شاحنات السودان العالقة عند حدود مصر- بيروقراطية أم ابتزاز سياسي؟”

بين لهيب بورتسودان وغبار الحدود المصرية، تصطف مئات الشاحنات السودانية كأنها نصب تذكارية لسيادة وطنية تتآكل بصمتٍ مخزٍ.
في السادس من أغسطس 2025، خرج سائقو الشاحنات في وقفة احتجاجية جنوبي بورتسودان، يطالبون الحكومة السودانية بالتحرّك العاجل لمخاطبة السلطات المصرية بشأن القيود المفروضة على تأشيرات العبور، وعلى رأسها ما يُعرف بـ”الموافقة الأمنية”، التي تحوّلت من إجراء رسمي إلى باب خلفي للابتزاز المالي والسياسي.

“الموافقة الأمنية”: عبءٌ لا تفسير له
وفق إفادات السائقين، فإن الحصول على هذه الوثيقة بات يتطلب مبالغ تتجاوز 2500 دولار في السوق الموازي، ما يشكّل عبئًا كبيرًا على الشركات وأصحاب الشاحنات الذين يشكّلون العمود الفقري لحركة الصادرات السودانية إلى الخارج.

ليست هذه مجرد مشكلة بيروقراطية، بل جريمة منظمة تُدار على حدود الدولتين، تضع آلاف الأسر السودانية تحت وطأة القهر المعيشي، وتُعطّل شرايين التجارة في وقتٍ يحتاج فيه الاقتصاد السوداني إلى كل حركة شاحنة وكل صُندوق بضاعة.

حكومة بورتسودان وسفارة الخرطوم في القاهرة: غيابٌ مريب
حتى لحظة كتابة هذا المقال، لم تُصدر الحكومة الانتقالية ولا سفارتها في القاهرة أي بيان رسمي حاسم بشأن الأزمة.
لم نرَ تحرّكًا دبلوماسيًا جادًا، ولا مبادرة جريئة لكسر الحصار البيروقراطي. وهذا الصمت يفتح باب الشك المشروع حول أولويات هذه الحكومة، وعما إذا كانت تمثل بالفعل مصالح السودانيين في ظل هذه الأزمة الطاحنة.

الابتزاز كأداة جيوسياسية
المؤسف أن ما يجري ليس جديدًا. مصر تتعامل مع السودان من موقع المراقبة والتحكّم، لا من موقع الشراكة والجوار.
و”الموافقة الأمنية” ما هي إلا أداة من أدوات الضغط غير المعلنة، لإبقاء القرار التجاري والسيادي السوداني في مساحة التبعية.

وفي المقابل، يبدو أن بعض المسؤولين في بورتسودان يتعاملون مع هذا الملف كأنّه شأن ثانوي، أو لا يستحق المواجهة. وهو ما يُثير التساؤل: هل فقدت الحكومة حسّها الوطني؟ أم أن أولوياتها صارت تُدار من خارج حدود الوطن؟

صرخة الشاحنات.. ليست وحدها
ما يجري اليوم في بورتسودان يجب أن يُقرأ بعين أوسع:
هي ليست أزمة نقل فقط، بل اختبارٌ لقدرة الدولة على حماية مواطنيها خارج الحدود، وصيانة كرامتهم في المعابر الدولية.
وإذا فشلت الحكومة في رفع الظلم عن سائقي الشاحنات، فإنها ستفشل حتمًا في مواجهة قضايا أكبر، داخلية وخارجية.

الكرامة لا تُدار ببيروقراطية
على الحكومة الانتقالية أن تتحمّل مسؤوليتها، وأن تتحرّك فورًا لوقف هذه المعاناة.
وعلى مصر أن تفهم أن العلاقات بين الدول تُبنى على الاحترام المتبادل، لا على إذلال العابرين من بواباتها.

السكوت خيانة، والتردد في مثل هذه القضايا هو تواطؤ ضمني.
الشعوب التي تُذل لا تموت.. لكنها تغضب.
وغضب الشعوب ـ حين يتأجج ـ لا توقفه لا موافقات أمنية ولا معابر سياسية.
zuhair.osman@aol.com
زهير عثمان

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

بين الأمس وبكرة – الحزب الشيوعي السوداني.. الرسالة تمت ولا الحكاية يادوب بدت؟

زهير عثمانzuhair.osman@aol.com ثمانين سنة في “سكة” السياسة السودانية ما رقم ساهل ولا كلام ساكت , …