر وود مدني.

وتتسم الأزمة بطابع متعدد الأبعاد، إذ لم يقتصر النزوح على العامل الأمني، بل ترافق مع انهيار اقتصادي واسع شمل توقف الأسواق، وانقطاع سلاسل الإمداد، وتراجع العملة، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية. وتشير IOM (2024) إلى أن النزوح اتخذ طابعاً مركباً يجمع بين العنف المباشر والانهيار المؤسسي والتدهور الاقتصادي، بما يميّزه عن أنماط النزوح التقليدية.

كما اتسمت التدفقات بعدم الاستقرار والتغير المستمر، نتيجة تبدل خطوط السيطرة العسكرية، خاصة في دارفور وولاية الجزيرة خلال 2023–2024، إضافة إلى صعوبة التوثيق بسبب انقطاع الاتصالات وضعف الوصول الإنساني، مما جعل التقديرات تعتمد على نماذج إسقاطية تراكمية.

وتحدد IOM (2024) ثلاثة أنماط رئيسية للنزوح: الأول هو النزوح الحدودي المباشر نحو دول الجوار مثل مصر عبر قسطل وأرقين، وتشاد عبر أدري، وجنوب السودان عبر النيل الأبيض والنيل الأزرق، وإثيوبيا عبر الشرق، ويعكس هذا النمط سرعة الهروب وانهيار الأمن المحلي. أما النمط الثاني فهو النزوح الموسمي المؤقت أو المتكرر، حيث عاد بعض النازحين مؤقتاً ثم نزحوا مجدداً مع تجدد القتال، خاصة في الخرطوم وأم درمان وود مدني، مع انتقالات داخلية متكررة خلال 6 إلى 9 أشهر وفق تقارير IOM (2024).

أما النمط الثالث فهو النزوح المختلط مع الهجرة الاقتصادية، الناتج عن الانهيار الاقتصادي شبه الكامل، بما في ذلك توقف الوظائف، وانهيار النظام المصرفي، وتراجع القوة الشرائية، ما دفع فئات حتى من خارج مناطق القتال إلى المغادرة. وتشير UNHCR (2025) إلى أن كثيراً من هذه الحالات لا تنطبق عليها تصنيفات اللجوء التقليدية، بل تمثل أوضاعاً “هجينة” تجمع بين دوافع الحماية والمعيشة.

وتوضح هذه الأنماط أن الأزمة السودانية ليست نزاعاً تقليدياً محدود التأثير، بل حالة نزوح قسري مركّب تشمل الأمن والاقتصاد والبنية المؤسسية في آن واحد. وقد أدى هذا التداخل إلى موجات نزوح غير متجانسة شملت النساء والأطفال وكبار السن وشباباً من فئات مهنية متعلمة، ما خلق تحديات كبيرة لدول الجوار في تصنيف وإدارة الاستجابة، وأدى لاحقاً إلى تفاوت واسع في السياسات الإقليمية.

المنهجية

تعتمد هذه الدراسة على منهج وصفي–تحليلي مقارن موسع يجمع بين التحليل الكمي والنوعي لفهم استجابات دول الجوار لأزمة النزوح السوداني (2023–2026) ضمن سياق سياسي وأمني وإنساني معقد. ويركز المنهج على تفاعل الفاعلين الدوليين مثل UNHCR وIOM مع الدول المستقبلة والسلطات المحلية والشبكات الحدودية غير الرسمية، بدلاً من الاكتفاء بالإطار القانوني أو المؤسسي.

استندت الدراسة إلى بيانات UNHCR (2024–2026) ومصفوفة تتبع النزوح IOM-DTM، إلى جانب تقارير Amnesty International وHuman Rights Watch لرصد الانتهاكات مثل الترحيل القسري والاحتجاز، خصوصاً في مصر وليبيا. كما استخدمت تقارير Reuters وAP لتوثيق التطورات السريعة ميدانياً، إضافة إلى تقارير ميدانية من منظمات إنسانية في مناطق الحدود مع تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا لرصد أوضاع المخيمات وأنماط العنف غير الرسمي.

تم اعتماد منهجية “التثليث البحثي” (Triangulation) لزيادة موثوقية البيانات عبر مقارنة المصادر المختلفة، مع دمج التحليل الإحصائي الوصفي بتحليل السياسات العامة وتحليل حالات حقوق الإنسان. وقد سمح هذا النهج بدراسة الاستجابة الإقليمية ليس فقط من حيث أعداد اللاجئين، بل أيضاً من حيث طبيعة السياسات ومستوى الحماية الفعلية، وكشف الفجوة بين السياسات المعلنة والممارسات على الأرض.

توزيع اللاجئين السودانيين في دول الجوار

يمثل توزيع اللاجئين السودانيين عبر دول الجوار منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 مؤشراً مركزياً لفهم ديناميات النزوح القسري في المنطقة، إلا أن هذا التوزيع يتسم بدرجة عالية من التعقيد المنهجي نتيجة تداخل فئات اللاجئين المسجلين وغير المسجلين، والعائدين، والمهاجرين ضمن تدفقات مختلطة. ووفقاً لتقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR، 2025) ومصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة (IOM، 2024)، فإن إجمالي حركة النزوح العابر للحدود من السودان يتجاوز عدة ملايين، مع تركز واضح في عدد محدود من دول الجوار، وبفروق كبيرة في القدرة الاستيعابية وأنماط الاستجابة.

تشير التقديرات المنقحة إلى أن مصر تستضيف ما بين 900,000 و1,400,000 شخص من السودان، وهو رقم يشمل اللاجئين المسجلين لدى UNHCR، إضافة إلى أعداد كبيرة من غير المسجلين الذين دخلوا عبر المعابر البرية أو عبر ترتيبات إقامة غير نظامية. ويعكس هذا النطاق الواسع من التقدير صعوبة الفصل بين الإقامة القانونية وغير القانونية في السياق المصري، فضلاً عن الطبيعة الديناميكية للتدفقات المستمرة. وتظل مصر الوجهة الأولى من حيث الحجم التراكمي، مدفوعة بعوامل القرب الجغرافي، والروابط الاجتماعية التاريخية، وتوفر البنية الحضرية القادرة على استيعاب موجات النزوح، رغم تشديد الإجراءات التنظيمية منذ أواخر 2023.

أما تشاد، فتستضيف ما بين 950,000 و1,200,000 لاجئ سوداني، معظمهم من إقليم دارفور، وفق بيانات UNHCR (2025). ويُعد هذا الرقم من أكثر التقديرات استقراراً نسبياً في الأدبيات الإنسانية، نظراً لاعتماد تسجيل مباشر في المخيمات الحدودية شرق تشاد. ويعكس هذا التركز الكثيف عامل القرب الجغرافي المباشر والانهيار الأمني في غرب السودان، إضافة إلى الروابط الاجتماعية العابرة للحدود. وقد أدى هذا التدفق إلى ضغط إنساني كبير على المناطق الحدودية في وادي فيرا وأدري، حيث تتركز الغالبية العظمى من اللاجئين في بيئات مخيمية شبه مكتظة تعتمد على الدعم الدولي.

وفي جنوب السودان، تتراوح التقديرات بين 600,000 و800,000 شخص ضمن فئة مختلطة تشمل لاجئين سودانيين وعائدين من جنوب السودان إلى مناطقهم الأصلية. ويعكس هذا الرقم الطبيعة الخاصة للعلاقة السكانية بين البلدين، حيث لا يمكن الفصل بسهولة بين النزوح والعودة في ظل الحدود المفتوحة نسبياً والتداخل الاجتماعي التاريخي. وتشير بيانات IOM (2024) إلى أن هذا المسار يتسم بتقلبات عالية نتيجة تغير الأوضاع الأمنية في ولايات أعالي النيل والنيل الأبيض، مما يؤدي إلى موجات دخول وخروج متكررة.

أما ليبيا، فتتراوح التقديرات الأكثر تحفظاً بين 150,000 و300,000 شخص من السودانيين ضمن تدفقات مختلطة تشمل لاجئين ومهاجرين غير نظاميين. ويعكس هذا الانخفاض النسبي مقارنة بالتقديرات السابقة غياب نظام تسجيل مركزي فعال، إضافة إلى الطبيعة العابرة لليبيا كدولة عبور أكثر من كونها دولة استقرار. وتشير تقارير IOM وUNHCR إلى أن جزءاً كبيراً من السودانيين في ليبيا يندرج ضمن شبكات الهجرة غير النظامية، مما يجعل التقديرات عرضة لهامش خطأ واسع.

وفي إثيوبيا، تتراوح الأعداد بين 70,000 و120,000 لاجئ سوداني، يتمركزون في المناطق الحدودية في أقاليم بني شنقول–قمز، وأمهرة، وبعض مناطق أوروميا. ويعكس هذا الرقم محدودية التدفق مقارنة بالدول المجاورة الأخرى، ويرتبط بعوامل جغرافية وأمنية، إضافة إلى التحديات الداخلية التي تواجهها إثيوبيا نفسها. وتشير IOM (2024) إلى أن جزءاً من هذه التدفقات اتسم بطابع مؤقت نتيجة استمرار عدم الاستقرار في بعض مناطق الاستقبال.

أما أوغندا، فتستضيف ما بين 60,000 و100,000 لاجئ سوداني، ضمن إطار سياسة لجوء أكثر انفتاحاً نسبياً مقارنة ببعض دول الجوار الأخرى. ويتميز النموذج الأوغندي بدمج جزئي للاجئين في المجتمعات المحلية، مع توفير فرص محدودة للعمل والحركة. ومع ذلك، يظل الضغط على الخدمات المحلية والبنية التحتية تحدياً مستمراً، خاصة في المناطق الريفية المستضيفة.

وفي جمهورية إفريقيا الوسطى، تتراوح الأعداد بين 20,000 و50,000 لاجئ سوداني، وهي أرقام منخفضة نسبياً تعكس ضعف الجذب الإقليمي لهذا المسار نتيجة الهشاشة الأمنية الشديدة داخل الدولة نفسها. وتعتمد الاستجابة بشكل كبير على المنظمات الدولية، مع غياب شبه كامل للقدرات الوطنية المنظمة لإدارة اللجوء.

أما إريتريا، فتظل الأقل استقبالاً، مع تقديرات تقل عن 10,000 حالة، وهي أرقام ذات درجة ثقة منخفضة بسبب محدودية البيانات وغياب أنظمة تسجيل شفافة، إضافة إلى الطبيعة المغلقة للحدود والسياسات الصارمة المتعلقة بالحركة عبرها.

وتشير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR، 2025) إلى أن ما بين 55% و70% من إجمالي اللاجئين السودانيين قد تركزوا في دولتين رئيسيتين هما مصر وتشاد، وهو ما يعكس نمطاً واضحاً من التمركز الجغرافي المرتبط بعوامل القرب، وسهولة الوصول، والبنية الاجتماعية العابرة للحدود، إضافة إلى الفوارق الكبيرة في قدرات الدول المستقبلة على الاستيعاب والإدارة. ويؤدي هذا التركز غير المتكافئ إلى خلق اختلال واضح في توزيع الأعباء الإنسانية إقليمياً، حيث تتحمل بعض الدول الجزء الأكبر من التدفقات، بينما تواجه دول أخرى تحديات مرتبطة بالهشاشة المؤسسية أو القيود الأمنية.

وبناءً على هذه التقديرات المنقحة، يتضح أن توزيع اللاجئين السودانيين لا يعكس مجرد حركة سكانية عابرة، بل يعبر عن إعادة تشكيل إقليمية لأنماط الاستقرار والنزوح، تتداخل فيها العوامل الجغرافية والسياسية والأمنية، مما يفرض ضرورة التعامل معه بوصفه نظاماً ديناميكياً غير متوازن يتغير باستمرار تبعاً لتطورات النزاع داخل السودان وسياسات دول الجوار.

أولاً: مصر – سياسة ضبط حدود موسعة مع حملات توقيف وترحيل ممنهجة نسبياً

السياق العددي والسياسي
تُعد مصر أكبر دولة استضافة للسودانيين من حيث التدفق التراكمي منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث تشير التقديرات المجمعة الصادرة عن (UNHCR، 2025) و(IOM، 2024) إلى أن عدد الداخلين من السودان إلى الأراضي المصرية تجاوز نطاق 900,000 إلى 1,400,000 شخص خلال الفترة 2023–2026، مع وصول بعض التقديرات التراكمية غير الرسمية إلى قرابة 1.5 مليون حالة دخول. ويعكس هذا الاتساع الكبير في النطاق الإحصائي وجود فجوة منهجية بين “التسجيل الرسمي لدى المفوضية” و“التواجد الفعلي داخل الأراضي المصرية”، إذ لا يعكس عدد المسجلين لدى UNHCR سوى جزء محدود من الإجمالي بسبب قيود التسجيل، وطول إجراءات اللجوء، وتفاوت أوضاع الإقامة بين شرعية وغير نظامية. كما أن جزءاً كبيراً من الوافدين يدخل ضمن أنماط إقامة مؤقتة أو غير موثقة، ما يزيد من صعوبة التقدير الدقيق.

وتُظهر البيانات أن مصر تمثل نقطة الجذب الأولى شمال السودان نتيجة عوامل مركبة تشمل القرب الجغرافي عبر ولايتي نهر النيل والشمالية، ووجود مسارات برية تقليدية عبر معبري أرقين وقسطل، إضافة إلى الروابط الاجتماعية والاقتصادية الممتدة تاريخياً بين مجتمعات وادي النيل. غير أن هذا التدفق الكبير تزامن مع تحول تدريجي في السياسات التنظيمية المصرية منذ النصف الثاني من 2023 في سياق ما تصفه أدبيات الهجرة بسياسات “إدارة الضغط الحدودي” المرتبطة بالهجرة المختلطة.

السياسات الحدودية
ابتداءً من منتصف 2023، بدأت السلطات المصرية في تطبيق حزمة من الإجراءات التنظيمية والحدودية المشددة تجاه الوافدين السودانيين، ويمكن رصدها في ثلاثة محاور رئيسية مترابطة. يتمثل المحور الأول في فرض متطلبات تأشيرات دخول أكثر صرامة على السودانيين، بما في ذلك توسيع نطاق الشروط المسبقة للدخول، وزيادة القيود على السفر المباشر من السودان، مما أدى إلى إعادة تشكيل مسارات الهجرة نحو نقاط عبور غير مباشرة أو غير نظامية.

أما المحور الثاني فيتعلق بتقييد حركة الدخول عبر المعابر البرية الرئيسية، خاصة معبري أرقين وقسطل على الحدود الجنوبية، حيث تم تعزيز إجراءات الفحص الأمني، وتوسيع نطاق التدقيق في الوثائق، وزيادة التنسيق الأمني الحدودي، وهو ما أدى إلى إبطاء تدفق بعض الفئات خلال فترات الذروة الإنسانية في 2023–2024.

ويتمثل المحور الثالث في تشديد إجراءات الفحص الأمني داخل نقاط الدخول والمناطق الحدودية، بما في ذلك مراجعة أوضاع الوافدين بشكل أكثر تفصيلاً وربط بعض حالات الدخول باعتبارات أمنية وإدارية إضافية، ما خلق تفاوتاً في فرص الدخول بين الفئات المختلفة من السودانيين.

حملات التوقيف والترحيل
تشير تقارير (Amnesty International، 2024) و(Human Rights Watch، 2024) إلى تنفيذ سلسلة من الإجراءات الأمنية والإدارية المتعلقة باللاجئين والمهاجرين السودانيين داخل الأراضي المصرية، خصوصاً في القاهرة الكبرى وأسوان والمناطق الحدودية الجنوبية. وقد تضمنت هذه الإجراءات عمليات توقيف جماعي استهدفت مجموعات من السودانيين، شملت في بعض الحالات أفراداً لا يحملون وثائق إقامة نظامية أو لم يتمكنوا من استكمال إجراءات التسجيل لدى السلطات أو المفوضية.

كما تم توثيق حالات احتجاز داخل مراكز احتجاز مؤقتة أو مرافق أمنية مخصصة للتحقق من الهوية، حيث بقي عدد من الأفراد لفترات متفاوتة قبل اتخاذ قرارات بالإفراج أو الترحيل. وتشير بعض التقارير إلى حالات ترحيل قسري إلى السودان رغم استمرار النزاع المسلح، وهو ما يثير إشكاليات قانونية مرتبطة بمبدأ عدم الإعادة القسرية (Non-refoulement) كما ورد في القانون الدولي للاجئين.

إضافة إلى ذلك، تم تسجيل حالات منع دخول لبعض الفئات ذات الطابع الإنساني، بما في ذلك نساء وأطفال، عند نقاط الحدود البرية، خصوصاً في فترات الضغط المرتفع على المعابر. وتُفسَّر هذه الإجراءات ضمن أدبيات السياسات العامة باعتبارها محاولة لتحقيق توازن بين اعتبارات الأمن القومي والضغط السكاني وقدرة الخدمات العامة على الاستيعاب.

وتشير تقارير ميدانية داعمة إلى أن بعض حالات الترحيل أو الإعادة تمت دون استكمال الإجراءات القضائية أو الإدارية في جميع الحالات، ما يطرح إشكالات تتعلق بالامتثال الكامل للمعايير الدولية الخاصة بحماية اللاجئين، ويعكس التوتر البنيوي بين السيادة الوطنية والالتزامات الإنسانية الدولية.

التقييم التحليلي
يمكن تصنيف النموذج المصري ضمن إطار “استجابة مقيدة أمنياً مع استضافة واسعة غير منظمة قانونياً”، حيث يجمع بين استيعاب فعلي كبير للتدفقات البشرية من جهة، وتزايد القيود التنظيمية والأمنية من جهة أخرى، دون تطور موازٍ نحو نظام لجوء مؤسسي كامل قادر على إدارة هذا الحجم من التدفقات.

ثانياً: تشاد – النموذج الإنساني الأكثر اتساعاً رغم الانهيار الاقتصادي

السياق العددي
تستضيف تشاد ما بين 950,000 و1,200,000 لاجئ سوداني، وفق تقديرات (UNHCR، 2025)، ويُعد أغلبهم من إقليم دارفور نتيجة القرب الجغرافي المباشر عبر الحدود الغربية للسودان، وخاصة عبر معابر ولاية غرب دارفور باتجاه مناطق وادي فيرا وأدري داخل الأراضي التشادية. ويُعد هذا الرقم من أكثر التقديرات استقراراً نسبياً في منظومة بيانات النزوح، نظراً لاعتماد UNHCR على التسجيل المباشر في المخيمات ونقاط العبور، مقارنة بدول أخرى تعتمد بشكل أكبر على التقديرات غير المباشرة. كما تشير (IOM، 2024) إلى أن تشاد تمثل الحالة الأكثر كثافة للاجئين نسبة إلى عدد السكان المحليين، ما يجعل العبء الإنساني فيها غير متناسب مع قدراتها الاقتصادية المحدودة.

ويعكس هذا الحجم الكبير من التدفقات عدة عوامل مترابطة، أبرزها الانهيار الأمني في غرب السودان، خاصة في ولايات دارفور الكبرى، حيث دفعت موجات العنف المسلح والنزاعات المحلية السكان إلى التحرك السريع عبر الحدود. كما أن الطبيعة الجغرافية المفتوحة نسبياً للحدود السودانية–التشادية، ووجود مجتمعات قبلية عابرة للحدود، سهلت عمليات العبور دون الحاجة إلى شبكات نقل معقدة، ما أدى إلى تدفقات جماعية متسارعة خلال فترات قصيرة في 2023–2024.

السياسات
اعتمدت الحكومة التشادية منذ بداية الأزمة في أبريل 2023 سياسة حدودية ذات طابع إنساني منفتح نسبياً، تمثلت في فتح الحدود بشكل شبه كامل أمام الفارين من النزاع دون فرض قيود تأشيرية صارمة في المراحل الأولى من الأزمة، وهو ما سمح بعبور سريع لعشرات الآلاف خلال الأسابيع الأولى من التصعيد العسكري في دارفور. وقد وصفت (UNHCR، 2025) هذا النهج بأنه أحد أكثر السياسات الإقليمية استجابةً من حيث السرعة في استقبال اللاجئين.

وفي إطار الاستجابة المؤسسية، تم إنشاء أكثر من 20 موقعاً ومخيم استقبال حدودي في شرق تشاد، خصوصاً في مناطق وادي فيرا، أدري، وبحر الغزال، وذلك بالتعاون المباشر مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP). وقد شملت هذه المخيمات بنى أساسية أولية مثل مراكز التسجيل، ونقاط توزيع الغذاء، والخدمات الصحية الطارئة، رغم محدودية الموارد.

كما تم تعزيز التعاون بين الحكومة التشادية والمنظمات الدولية في إدارة عمليات التسجيل والنقل الداخلي للاجئين من نقاط العبور إلى المخيمات الدائمة نسبياً، في محاولة لتقليل الضغط على المناطق الحدودية المباشرة التي شهدت اكتظاظاً سريعاً خلال 2023.

التحديات
على الرغم من الطابع الإنساني الواسع للاستجابة التشادية، فإن النظام يواجه تحديات بنيوية كبيرة، أبرزها العجز المالي الحاد في تمويل العمليات الإنسانية، حيث تشير (UNHCR، 2025) إلى أن فجوة التمويل في برامج الاستجابة للاجئين في تشاد تتجاوز 60% من الاحتياجات الفعلية، وهو ما ينعكس مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة داخل المخيمات.

كما تعاني المخيمات الحدودية، خاصة في مناطق أدري وأدري الشرقية، من اكتظاظ شديد نتيجة التدفقات المستمرة، ما أدى إلى تجاوز القدرة الاستيعابية المخططة في عدة مواقع خلال فترات الذروة. ويترتب على ذلك تراجع في جودة الخدمات الأساسية، بما في ذلك الإيواء المؤقت، والرعاية الصحية، وتوزيع الغذاء.

إضافة إلى ذلك، تشير تقارير (IOM، 2024) و(UNHCR، 2025) إلى تدهور واضح في خدمات المياه والصرف الصحي في بعض المخيمات، مما يرفع من مخاطر انتشار الأمراض المرتبطة بالاكتظاظ وضعف البنية التحتية، خصوصاً في مواسم الأمطار. كما يفاقم ضعف الطرق والخدمات اللوجستية من صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية إلى بعض المواقع النائية.

التقييم
يمكن تصنيف النموذج التشادي ضمن إطار “استجابة إنسانية واسعة تحت ضغط موارد حاد”، حيث تتسم السياسة العامة بالانفتاح الإنساني والقبول السريع للتدفقات، مقابل قيود شديدة مرتبطة بالقدرات الاقتصادية والمالية والبنية التحتية. ويعكس هذا النموذج أحد أوضح الأمثلة على الفجوة بين الإرادة السياسية الإنسانية والقدرة الفعلية على الاستدامة التشغيلية في إدارة أزمات النزوح واسعة النطاق.

ثالثاً: جنوب السودان – العنف غير المنهجي في بيئة هشة

السياق العددي
تشير التقديرات المجمعة الصادرة عن (UNHCR، 2025) و(IOM، 2024) إلى أن جنوب السودان يستضيف ما بين 600,000 و800,000 شخص ضمن تدفقات مختلطة تشمل لاجئين سودانيين وعائدين من جنوب السودان كانوا يقيمون في السودان قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023. ويعكس هذا التداخل الطابع المعقد للحركة السكانية في هذا المسار الحدودي، حيث لا يمكن الفصل بدقة بين فئة “اللاجئ” وفئة “العائد” نظراً لغياب سجلات موحدة، والتداخل التاريخي في الإقامة والعمل بين البلدين قبل الانفصال في 2011. كما أن طبيعة الحدود المفتوحة نسبياً بين النيل الأبيض وأعالي النيل ساهمت في تعزيز حركة العبور غير المنظمة، مما أدى إلى تدفقات متكررة وغير مستقرة زمنياً وجغرافياً.

حوادث العنف ضد اللاجئين السودانيين (تفصيل موسع)

  1. العنف في نقاط العبور الحدودية
    تشير تقارير (UNHCR، 2024) و(IOM، 2024) إلى أن نقاط العبور الحدودية بين السودان وجنوب السودان، خصوصاً في ولايتي أعالي النيل والنيل الأبيض، شهدت أنماطاً متكررة من العنف غير النظامي ضد اللاجئين السودانيين. وقد شملت هذه الأنماط هجمات مسلحة على قوافل اللاجئين في مناطق متفرقة من أعالي النيل، حيث استهدفت مجموعات مسلحة محلية بعض طرق الحركة البرية والنهرية، خاصة في محيط الرنك وملكال. كما تم تسجيل عمليات نهب ممنهجة نسبياً على طريق الرنك–ملكال، وهو أحد أهم مسارات الحركة الإنسانية في المنطقة، حيث يتعرض اللاجئون لفقدان ممتلكاتهم الأساسية أثناء العبور. بالإضافة إلى ذلك، وثقت تقارير إنسانية حالات ابتزاز مالي من قبل عناصر مسلحة محلية أو شبكات غير نظامية، تستغل هشاشة الوضع الأمني لفرض رسوم غير قانونية على اللاجئين مقابل السماح بالمرور أو الحماية المؤقتة.
  2. العنف داخل مراكز الاستقبال
    تشير البيانات الميدانية الصادرة عن (UNHCR، 2024) إلى أن مراكز الاستقبال المؤقتة داخل جنوب السودان شهدت توترات داخلية متكررة بين مجموعات اللاجئين أنفسهم، غالباً بسبب شح الموارد الأساسية مثل الغذاء والمياه والخدمات الصحية. وقد تطورت بعض هذه التوترات إلى اشتباكات محدودة النطاق، تعكس هشاشة إدارة الموارد داخل بيئات الاستقبال المكتظة. كما تم الإبلاغ عن حالات اعتداءات جنسية أو جسدية ضد النساء في بعض مراكز الإيواء المؤقتة، خاصة في المواقع التي تفتقر إلى إضاءة كافية أو فصل آمن بين المساحات السكنية. ويضاف إلى ذلك ضعف أو غياب آليات الشرطة المجتمعية أو الحماية النظامية داخل المخيمات، مما يترك فراغاً أمنياً يتم ملؤه أحياناً بسلطات محلية غير رسمية أو مجموعات شبابية مسلحة.
  3. الانتهاكات غير المباشرة
    إلى جانب العنف المباشر، تشير تقارير (IOM، 2024) و(UNHCR، 2024) إلى وجود أنماط من الانتهاكات غير المباشرة التي تؤثر على اللاجئين السودانيين في جنوب السودان. ومن أبرز هذه الأنماط فرض رسوم عبور غير رسمية عند نقاط التفتيش أو العبور النهري، والتي تفرضها جهات محلية أو أفراد مسلحون خارج الإطار الرسمي للدولة. كما يؤدي التأخير في إجراءات التسجيل وتوثيق أوضاع اللاجئين إلى زيادة تعرضهم للاستغلال الاقتصادي أو الإداري، بما في ذلك صعوبة الوصول إلى الخدمات الإنسانية أو المساعدات الغذائية في الوقت المناسب. ويخلق هذا التأخير حالة من الهشاشة القانونية والإدارية تجعل اللاجئين عرضة لمزيد من المخاطر.

التحليل البنيوي
يمكن تفسير أنماط العنف والانتهاكات في جنوب السودان ضمن إطار بنيوي لا يرتبط بسياسات دولة مركزية ممنهجة بقدر ما يعكس طبيعة النظام الأمني والاجتماعي الهش. ويتمثل العامل الأساسي في تعدد الفاعلين المسلحين داخل الدولة، بما في ذلك مجموعات شبه عسكرية، وميليشيات محلية، وشبكات أمن غير رسمية تعمل خارج إطار الدولة. كما يساهم ضعف الدولة المركزية في فرض سيادة القانون، خاصة في المناطق الحدودية والنائية، في خلق فراغ أمني واسع يسمح بانتشار أنماط العنف غير المنهجي. بالإضافة إلى ذلك، تؤدي هشاشة البنية الأمنية والمؤسساتية إلى غياب آليات حماية فعالة ومستدامة للاجئين، ما يجعل البيئة ككل غير مستقرة وغير قابلة للتنبؤ.

التقييم
يمكن تصنيف نموذج جنوب السودان ضمن إطار “بيئة حماية ضعيفة مع عنف غير منهجي واسع النطاق”، حيث لا ينبع العنف بالضرورة من سياسة دولة مركزية مباشرة، بل من تفاعل معقد بين الفوضى الأمنية، وتعدد الفاعلين المسلحين، وضعف مؤسسات الحماية، ما يؤدي إلى إنتاج بيئة عالية المخاطر للاجئين السودانيين والعائدين على حد سواء.

رابعاً: إثيوبيا – استجابة غير متجانسة مرتبطة بالصراعات الداخلية

السياق العددي
تشير التقديرات الصادرة عن (UNHCR، 2025) و(IOM، 2024) إلى أن عدد اللاجئين السودانيين في إثيوبيا يتراوح بين 70,000 و120,000 شخص، بينما رفعت بعض التقديرات التخطيطية المرتبطة ببرامج الاستجابة الإنسانية الحد الأعلى المحتمل إلى نحو 180,000 شخص في حال استمرار تدفقات النزوح من شرق السودان وغربه. ويتركز معظم اللاجئين في المناطق الحدودية المتاخمة للسودان، ولا سيما في إقليمي بني شنقول–قمز وأمهرة، مع وجود أعداد أقل في مناطق أخرى داخل البلاد. ويعكس هذا الحجم المحدود نسبياً مقارنة بمصر وتشاد وجنوب السودان تأثير عوامل متعددة تشمل المسافة الجغرافية، والتحديات الأمنية الداخلية الإثيوبية، وصعوبة الوصول إلى بعض مناطق الاستقبال.

كما أن تدفقات اللاجئين السودانيين إلى إثيوبيا لم تكن ثابتة زمنياً، بل شهدت تذبذباً ملحوظاً تبعاً للتطورات الأمنية داخل السودان من جهة، وللأوضاع السياسية والأمنية داخل إثيوبيا من جهة أخرى. وقد أدى هذا التذبذب إلى تفاوت واضح في أعداد الوافدين بين الفترات المختلفة من 2023 و2024 و2025، خاصة في المناطق الحدودية التي تأثرت بالصراعات المحلية الإثيوبية.

السياسات
اعتمدت إثيوبيا سياسة استقبال سمحت بدخول أعداد كبيرة من الفارين من النزاع السوداني عبر الأقاليم الحدودية، خاصة في بني شنقول–قمز وأمهرة، حيث جرى إنشاء ترتيبات استقبال أولية بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والجهات الإنسانية الدولية (UNHCR، 2025). إلا أن هذه السياسة لم تتسم بدرجة عالية من التجانس على المستوى الوطني، إذ تفاوتت إجراءات الاستقبال والتسجيل والخدمات المقدمة بين منطقة وأخرى تبعاً للظروف الأمنية والإدارية المحلية.

وتشير تقارير (UNHCR، 2025) إلى وجود تفاوت كبير في عمليات تسجيل اللاجئين، حيث تمكنت بعض المناطق من تنفيذ عمليات تسجيل منظمة نسبياً، بينما شهدت مناطق أخرى تأخيرات إدارية وصعوبات لوجستية أثرت على إدراج الوافدين في نظم الحماية الرسمية. كما فُرضت قيود إدارية متفاوتة في بعض المناطق تتعلق بحرية الحركة أو الوصول إلى الخدمات أو إجراءات التسجيل، وهو ما خلق تفاوتاً في مستوى الحماية بين مجموعات اللاجئين داخل الدولة نفسها.

ويعكس هذا التباين الطبيعة اللامركزية نسبياً للاستجابة الإثيوبية، حيث تتأثر إدارة ملف اللاجئين بدرجة كبيرة بقدرات السلطات الإقليمية المحلية وظروفها الأمنية والاقتصادية، وليس فقط بالسياسات الوطنية المعلنة.

التحديات
تتمثل أبرز التحديات التي تواجه استجابة إثيوبيا لأزمة اللاجئين السودانيين في التأثيرات المستمرة للصراعات الداخلية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. فعلى الرغم من تراجع حدة الحرب في تيغراي مقارنة بفترات سابقة، فإن آثارها المؤسسية والاقتصادية والأمنية ما زالت تؤثر على قدرة الدولة على إدارة أزمات إنسانية واسعة النطاق (OECD، 2020). وقد أدت هذه الظروف إلى استنزاف جزء كبير من الموارد الحكومية والإدارية التي كان يمكن توجيهها إلى برامج الاستجابة للاجئين.

كما تعاني منظومة إدارة الهجرة واللجوء من ضعف نسبي في البنية الإدارية والقدرات التشغيلية، خاصة في المناطق الحدودية النائية. ويظهر ذلك في بطء بعض عمليات التسجيل، وضعف جمع البيانات، والتحديات المرتبطة بتنسيق المساعدات الإنسانية بين المؤسسات الحكومية والشركاء الدوليين (IOM، 2024).

ويُضاف إلى ذلك محدودية التمويل الدولي المخصص للاستجابة الإنسانية في إثيوبيا، حيث تواجه وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية فجوات تمويلية متكررة تؤثر على توفير الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم للاجئين. كما تؤدي المنافسة على الموارد المحدودة بين المجتمعات المحلية المضيفة واللاجئين إلى زيادة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية في بعض مناطق الاستقبال.

ومن التحديات الإضافية ضعف البنية التحتية في بعض المناطق الحدودية، بما يشمل شبكات الطرق والنقل والخدمات الصحية، وهو ما يحد من قدرة الجهات الإنسانية على الاستجابة السريعة والفعالة للاحتياجات المتزايدة للاجئين السودانيين.

التقييم
يمكن تصنيف النموذج الإثيوبي ضمن إطار “استجابة متذبذبة مرتبطة بالاستقرار الداخلي”، حيث تجمع السياسة الإثيوبية بين الاستعداد لاستقبال اللاجئين من حيث المبدأ، وبين قيود عملية ناتجة عن التحديات الأمنية والمؤسسية والاقتصادية الداخلية. ولذلك لا يعكس مستوى الحماية المتاح للاجئين السودانيين سياسة رفض ممنهجة، بقدر ما يعكس تفاوتاً في القدرات والموارد والاستقرار بين الأقاليم المختلفة. ونتيجة لذلك، تتسم تجربة اللاجئين السودانيين في إثيوبيا بدرجات متفاوتة من الوصول إلى الحماية والخدمات تبعاً للموقع الجغرافي والظروف المحلية أكثر من ارتباطها بسياسة وطنية موحدة.

خامساً: ليبيا – انهيار مؤسسي لمنظومة الحماية وتداخل اللجوء مع شبكات الهجرة غير النظامية

السياق العددي
تُعد ليبيا إحدى أكثر حالات اللجوء السوداني تعقيداً من الناحية المنهجية والإحصائية خلال الفترة 2023–2026، نظراً لغياب نظام وطني موحد لتسجيل اللاجئين والمهاجرين، وتعدد السلطات المسيطرة على الأراضي الليبية، وتداخل مسارات اللجوء مع شبكات الهجرة غير النظامية العابرة للصحراء. وتشير البيانات المتاحة من (IOM، 2024) و(UNHCR، 2025) إلى أن عدد السودانيين الموجودين داخل ليبيا يُقدَّر على الأرجح بما بين 150,000 و300,000 شخص، مع وجود تقديرات غير رسمية أعلى من ذلك في بعض التقارير الإعلامية والميدانية. إلا أن هذه الأرقام تشمل خليطاً من اللاجئين الفارين من الحرب، والمهاجرين غير النظاميين، والعاملين الموسميين، والأفراد العابرين نحو أوروبا، ما يجعل الفصل الإحصائي بين هذه الفئات بالغ الصعوبة.

وقد شهدت ليبيا منذ اندلاع الحرب السودانية تدفقاً متزايداً للسودانيين عبر الممرات الصحراوية الممتدة بين شمال دارفور وشمال السودان من جهة، وجنوب ليبيا من جهة أخرى، خاصة عبر مناطق الكفرة والواحات الجنوبية. وأدى استمرار النزاع في السودان إلى تحويل ليبيا إلى إحدى أهم وجهات العبور البديلة للسودانيين الساعين إلى الوصول إلى الساحل المتوسطي أو البحث عن فرص عمل مؤقتة داخل الاقتصاد غير الرسمي الليبي.

الانتهاكات
تشير تقارير الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة وتقارير حقوق الإنسان الدولية إلى أن السودانيين في ليبيا يواجهون طيفاً واسعاً من الانتهاكات المرتبطة بغياب الحماية القانونية والمؤسسية (UNHCR، 2025؛ IOM، 2024). وتتمثل إحدى أبرز هذه الانتهاكات في الاحتجاز التعسفي داخل مراكز احتجاز رسمية وغير رسمية، حيث يُحتجز أفراد في ظروف تفتقر في كثير من الحالات إلى الضمانات القانونية الأساسية أو الرقابة القضائية الفعالة. كما تتحدث تقارير حقوقية وإعلامية دولية عن تعرض بعض السودانيين للاحتجاز لفترات طويلة دون مراجعة قضائية منتظمة.

كما تم توثيق حالات إعادة قسرية أو طرد إلى مناطق حدودية وصحراوية شديدة الخطورة، بما في ذلك عمليات نقل إلى مناطق نائية بالقرب من الحدود الجنوبية، الأمر الذي يعرض الأفراد لمخاطر العطش والجوع والعنف المسلح. وتثير هذه الممارسات إشكالات قانونية تتعلق بمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي للاجئين.

وتشير تقارير (IOM، 2024) إلى أن شبكات تهريب البشر والاتجار بالأشخاص تمثل أحد أكبر التهديدات التي تواجه السودانيين في ليبيا، حيث يستغل المهربون هشاشة أوضاعهم القانونية والاقتصادية لفرض مبالغ مالية كبيرة مقابل النقل أو الحماية أو تسهيل العبور نحو الساحل. كما ترتبط بعض هذه الشبكات بأنماط من الابتزاز المالي والعمل القسري والاحتجاز بغرض الفدية.

إضافة إلى ذلك، تم الإبلاغ عن حالات فقدان أو اختفاء لأفراد أثناء رحلات العبور الصحراوية أو خلال محاولات الهجرة البحرية، وهي ظاهرة ترتبط بتعدد الفاعلين المسلحين وضعف الرقابة الحكومية على أجزاء واسعة من الأراضي الليبية. وتؤكد منظمات دولية أن توثيق هذه الحالات يظل محدوداً بسبب صعوبة الوصول إلى العديد من المناطق وغياب قواعد بيانات شاملة.

التحليل
تختلف الحالة الليبية عن بقية دول الجوار السوداني في أن المشكلة الأساسية لا تتمثل في تشديد سياسات اللجوء أو ضعف التمويل الإنساني فقط، بل في غياب منظومة لجوء وطنية متماسكة وقادرة على توفير حماية قانونية ومؤسسية مستقرة. فالتعدد السياسي والأمني داخل ليبيا، والانقسام بين السلطات المختلفة، وانتشار الجماعات المسلحة والشبكات غير النظامية، كلها عوامل تؤدي إلى تقويض قدرة الدولة على إدارة ملف اللجوء وفق معايير موحدة.

كما أن تداخل اللجوء مع الهجرة غير النظامية يجعل السودانيين عرضة للتعامل معهم ضمن أطر أمنية مرتبطة بضبط الهجرة أكثر من التعامل معهم باعتبارهم أشخاصاً فارين من نزاع مسلح. ويؤدي ذلك إلى تراجع فرص الوصول إلى إجراءات حماية واضحة ومستقرة مقارنة بالعديد من دول الجوار الأخرى.

التقييم
يمكن تصنيف النموذج الليبي ضمن إطار: “انهيار مؤسسي حاد لمنظومة الحماية وتداخل اللجوء مع اقتصاد الهجرة غير النظامية”، حيث لا يواجه اللاجئون السودانيون تحديات مرتبطة فقط بالموارد أو الإجراءات الإدارية، وإنما أيضاً بغياب بيئة مؤسسية مستقرة قادرة على ضمان الحد الأدنى من الحماية القانونية والإنسانية بصورة متسقة.

سادساً: أوغندا – نموذج استضافة مستقر نسبياً

السياق العددي
تُعد أوغندا من بين الدول الأفريقية ذات الخبرة الطويلة في استضافة اللاجئين وإدارة برامج الحماية الدولية، وقد استقبلت منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023 أعداداً متزايدة من اللاجئين السودانيين عبر مسارات مباشرة وغير مباشرة، خاصة عبر جنوب السودان. وتشير بيانات (UNHCR، 2025) و(IOM، 2024) إلى أن عدد اللاجئين السودانيين في أوغندا يتراوح بين 60,000 و100,000 شخص، بينما رفعت بعض التقديرات التشغيلية الحد الأعلى إلى نحو 110,000 شخص مع استمرار التدفقات خلال 2025–2026. ورغم أن هذه الأعداد أقل بكثير من نظيراتها في مصر وتشاد وجنوب السودان، فإنها تمثل زيادة ملحوظة ضمن منظومة لجوء أوغندية تستضيف بالفعل أعداداً كبيرة من اللاجئين القادمين من جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ودول أخرى في الإقليم.

ويتميز الوجود السوداني في أوغندا بارتفاع نسبة الأسر والأطفال والنساء مقارنة ببعض مسارات اللجوء الأخرى، كما أن جزءاً من اللاجئين السودانيين يستقر في مخيمات ومستوطنات لاجئين قائمة مسبقاً، بينما يختار آخرون الإقامة في المناطق الحضرية، وخاصة العاصمة كمبالا وبعض المدن الإقليمية الكبرى. وقد ساعدت البنية المؤسسية التي طورتها أوغندا خلال العقود الماضية في استيعاب جزء كبير من التدفقات الجديدة بصورة أكثر تنظيماً مقارنة ببعض دول الجوار الأخرى.

السياسات
تعتمد أوغندا نموذجاً يُعد من أكثر نماذج اللجوء انفتاحاً في القارة الأفريقية، حيث ترتكز سياستها العامة على منح اللاجئين مستوى واسعاً نسبياً من حرية الحركة والإقامة والعمل مقارنة بالعديد من الدول الأخرى (UNHCR، 2025). وقد استفاد اللاجئون السودانيون من هذه المنظومة، إذ تمكنت السلطات الأوغندية بالتعاون مع المنظمات الدولية من تسجيل الوافدين الجدد وإدماجهم ضمن برامج الحماية والمساعدات الإنسانية القائمة.

كما تقوم السياسة الأوغندية على مبدأ الدمج التدريجي داخل المجتمعات الريفية المستضيفة من خلال نظام المستوطنات (Settlement System)، الذي يختلف عن نموذج المخيمات المغلقة الشائع في بعض الدول الأخرى. ويسمح هذا النموذج للاجئين بالحصول على قطع أراضٍ محدودة للاستخدام الزراعي أو السكني في بعض المناطق، بما يعزز فرص الاعتماد الجزئي على الذات ويقلل من الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية.

وتحظى الاستجابة الأوغندية بدعم واسع من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) وعدد من الشركاء الدوليين، الذين يشاركون في تمويل برامج الغذاء والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. كما تستفيد أوغندا من خبرة مؤسساتها الوطنية في إدارة ملفات اللجوء، وهو ما ينعكس في وجود آليات تسجيل واستجابة أكثر استقراراً نسبياً مقارنة ببعض البيئات الإقليمية الأخرى.

التحديات
على الرغم من الإيجابيات النسبية للنموذج الأوغندي، فإنه يواجه مجموعة من التحديات البنيوية المتزايدة. ويتمثل التحدي الأول في الضغط المتصاعد على الموارد المحلية والبنية التحتية في المناطق المستضيفة، خاصة في ظل تزايد أعداد اللاجئين من دول متعددة في وقت واحد. وقد أدى ذلك إلى ضغوط على الخدمات الصحية والتعليمية ومصادر المياه والأراضي الزراعية في بعض المناطق الريفية (UNHCR، 2025).

كما تواجه بعض المستوطنات ومراكز الاستقبال توترات اجتماعية متفرقة بين اللاجئين أنفسهم أو بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة، وغالباً ما ترتبط هذه التوترات بالمنافسة على الموارد المحدودة أو فرص العمل أو الخدمات العامة. وتشير التقارير الإنسانية إلى أن هذه التوترات تظل محدودة نسبياً مقارنة ببعض السياقات الإقليمية الأخرى، إلا أنها تمثل تحدياً مستمراً يتطلب تدخلات وقائية وإدارية فعالة.

ويُعد التمويل الإنساني أحد أكبر التحديات التي تواجه استدامة النموذج الأوغندي. فمع تزايد أعداد اللاجئين وتعدد الأزمات الإنسانية العالمية، تواجه برامج الاستجابة فجوات تمويلية متكررة تؤثر على مستوى الخدمات المقدمة، بما في ذلك المساعدات الغذائية والرعاية الصحية وبرامج التعليم والحماية. وقد حذرت منظمات إنسانية من أن استمرار نقص التمويل قد يؤدي إلى تقليص المساعدات المخصصة للاجئين خلال السنوات المقبلة.

التقييم
يمكن تصنيف النموذج الأوغندي ضمن إطار “استجابة إيجابية نسبياً مع تحديات تمويل واستدامة”، حيث تجمع السياسات الأوغندية بين الانفتاح النسبي على استقبال اللاجئين، وتوفير مستوى معقول من الحماية القانونية والاجتماعية، وبين ضغوط متزايدة ناتجة عن محدودية الموارد وتنامي الاحتياجات الإنسانية. ويُظهر هذا النموذج أن فعالية سياسات اللجوء لا تعتمد فقط على الإرادة السياسية، بل أيضاً على قدرة المجتمع الدولي على توفير الدعم المالي والمؤسسي اللازم للحفاظ على مستويات الحماية والخدمات على المدى الطويل.

سابعاً: جمهورية إفريقيا الوسطى – استجابة ضعيفة جداً في سياق دولة هشة ومتأثرة بالنزاعات

السياق العددي
تُعد جمهورية إفريقيا الوسطى من أقل دول الجوار استقبالاً للاجئين السودانيين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث تشير تقديرات (UNHCR، 2025) و(IOM، 2024) إلى وجود ما بين 20,000 و50,000 لاجئ سوداني داخل أراضيها، بينما رفعت بعض التقديرات الإنسانية الحد الأعلى إلى نحو 60,000 شخص في فترات الذروة. ويتركز معظم اللاجئين في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية المتاخمة لدارفور، وخاصة في المحافظات الحدودية التي ترتبط تاريخياً بحركات نزوح متبادلة بين البلدين.

ويعكس الحجم المحدود نسبياً للتدفقات نحو جمهورية إفريقيا الوسطى عدة عوامل، أبرزها ضعف البنية التحتية، واستمرار الاضطرابات الأمنية، وغياب فرص العمل والخدمات الأساسية، مما يجعلها أقل جاذبية كوجهة لجوء مقارنة بمصر أو تشاد أو أوغندا. كما أن استمرار النزاعات المسلحة الداخلية يحد من قدرة الدولة على استيعاب أعداد كبيرة من اللاجئين أو توفير بيئة حماية مستقرة لهم.

الخصائص
تتميز استجابة جمهورية إفريقيا الوسطى لأزمة اللاجئين السودانيين بضعف واضح في القدرات المؤسسية. فالدولة تفتقر إلى نظام لجوء متكامل وقادر على إدارة تدفقات واسعة النطاق بصورة مستقلة، الأمر الذي يجعل الجزء الأكبر من عمليات التسجيل والإيواء وتقديم الخدمات الإنسانية معتمداً على المنظمات الدولية، وعلى رأسها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) والمنظمة الدولية للهجرة (IOM) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP).

كما تشير تقارير (UNHCR، 2025) إلى أن إدارة ملف اللاجئين تعتمد بصورة كبيرة على آليات الطوارئ الإنسانية أكثر من اعتمادها على مؤسسات وطنية مستقرة. ويؤدي هذا الوضع إلى تفاوت في الخدمات المقدمة بين المناطق المختلفة، وإلى هشاشة الاستجابة عند حدوث أي نقص في التمويل أو تراجع في وجود المنظمات الدولية.

ومن الخصائص الأساسية أيضاً ضعف البنية الأمنية في أجزاء واسعة من البلاد. فوجود جماعات مسلحة ونقص سيطرة الدولة على بعض المناطق الريفية والحدودية يحدان من قدرة السلطات على توفير الحماية الكاملة للاجئين. كما يؤدي هذا الوضع إلى صعوبات في إيصال المساعدات الإنسانية، وإلى مخاطر أمنية متكررة تواجه اللاجئين والمجتمعات المضيفة على حد سواء.

إضافة إلى ذلك، تعاني المناطق المستضيفة من مستويات مرتفعة من الفقر وانخفاض الخدمات العامة، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم ومياه الشرب، وهو ما يزيد من حدة الضغوط الناتجة عن تدفقات اللاجئين ويؤثر على جودة الاستجابة الإنسانية.

التقييم
يمكن تصنيف نموذج جمهورية إفريقيا الوسطى ضمن إطار “استجابة ضعيفة بسبب هشاشة الدولة”، حيث لا يرتبط ضعف الحماية بالضرورة بسياسات تقييدية متعمدة، بل يعكس محدودية القدرات المؤسسية والأمنية والاقتصادية للدولة. وتظل قدرة اللاجئين السودانيين على الوصول إلى الحماية والخدمات الإنسانية مرتبطة إلى حد كبير بوجود المنظمات الدولية واستمرار التمويل الخارجي، أكثر من ارتباطها بقدرات وطنية مستقرة ومستدامة.

ثامناً: إريتريا – سياسة إغلاق حدودي صارم ومحدودية شديدة في الوصول إلى الحماية

السياق العددي
تمثل إريتريا الحالة الأقل وضوحاً من الناحية الإحصائية بين دول الجوار السوداني، إذ تشير التقديرات المتاحة إلى وجود أقل من 10,000 حالة مرتبطة بالنزوح السوداني خلال الفترة 2023–2026 (UNHCR، 2025). ويصعب الوصول إلى تقديرات أكثر دقة بسبب محدودية البيانات المنشورة، وضعف الشفافية الإحصائية، وغياب نظم تسجيل متاحة للرقابة الدولية بالدرجة نفسها الموجودة في دول الجوار الأخرى.

كما أن التدفقات نحو إريتريا ظلت محدودة للغاية مقارنة ببقية الدول المجاورة، ويرتبط ذلك بعوامل جغرافية وسياسية وأمنية، أبرزها الطبيعة المغلقة نسبياً للحدود والإجراءات الصارمة المرتبطة بالحركة عبرها.

الخصائص
تتميز السياسة الإريترية تجاه الحركة العابرة للحدود بدرجة عالية من المركزية والضبط الأمني. وتشير الأدبيات الدولية وتقارير المنظمات الإنسانية إلى وجود قيود صارمة على الدخول والإقامة، وهو ما يحد من قدرة اللاجئين السودانيين على الوصول إلى الأراضي الإريترية أو الاستقرار فيها بصورة منتظمة (UNHCR، 2025).

كما تمثل محدودية الشفافية الإحصائية إحدى السمات الرئيسية للحالة الإريترية، حيث لا تتوافر بيانات دورية مفصلة حول أعداد اللاجئين السودانيين أو أوضاعهم القانونية والمعيشية، الأمر الذي يجعل تقييم مستوى الحماية الفعلي أكثر صعوبة مقارنة بالدول الأخرى في الإقليم.

وتشير بعض التقارير الحقوقية والدولية إلى وجود مزاعم وحالات موثقة تتعلق بإعادة أشخاص عبر الحدود أو إعادتهم إلى مناطق قد يواجهون فيها مخاطر أمنية، وهو ما أثار مخاوف لدى منظمات حقوق الإنسان بشأن مدى الامتثال الكامل لمبدأ عدم الإعادة القسرية. إلا أن محدودية الوصول المستقل إلى المعلومات داخل إريتريا تجعل توثيق حجم هذه الحالات وتواترها أكثر تعقيداً من الحالات المماثلة في دول أخرى.

كما تؤثر الطبيعة المغلقة للمجال العام ومحدودية وجود المنظمات الدولية في بعض المناطق على قدرة الجهات الإنسانية على متابعة أوضاع اللاجئين بصورة منتظمة، الأمر الذي يزيد من الغموض المحيط بواقع الحماية داخل البلاد.

التقييم
يمكن تصنيف النموذج الإريتري ضمن إطار “نظام مغلق مع مخاطر حماية عالية”، حيث ترتبط التحديات الأساسية بالقيود المفروضة على الوصول والحركة، وضعف الشفافية، ومحدودية آليات الرقابة الدولية، أكثر من ارتباطها بحجم تدفقات اللاجئين نفسها. ويؤدي هذا الوضع إلى جعل تقييم أوضاع اللاجئين السودانيين في إريتريا أكثر صعوبة، مع استمرار المخاوف المتعلقة بإمكانية الوصول إلى الحماية الدولية الفعالة.

التحليل المقارن العام الموسع لسياسات دول الجوار السوداني تجاه اللاجئين

تكشف المقارنة بين سياسات دول الجوار السوداني خلال الفترة 2023–2026 عن تباين كبير في أنماط الاستجابة للاجئين الفارين من الحرب الأهلية السودانية. ويعود هذا التباين إلى مجموعة معقدة من العوامل تشمل القدرات الاقتصادية، والاستقرار السياسي، وطبيعة مؤسسات الدولة، والأوضاع الأمنية الداخلية، ومستوى الانخراط في منظومة الحماية الدولية، والضغوط الديموغرافية الواقعة على المجتمعات المستضيفة. وتُظهر الأدلة المستمدة من (UNHCR، 2025) و(IOM، 2024) وتقارير المنظمات الحقوقية الدولية أن دول الجوار لم تطور نموذجاً إقليمياً موحداً للتعامل مع الأزمة، بل أنتجت مجموعة من النماذج المختلفة التي تتراوح بين الانفتاح الإنساني الواسع والإغلاق الحدودي الصارم.

ومن منظور تحليل السياسات المقارنة، يمكن تصنيف استجابات دول الجوار السوداني إلى ستة أنماط رئيسية تعكس اختلافات جوهرية في أولويات الدولة وقدراتها المؤسسية ومستويات الحماية المتاحة للاجئين.

  1. استجابة إنسانية واسعة: تشاد

تمثل تشاد النموذج الأكثر انفتاحاً من الناحية الإنسانية بين جميع دول الجوار السوداني خلال الأزمة الحالية. فمنذ الأسابيع الأولى للحرب، أبقت السلطات التشادية حدودها مفتوحة بصورة شبه كاملة أمام الفارين من النزاع، واستقبلت ما يقارب مليون لاجئ أو أكثر رغم محدودية الموارد الوطنية (UNHCR، 2025). ويكتسب هذا النموذج أهمية خاصة لأن تشاد تُعد من أفقر دول العالم، ومع ذلك تحملت العبء الأكبر من حيث عدد اللاجئين نسبة إلى عدد السكان والقدرات الاقتصادية.

وقد تميزت الاستجابة التشادية بإنشاء عشرات مواقع الاستقبال والمخيمات الحدودية، والتعاون المكثف مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي والشركاء الإنسانيين. إلا أن هذا الانفتاح الإنساني ترافق مع ضغوط تشغيلية وتمويلية هائلة تمثلت في الاكتظاظ، ونقص الغذاء، وضعف البنية التحتية، والعجز المالي المزمن في تمويل العمليات الإنسانية (UNHCR، 2025).

وعليه يمكن اعتبار تشاد النموذج الأقرب إلى مفهوم “الحماية الإنسانية القصوى ضمن بيئة موارد محدودة”، حيث تجاوزت الإرادة السياسية الإمكانات الاقتصادية المتاحة.

  1. استجابة إيجابية نسبياً: أوغندا

تمثل أوغندا نموذجاً مختلفاً يقوم على الانفتاح المنظم والمؤسسي. فالدولة تمتلك خبرة طويلة في إدارة ملفات اللجوء، وتتبنى سياسات تسمح بدرجة واسعة نسبياً من حرية الحركة والعمل والإقامة للاجئين مقارنة بمعظم دول المنطقة (UNHCR، 2025).

وقد استفاد اللاجئون السودانيون من هذا الإطار المؤسسي المستقر نسبياً، حيث جرى تسجيلهم وإدماجهم ضمن برامج الحماية والخدمات القائمة. كما اعتمدت أوغندا نظام المستوطنات الريفية الذي يهدف إلى تقليل الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية من خلال توفير فرص محدودة للإنتاج الزراعي والاندماج الاقتصادي.

ومع ذلك، تواجه أوغندا تحديات متزايدة مرتبطة بنقص التمويل الدولي والضغط على الخدمات العامة والبنية التحتية، إلا أن مستوى الحماية المتاح فيها يظل من بين الأعلى مقارنة بمعظم دول الجوار السوداني.

  1. استجابة مقيدة أمنياً: مصر وإثيوبيا

تشترك مصر وإثيوبيا في اعتماد نمط يمكن وصفه بأنه “استجابة مقيدة أمنياً”، رغم اختلاف السياقات الداخلية لكل منهما.

في مصر، استقبلت الدولة أكبر عدد من السودانيين من حيث الحجم المطلق تقريباً، إلا أن الاستجابة اتسمت بتشديد تدريجي للضوابط الحدودية وإجراءات الدخول والإقامة منذ منتصف 2023. كما وثقت منظمات حقوقية دولية عمليات توقيف واحتجاز وترحيل أثارت نقاشات قانونية بشأن مبدأ عدم الإعادة القسرية (Amnesty International، 2024؛ Human Rights Watch، 2024). ويعكس النموذج المصري محاولة تحقيق توازن بين الالتزامات الإنسانية ومتطلبات الأمن القومي وإدارة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن التدفقات الكبيرة.

أما إثيوبيا، فقد سمحت باستقبال أعداد من اللاجئين السودانيين، إلا أن طبيعة الاستجابة تأثرت بصورة واضحة بالتحديات الداخلية، بما في ذلك آثار النزاعات المسلحة السابقة والضغوط الاقتصادية وضعف القدرات الإدارية في بعض الأقاليم الحدودية. ونتيجة لذلك، ظهرت تفاوتات كبيرة في التسجيل والخدمات ومستويات الحماية بين المناطق المختلفة (UNHCR، 2025).

ويشترك البلدان في أن الاعتبارات الأمنية والإدارية أصبحت جزءاً أساسياً من إدارة ملف اللجوء، وإن اختلفت دوافع هذه الاعتبارات وسياقاتها الداخلية.

  1. بيئات هشّة: جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى

يمثل جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى نموذج “الدولة الهشة المستضيفة للاجئين”، حيث لا ترتبط التحديات الأساسية بسياسات تقييدية مباشرة، وإنما بضعف مؤسسات الدولة نفسها وعدم قدرتها على توفير الحماية والخدمات بصورة مستقرة.

في جنوب السودان، ترتبط المخاطر بانتشار الجماعات المسلحة، وضعف سيطرة الدولة على بعض المناطق، وتكرار حوادث النهب والابتزاز والعنف غير المنهجي ضد اللاجئين والعائدين (UNHCR، 2024). ولا يُنظر إلى هذه الانتهاكات عادة باعتبارها سياسة حكومية مركزية، بل كنتيجة مباشرة للهشاشة الأمنية والمؤسسية.

أما جمهورية إفريقيا الوسطى، فتواجه أوضاعاً مشابهة من حيث ضعف القدرات الحكومية والاعتماد شبه الكامل على المنظمات الدولية في إدارة ملف اللاجئين. ويؤدي استمرار النزاعات الداخلية والفقر المزمن إلى تقليص قدرة الدولة على توفير الحماية المستدامة أو الخدمات الأساسية للاجئين (UNHCR، 2025).

ويمثل البلدان معاً مثالاً واضحاً لما تصفه أدبيات الدولة الهشة بظاهرة “استضافة اللاجئين داخل بيئات تعاني أصلاً من أزمات حماية داخلية” (OECD، 2020).

  1. انهيار الحماية: ليبيا

تُمثل ليبيا الحالة الأكثر خطورة من منظور الحماية القانونية والمؤسسية. فالمشكلة الأساسية لا تكمن فقط في محدودية الموارد أو الضغوط الأمنية، بل في غياب منظومة لجوء وطنية فعالة وتعدد مراكز السلطة وانتشار الجماعات المسلحة وشبكات الاتجار بالبشر (IOM، 2024).

ويواجه السودانيون في ليبيا مخاطر متعددة تشمل الاحتجاز التعسفي، والاستغلال الاقتصادي، والابتزاز، والعنف، والتعرض لشبكات التهريب، فضلاً عن ضعف إمكانية الوصول إلى إجراءات حماية مستقرة (UNSMIL، 2024). كما أن تداخل اللجوء مع الهجرة غير النظامية يؤدي إلى طمس الحدود بين فئات الحماية الدولية وفئات ضبط الهجرة.

ولهذا تُصنف ليبيا ضمن فئة “انهيار الحماية المؤسسية”، حيث تغيب البيئة القانونية والإدارية القادرة على ضمان الحد الأدنى من حقوق اللاجئين بصورة منتظمة.

  1. إغلاق كامل أو شبه كامل: إريتريا

تمثل إريتريا النموذج الأكثر انغلاقاً بين دول الجوار السوداني. إذ تتسم سياساتها بدرجة عالية من الضبط الأمني للحدود والحركة السكانية، مع محدودية شديدة في البيانات المتاحة حول اللاجئين السودانيين وأوضاعهم (UNHCR، 2025).

كما تثير محدودية الشفافية وصعوبة الوصول المستقل إلى المعلومات مخاوف تتعلق بمستويات الحماية الفعلية وإمكانية رصد الانتهاكات أو تقييمها بصورة دقيقة. وتشير بعض التقارير الدولية إلى وجود مخاطر مرتبطة بالإعادة عبر الحدود والقيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الحماية الدولية.

وبالتالي يمكن تصنيف النموذج الإريتري باعتباره أقرب النماذج إلى “الإغلاق الحدودي الصارم”، حيث تتقدم الاعتبارات الأمنية والسيادية بصورة واضحة على الاعتبارات الإنسانية المرتبطة باللجوء.

الخلاصة المقارنة

تكشف المقارنة الإقليمية أن استجابات دول الجوار السوداني لم تتحدد فقط بحجم التدفقات البشرية، بل تأثرت بصورة أكبر بطبيعة الدولة المستقبلة وقدراتها المؤسسية وأولوياتها السياسية والأمنية. فبينما مثلت تشاد النموذج الأكثر انفتاحاً إنسانياً، وقدمت أوغندا نموذجاً أكثر استقراراً وتنظيماً، اتجهت مصر وإثيوبيا نحو سياسات أكثر ارتباطاً بالاعتبارات الأمنية والإدارية. وفي المقابل، عانت جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى من محدودية القدرة على الحماية بسبب هشاشة الدولة، بينما مثلت ليبيا حالة انهيار مؤسسي للحماية، وإريتريا نموذجاً للإغلاق الحدودي الصارم.

وتشير هذه الأنماط مجتمعة إلى أن أزمة اللجوء السودانية أصبحت اختباراً إقليمياً لقدرة الدول الأفريقية على الموازنة بين الالتزامات الإنسانية ومتطلبات الأمن والسيادة، كما تكشف عن وجود تفاوتات هيكلية عميقة في نظم الحماية الإقليمية، تجعل فرص اللاجئ السوداني في الحصول على الأمان والخدمات والحقوق مرتبطة بدرجة كبيرة بالدولة التي يصل إليها أكثر من ارتباطها بالإطار القانوني الدولي نفسه.

المناقشة

تكشف البيانات والتحليل المقارن لسياسات دول الجوار السوداني تجاه اللاجئين خلال الفترة 2023–2026 أن الاستجابة للأزمة لم تكن موحدة أو متجانسة، بل اتسمت بتعدد واضح في الأنماط والسياسات التي يمكن تفسيرها عبر تفاعل مجموعة من العوامل البنيوية والسياسية والمؤسسية. ويُظهر هذا التباين أن إدارة أزمة اللجوء السوداني لم تُحدد فقط بحجم التدفقات أو طبيعة الأزمة الإنسانية، بل تأثرت بشكل أعمق بالخصائص الداخلية لكل دولة مستضيفة.

أولاً، يتضح أن قدرة الدولة المؤسسية تمثل العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل نمط الاستجابة. فالدول ذات المؤسسات الأكثر تطوراً نسبياً في إدارة الهجرة واللجوء مثل أوغندا استطاعت تطوير نموذج أكثر استقراراً وتنظيماً، في حين أن الدول ذات القدرات المحدودة أو المنهكة مثل جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى واجهت صعوبات جوهرية في توفير الحماية والخدمات الأساسية (UNHCR، 2025؛ IOM، 2024). أما الدول التي تمتلك أجهزة دولة قوية نسبياً ولكن تواجه ضغوطاً اقتصادية أو أمنية، مثل مصر وإثيوبيا، فقد اتجهت نحو نماذج أكثر ضبطاً وتقييداً (Amnesty International، 2024؛ Human Rights Watch، 2024).

ثانياً، يلعب الاستقرار السياسي الداخلي دوراً حاسماً في تحديد درجة الانفتاح أو الانغلاق في سياسات اللجوء. فالدول المستقرة نسبياً سياسياً كانت أكثر قدرة على تبني سياسات طويلة الأمد لإدارة اللاجئين، بينما أدت حالات عدم الاستقرار أو النزاعات الداخلية إلى تقييد قدرة الدولة على الاستجابة المتسقة، كما يظهر بوضوح في حالة إثيوبيا وجنوب السودان (UNHCR، 2025). وفي الحالات الأكثر تطرفاً من عدم الاستقرار، كما في ليبيا، أدى انهيار مؤسسات الدولة إلى غياب شبه كامل لنظام حماية موحد، ما فتح المجال أمام الفوضى وتعدد الفاعلين غير الرسميين (UNSMIL، 2024).

ثالثاً، يُعد الأمن الحدودي عاملاً مركزياً في تفسير أنماط الاستجابة. فالدول التي تواجه تحديات أمنية على حدودها أو داخل أراضيها غالباً ما تميل إلى تقييد الدخول وتشديد إجراءات الفحص والرقابة، كما في الحالة المصرية والإثيوبية (IOM، 2024). في المقابل، الدول التي لا تمتلك قدرة فعلية على ضبط حدودها أو التي تتبنى مقاربة إنسانية لأسباب سياسية أو تاريخية، كما في تشاد، اتجهت نحو سياسات أكثر انفتاحاً رغم محدودية الموارد (UNHCR، 2025).

رابعاً، تُظهر البيانات أن البنية المؤسسية لإدارة الهجرة واللجوء تلعب دوراً حاسماً في تحديد جودة الاستجابة. فوجود أنظمة تسجيل فعالة، وشراكات واضحة مع المنظمات الدولية، وقدرات إدارية على إدارة المخيمات والمستوطنات، يرتبط مباشرة بتحسن مستوى الحماية. ويُلاحظ هذا بوضوح في أوغندا مقارنة بليبيا أو جمهورية إفريقيا الوسطى، حيث يؤدي ضعف المؤسسات إلى اعتماد شبه كامل على الفاعلين الدوليين دون قدرة وطنية مستقلة على التنظيم (UNHCR، 2025؛ IOM، 2024).

خامساً، تؤثر العلاقات الثنائية مع السودان بشكل مباشر وغير مباشر في تشكيل سياسات اللجوء. فالدول التي ترتبط مع السودان بعلاقات جغرافية واجتماعية واقتصادية وثيقة، مثل مصر وتشاد وجنوب السودان، شهدت تدفقات أكبر نتيجة سهولة الحركة عبر الحدود (UNHCR، 2025). في حين أن الدول ذات العلاقات الأضعف أو الأكثر تقييداً سياسياً، مثل إريتريا، تبنت سياسات إغلاق أو تقييد شديد للعبور (UNHCR، 2025).

ومن خلال هذا التحليل، يتضح أن الدول الأكثر استقبالاً للاجئين السودانيين ليست بالضرورة الأكثر قدرة على إدارة الأزمة، بل غالباً ما تكون إما الأكثر تعرضاً جغرافياً نتيجة القرب الحدودي، أو الأكثر انفتاحاً سياسياً نتيجة اعتبارات تاريخية أو إنسانية أو استراتيجية. وهذا يفسر المفارقة بين الحجم الكبير للاجئين في دول تعاني أصلاً من محدودية الموارد مثل تشاد وجنوب السودان، وبين دول أقل استقبالاً لكنها أكثر قدرة تنظيمية.

وبناءً عليه، يمكن القول إن أزمة اللجوء السوداني تكشف عن غياب منظومة إقليمية موحدة لإدارة الحماية، وتبرز بدلاً من ذلك شبكة غير متجانسة من الاستجابات الوطنية التي تعكس أولويات الدول الفردية أكثر من كونها استجابة منسقة للأزمة الإنسانية ذات الطابع الإقليمي.

الخاتمة

تمثل أزمة اللاجئين السودانيين (2023–2026) نموذجاً معقداً لتفاعل النزاعات المسلحة مع أنظمة اللجوء الإقليمية في شرق ووسط أفريقيا، حيث أفرزت هذه الأزمة مستويات غير مسبوقة من التدفقات البشرية عبر حدود دول متعددة ذات قدرات متفاوتة على الاستجابة. وتُظهر النتائج المستخلصة من التحليل المقارن أن هذه الأزمة لم تكن مجرد حركة نزوح إنساني، بل تحولت إلى اختبار شامل لفعالية النظم الإقليمية والدولية في حماية اللاجئين وإدارة التدفقات عبر الحدود.

وتكشف المعطيات أن هناك فجوة واضحة بين المبادئ المعيارية للقانون الدولي للاجئين، كما تنص عليها الاتفاقيات الدولية، وبين الممارسات الفعلية على أرض الواقع. فبينما تنص القواعد الدولية على حماية اللاجئين وضمان مبدأ عدم الإعادة القسرية وتوفير الحد الأدنى من الحقوق الأساسية، فإن التطبيق العملي لهذه المبادئ يختلف بشكل كبير من دولة إلى أخرى، تبعاً للقدرات المؤسسية والاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية لكل دولة (UNHCR، 2025).

كما يظهر التحليل وجود تفاوت حاد في مستويات الحماية المقدمة للاجئين السودانيين بين دول الجوار. فبعض الدول وفرت مستويات مرتفعة نسبياً من الحماية والاستيعاب رغم محدودية الموارد، كما في حالة تشاد (UNHCR، 2025)، في حين قدمت دول أخرى نماذج أكثر تنظيماً واستقراراً مؤسسياً مثل أوغندا (UNHCR، 2025؛ WFP، 2025)، بينما اتجهت دول مثل مصر وإثيوبيا إلى سياسات أكثر تقييداً مرتبطة بالاعتبارات الأمنية وإدارة الحدود (Amnesty International، 2024؛ Human Rights Watch، 2024؛ UNHCR، 2025). وفي المقابل، برزت حالات ضعف بنيوي شديد كما في جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى (UNHCR، 2024؛ IOM، 2024)، وانهيار شبه كامل لمنظومة الحماية في ليبيا (UNSMIL، 2024)، وصولاً إلى نماذج إغلاق حدودي صارم كما في إريتريا (UNHCR، 2025).

ويؤكد هذا التباين أن إدارة أزمات اللجوء في الإقليم ما تزال تعتمد بشكل أساسي على السياسات الوطنية المنفردة، وليس على إطار إقليمي منسق وملزم لتقاسم الأعباء. ويؤدي هذا الغياب إلى إعادة إنتاج عدم المساواة في الحماية، حيث تعتمد فرص اللاجئ في الحصول على الأمان والخدمات على الدولة التي يصل إليها أكثر من اعتمادها على نظام دولي موحد وفعال.

وبناءً على ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى تطوير آلية إقليمية ملزمة لتقاسم الأعباء والمسؤوليات بين دول شرق ووسط أفريقيا، بما يشمل تعزيز التنسيق المؤسسي، وتوحيد معايير الاستقبال والحماية، وزيادة التمويل الدولي الموجه للدول الأكثر استضافة للاجئين. كما يتطلب الأمر تعزيز دور المنظمات الإقليمية والدولية في مراقبة الالتزام بمبادئ الحماية الدولية، بما يضمن تقليل الفجوة بين الإطار القانوني والممارسة الفعلية، وتحسين مستوى الاستجابة الإنسانية في أزمات النزوح المستقبلية.

المراجع

  1. Amnesty International. Egypt: arbitrary detention and deportation of Sudanese refugees. London; 2024.
  2. Betts A. Survival migration. Ithaca: Cornell University Press; 2013.
  3. Buzan B. Security: a new framework for analysis. London: Lynne Rienner; 1998.
  4. Human Rights Watch. Sudan displacement and regional protection gaps. New York; 2024.
  5. International Organization for Migration (IOM). Displacement Tracking Matrix Sudan situation report. Geneva; 2024.
  6. OECD. States of fragility 2020. Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development; 2020.
  7. United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR). Central African Republic operational update. Geneva; 2025.
  8. United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR). Eritrea regional update. Geneva; 2025.
  9. United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR). Ethiopia operational update. Geneva; 2025.
  10. United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR). Libya operational update. Geneva; 2025.
  11. United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR). Sudan regional refugee response update. Geneva; 2025.
  12. United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR). South Sudan emergency response update. Geneva; 2024.
  13. United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR). Uganda refugee response plan update. Kampala; 2025.
  14. United Nations Support Mission in Libya (UNSMIL). Human rights report on migrants and refugees in Libya. Tripoli; 2024.
  15. World Food Programme (WFP). Central African Republic emergency response report. Rome; 2025.
  16. World Food Programme (WFP). Uganda refugee food security situation report. Rome; 2025.
الكاتب

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
المواطنة العالمية .. بقلم / نوري حمدون
رؤية تجمع الاكاديميين والباحثين والخبراء السودانيين في حكومة الكفاءات
انقلاب 25 أكتوبر قفزة في جحيم الحرب
حوارات
مع فاروق أبو عيسى حول (الفجر الجديد) وقضايا المعارضة:
الأخبار
تقرير لشبكة “سي إن إن” الأميركية: القوات الخاصة الأوكرانية استهدفت مواقع لقوات الدعم السريع في السودان

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

حصانة للرئيس صالح: يا قلبى لا تحزن ! .. بقلم: د. على حمد ابراهيم

د. على حمد إبراهيم
منبر الرأي

دعوة من الاتحاد النسائي السوداني لحضور ندوته بلندن

طارق الجزولي
منبر الرأي

احبسوا هذا الدم يا حزب السلام .. بقلم: د. مجدي الجزولي

د. مجدي الجزولي
منبر الرأي

حكايات قرية المصباح (رواية د. عبدالمنعم عبدالباقى) .. بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss