سَلَامُ السُودَان بَيْنَ مِطْرَقَةِ العِقَابِ الأمْرِيكِي وسِنْدَانِ الفِيْتُو العَرَبِي

سَلَامُ السُودَان بَيْنَ مِطْرَقَةِ العِقَابِ الأمْرِيكِي وسِنْدَانِ الفِيْتُو العَرَبِي

Sudan’s Peace Between the Hammer of American Sanctions and the Anvil of Arab Veto
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

  1. هل يُغيِّر التصعيد الأمريكي معادلة الحرب السودانية؟
    دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة في تعاملها مع حرب السودان عبر إعلان مزدوج: بيان مشترك مع مصر والسعودية والإمارات (الرباعية) يلتزم بهدنة إنسانية وانتقال شامل، وإعلان عقوبات جديدة على شخصيات إسلامية سودانية متهمة بالارتباط بإيران. يجمع هذا المزيج بين الدبلوماسية والضغط القسري، ويعكس إدراكاً متزايداً في واشنطن بأن الحرب في السودان لم تعد أزمة إنسانية فحسب، بل أصبحت خط صدع جيوسياسي يمتد عبر البحر الأحمر إلى الشرق الأوسط الأوسع.
    يبقى السؤال الآن: هل يمكن لهذا المزيج أن يغير مسار حرب دخلت عامها الثالث، وشردت الملايين، وقادت مؤسسات الدولة السودانية إلى حافة الانهيار؟
  2. بيان الرباعية: اختراق أم تكرار للخطاب؟
    البيان الرباعي الصادر في 12 سبتمبر يطرح، لأول وهلة، الإطار الأكثر طموحاً حتى الآن لإنهاء حرب السودان. فهو يقوم على خمسة ركائز:
  3. الاعتراف بأنه لا حل عسكرياً للأزمة، مع ضرورة الحفاظ على سيادة السودان ووحدته الإقليمية.
  4. هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار.
  5. انتقال شامل لمدة تسعة أشهر ينتهي بحكومة مدنية.
  6. وقف الدعم العسكري الخارجي للطرفين.
  7. التزام بالتنسيق مع الشركاء الأفارقة والعرب والدوليين في جهود الوساطة.
    إن طُبّقت هذه الركائز، فإنها قد تغيّر المسار القاتم للأزمة. فالتسلسل الزمني، هدنة، وقف دائم، انتقال شامل، يتيح إطاراً لتوحيد الجهود الدبلوماسية. كما أن الرفض الصريح لعودة الإسلاميين والتدخلات الخارجية يحمل دلالة مهمة، إذ يشير إلى اصطفاف نادر بين واشنطن وقوى عربية رئيسية لطالما اختلفت بشأن السودان.
    لكن التجربة تفرض الحذر. فقد انهارت مبادرات سابقة، من مفاوضات جدة إلى مؤتمري لندن وواشنطن، تحت وطأة ما سميته “الفيتو العكسي”، حيث يؤدي اعتراض طرف عربي واحد إلى شلّ العملية كلها. مصر والسعودية والإمارات دعمت كل منها أطرافاً متباينة في النزاع، مما أبقى جهود السلام رهينة للتجاذبات. يبقى التحدي الأساسي إذن: هل تصمد هذه اللحظة من التوافق الرباعي أمام ضغوط الحرب وتقلّبات موازين القوى؟
    وفي هذا السياق، تبرز أهمية إيجاد آلية فاعلة لمتابعة تنفيذ الركائز الخمسة. فغياب المتابعة والرقابة هو ما أفشل المبادرات السابقة، وأولها منبر جدة. ويمكن أن تتمثل هذه الآلية في لجنة مراقبة رباعية مدعومة ببعثة أممية، مع إسناد دور لقوة أفريقية على الأرض، واستخدام تقنيات متقدمة كالأقمار الصناعية والطائرات المسيرة لرصد الخروقات. وعيه فإنشاء مثل هذا النظام الهجين من الرقابة قد يمنع الأطراف المتحاربة من استغلال الفراغ ويمنح المجتمع الدولي أداة عملية للضغط. وفرض عقوبات أشد إيلاماً.
  8. العقوبات على الإسلاميين: رسم خطوط حمراء جديدة
    الإجراء الثاني في الموقف الأمريكي الجديد تمثل في العقوبات على جبريل إبراهيم محمد فديل ولواء البراء بن مالك، بتهمة ارتباطهما بشبكات إسلامية سودانية وبالحرس الثوري الإيراني. وتتهم واشنطن هذه الأطراف بإفشال جهود السلام، وتغذية العنف، والسعي لإعادة إنتاج إرث الحركة الإسلامية التي حكمت السودان في عهد البشير.
    وهذه الخطوة مهمة لسببين: أولاً، لأنها تعترف علناً بأن التيار الإسلامي يمثل عقبة رئيسية، وهو ما ظلّت تردده قوى المجتمع المدني السودانية دون أن يجد صدى دولياً. وثانياً، لأنها تضع السودان ضمن الاستراتيجية الأوسع لواشنطن في الشرق الأوسط، باعتباره نقطة محتملة لعدم الاستقرار عبر البحر الأحمر.
    وبالنسبة للمدنيين السودانيين، تحمل هذه العقوبات شعوراً بالإنصاف، إذ إنها تمنح مصداقية لمطالبهم بإقصاء الإسلاميين المتشددين من أي تسوية سياسية، نزولاً على رغبة شعبية واسعة تجسدت في ثورة ديسمبر 2018، وتفتح الباب أمام تحالف مدني أوسع يمكن أن يقود التحول المدني الديمقراطي.
  9. مثلثات الصراع: العدسة الأوضح لفهم المشهد
    لا يمكن تقييم هذه التطورات دون النظر إلى المثلثات الثلاثة التي تشكل بنية الصراع في السودان:
    • المثلث العربي (مصر، السعودية، الإمارات): طالما لعب دور الممول والوسيط والعرقلة في آن واحد. انقساماته الداخلية ساهمت في استمرار الحرب، لكن البيان الرباعي قد يكون بداية لافتة للتنسيق.
    • المثلث الغربي (واشنطن، لندن، جنيف): يمتلك أدوات العقوبات والمساعدات والدبلوماسية، لكنه افتقر إلى الانسجام، مما سمح للفيتو العربي بالتحكم. وتشديد الموقف الأميركي الآن يطرح سؤالاً حول قدرة لندن وجنيف على مجاراته.
    • المثلث السوداني (الجيش، الدعم السريع، المدنيون): يبقى جوهر الأزمة أن الجيش يعتمد على شبكات الإسلاميين في بورتسودان، بينما يرسخ الدعم السريع سلطته في دارفور. فالمدنيون، من لجان المقاومة وغرف الطوارئ إلى تحالفات مثل “صمود” ومراكز الفكر، يقدمون الرؤية الوحيدة القابلة للاستدامة للحكم وإعادة الإعمار. لكنهم ما زالوا على الهامش في المفاوضات الدولية.
  10. المخاطر والتحديات
    هذه التحركات ليست خالية من المخاطر. فقد يفسر الجيش والدعم السريع بيان الرباعية كغطاء للمماطلة وتعزيز مواقعهما. كما أن العقوبات قد تثير رد فعل عكسي من الإسلاميين، عبر تأجيج الخطاب القومي أو دفع الخرطوم أكثر نحو طهران. أما الجدول الزمني لثلاثة أشهر لوقف القتال فقد يبدو متفائلاً أكثر من اللازم بالنظر إلى حجم الكارثة الإنسانية.
    كذلك، لا تزال خارطة الطريق تفترض بقاء الجيش والدعم السريع طرفين متكافئين على طاولة التفاوض، رغم سجلهما الكارثي في الانتهاكات. ومن دون ضمانات واضحة لمشاركة المدنيين عبر آلية فاعلة لمتابعة تنفيذ الركائز الخمسة لبيان الرباعية، قد تتحول المبادرة إلى صفقة نخبوية جديدة تؤجل الحل بدل أن تصنع السلام.
  11. اختبار حاسم في نيويورك
    مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر، سيخضع بيان الرباعية لاختبار التنفيذ. فبالنسبة للمثلث الغربي، ولا سيما واشنطن، فإن التحدي هو تحويل الخطاب إلى ضغط منسق عبر العقوبات والمساعدات والوساطة لكسر الفيتو العربي ومنح المدنيين مقعداً فعلياً. أما بالنسبة للمثلث العربي، فالتحدي هو تجاوز تناقضاته الداخلية وتحمل كلفة إطالة الحرب.
    وبالنسبة للمدنيين السودانيين، فالرسالة مزدوجة: هم مذكورون في المبادئ، لكنهم ما زالوا مستبعدين من مواقع صنع القرار. ما لم يتغير ذلك، فإن عام الحرب الثالث قد ينتهي مثل العامين السابقين، ببيانات في الخارج ومآسٍ في الداخل.
  12. خاتمة
    لقد رفعت واشنطن سقف الرهانات في السودان بمزيج من الدبلوماسية والعقوبات. ويعكس البيان الرباعي والإجراءات ضد الإسلاميين إدراكاً متأخراً أن الأزمة ليست مأساة إنسانية فقط، بل أيضاً أزمة استراتيجية.
    لكن السلام لن يصنع بالبيانات والعقوبات وحدها. إنه يتطلب انسجام المثلثين العربي والغربي، وقبل ذلك كله نقل المدنيين السودانيين من الهامش إلى قلب العملية الدبلوماسية في المثلث السوداني. فقط حينها يمكن لنيويورك أن تتحول من ساحة للشلل الدولي إلى نقطة انطلاق حقيقية للخروج من كابوس السودان، وربما كوابيس أخرى.
    melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟ فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ ”تَأسِيْسِ“ السُوْدِانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاحِ Against …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor