«منهج إعداد الموازنة والرقابة على المال العام في السودان: رؤية للإصلاح والتحديث»
صياغة مختصرة ومحدّثة لأفكار مقال نُشر بصحيفة «سودانايل» في 23 ديسمبر 2011
مقدمـة :-
منذ الاستقلال، اعتمد إعداد الموازنة العامة في السودان، في مراحله السابقة، على تدرّج إداري ومالي يبدأ من الوحدات الحكومية القريبة من المواطن ، ثم يصعد عبر الإدارات والوزارات إلى وزارة المالية. وكانت الفكرة الأساسية أن الموظف المسؤول عن التحصيل أو الصرف هو الأقدر على تقدير الإيرادات والاحتياجات ؛ لأنه يتعامل مباشرة مع الواقع ويعرف أسباب الزيادة أو النقص.
وفي تقديري ، فإن الإبتعاد عن هذا المنهج ، منذ أوائل التسعينيات ، واستبداله بتقديرات وقرارات تصدر من أعلى الهرم دون مشاركة كافية من وحدات التنفيذ ، أضعف واقعية الموازنة ، ووسّع الفجوة بين الأرقام الموضوعة والقدرة الفعلية على تنفيذها. ولا يعني ذلك أن القاعدة التنفيذية تحدد السياسة المالية وحدها ، بل إن تقديراتها يجب أن تكون الأساس الفني الذي تُراجع وتُنسق على المستويات الأعلى.
● كيف تُعد الموازنة بصورة سليمة؟
- تبدأ العملية بمنشور تصدره وزارة المالية يحدد الإطار الاقتصادي العام، وأولويات الدولة، والسقوف الأولية، والقواعد والنماذج الزمنية لإعداد الموازنة. ثم ينتقل المنشور إلى الوزارات والإدارات والوحدات التنفيذية حتى يصل إلى الموظفين المسؤولين عن الإيرادات والمصروفات.
- يقدّر موظف التحصيل الإيرادات الممكن تحقيقها استناداً إلى الأداء الفعلي وحجم النشاط والمعوقات المتوقعة، لا إلى أرقام مفروضة لا تعكس الواقع. كما تحدد الوحدات احتياجاتها من الأجور والتشغيل والمشتريات والصيانة والخدمات، مع بيان المبررات والأولويات.
- تُراجع التقديرات داخل الأقسام ، وتُقارن بالسنوات السابقة وبالتنفيذ الفعلي ، وتُناقش الانحرافات وأسبابها. ثم تتدرج إلى مديري الإدارات ووكلاء الوزارات ، حيث تُراجع وتُجمع وتُرفع إلى وزارة المالية. وتتولى الوزارة اختبارها في ضوء الموارد المتاحة والعجز والتمويل والإلتزامات العامة ، ثم إعداد مشروع الموازنة وعرضه على السلطة التنفيذية والجهة التشريعية المختصة.
- وبعد إجازة الموازنة ، تعود الاعتمادات إلى الوحدات المنفذة واضحة ومحددة . ويجري التنفيذ وفقها ، ولا تُعدّل بنود الإيرادات أو المصروفات أو تُجرى المناقلات إلا بموافقات مكتوبة من الجهات المختصة ، مع توثيق الأسباب وإخضاعها للمراجعة. ويجب أن تكون المساءلة عادلة ، فتفرق بين خطأ التقدير والظروف الخارجة عن الإرادة وبين الإهمال أو المخالفة المتعمدة.
● أين تكمن المشكلة؟
- عندما يُفرض «ربط» التحصيل أو الصرف من المستويات العليا دون الرجوع إلى الموظف المسؤول عن التنفيذ، تتحول الموازنة إلى تعليمات فوقية. ثم يُحاسب الموظف على تحقيق أرقام لم يقدّرها ولم يشارك في وضعها، وقد يُكافأ إذا تجاوزها أو يُعاقب إذا عجز عنها، بصرف النظر عن الظروف الاقتصادية والمعوقات الفعلية.
- والأخطر من ذلك أن الرقابة على المال العام لا تكتمل إذا كانت بعض الإيرادات أو الصناديق أو المؤسسات أو الحسابات خارج الإطار الموحد لوزارة المالية. وقد أورد المقال الأصلي، استناداً إلى ما نسبه إلى تقرير المراجع العام لعام 2010، أن 17% فقط من المال العام كان تحت رقابة وزارة المالية مقابل 83% خارجها. وهذا رقم تاريخي يحتاج إلى الرجوع إلى التقرير الأصلي للتحقق منه، ولا يصح تقديمه بوصفه وصفاً للوضع الراهن.
● الموازنة في ظل الظروف الراهنة
- بعد الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، ازدادت صعوبة إعداد موازنة واقعية بسبب تراجع النشاط الاقتصادي والإيرادات، وتعطل المؤسسات والخدمات، وتضرر البنية التحتية، وتعدد التحديات أمام توحيد البيانات والحسابات والرقابة. وفي هذه الظروف، تصبح الحاجة أكبر إلى موازنة تستند إلى موارد قابلة للتحقق، وتحدد أولويات واضحة للصحة والتعليم والمياه والزراعة والخدمات الأساسية وإعادة الإعمار.
- إن التحضير لموازنة 2027 ينبغي أن يقوم على بيانات موثوقة وسيناريوهات واقعية ، وأن تُعلن افتراضاتها ومصادر إيراداتها وأوجه إنفاقها والعجز وطرق تمويله .
كما يجب ألا يقتصر الانضباط المالي على إصدار التعليمات ، بل يتطلب تطبيقها على جميع الجهات التي تدير أو تنفق مالاً عاماً ، ونشر تقارير دورية عن التنفيذ ، وتمكين أجهزة المراجعة من أداء مهامها.
● ما المطلوب من وزارة المالية والسلطة التشريعية؟
▪︎ أولاً:
استعادة منهج إعداد الموازنة من القاعدة إلى القمة، في إطار اقتصادي ومالي كلي واضح تحدده وزارة المالية.
▪︎ ثانياً:
إخضاع جميع الإيرادات والرسوم والصناديق والمؤسسات التي تدير المال العام لقواعد موحدة للشفافية والإفصاح والمراجعة، وفق القانون.
▪︎ ثالثاً:
منع التحصيل والصرف خارج القنوات الرسمية، وتوثيق المناقلات والتعديلات بموافقات مكتوبة.
▪︎ رابعاً:
نشر الموازنة المعتمدة وتقارير تنفيذها والحساب الختامي وتقارير المراجعة ، بما يتيح للسلطة التشريعية والرأي العام ممارسة الرقابة.
▪︎ خامساً:
ربط المسؤولية بالصلاحيات والمعلومات المتاحة للموظف، وعدم تحميله نتائج قرارات أو تقديرات لم يشارك في وضعها أو لا يملك التحكم في تنفيذها.
الخاتمـة :
▪︎ سيدي وزير المالية ، لا يمكن لوزارتكم إعداد موازنة صحيحة أو ضمان تنفيذها ما لم تتوافر لديكم صورة كاملة عن موارد الدولة والتزاماتها ومصروفاتها ، وما لم تخضع جميع الجهات التي تدير المال العام لقواعد رقابة ومراجعة واضحة وموحدة.
▪︎ إن الموازنة ليست أرقاماً تُفرض من أعلى ، ولا مجرد تقديرات تُجاز ثم تُترك للتنفيذ ؛ إنها عقد مالي وإداري بين الدولة والمواطن . وتبدأ سلامتها من المعلومة الصحيحة في موقع التحصيل والخدمة ، وتمر بالمراجعة المهنية والتنسيق المالي ، وتنتهي بالشفافية والمساءلة.
▪︎ إن استعادة الرقابة على المال العام، وإعادة الاعتبار لدور الوحدات التنفيذية في إعداد الموازنة، ليستا مطلبين إداريين فحسب؛ بل هما من أساسيات استعادة مؤسسات الدولة والثقة العامة وحماية حقوق المواطن. فالمال العام أمانة، ولا تستقيم إدارته إلا بوحدة المسؤولية والرقابة والشفافية.
▪︎ نسأل الله أن يوفق القائمين على أمر المالية العامة إلى ما فيه مصلحة السودان ومواطنيه، وأن تكون الموازنة أداة لتخفيف أعباء الناس وتحسين الخدمات، لا وسيلة لزيادة الأعباء عليهم.
السـيد الحسـن
