شبال

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد

قصة قصيرة بعنوان
wadrajab222@gmail.com

رغم أن علوية قد تجاوزت السادسة والأربعين… فإن سيرة جمالها مازالت تتغشى مجالس الأنس كرزاز خفيف يستعذبه السمار بإستسقاء الأماني العِذاب أن يظفر بها أحدهم سيدةً على حياته، ومكمّلةً لنصف دينه مهما اعتراه من نقصان.
استمدت استدارة الوجه والأنف الدقيق والأسنان النضيدة النظم من أمٍّ يُقال إن نسبها يرجع إلى قابلة جاءت من اليونان قبل المهدية بسنة تقريباً. تم أسرها واسترقاقها مع مجموعة نساء أجنبيات كان قد استقدمهنّ غردون باشا لتطوير أوضاع المرأة في السودان. من تلك الجدة ورثت غزارة الشعر وطوله… كما يبدو أنها ورثت عنها كذلك الشيب المبكر.
أما من ناحية أبيها، فقد أخذت صفاء العينين النجلاوين وطول القامة و العنق واستواء السمت، وعلو الجبهة. واكتناز الأرداف، ومنه أيضاً ورثت رأساً يميل للكبر مع نتوءات في اسفله، مع علو الجبهة يبدو كعيب خلقي تغطيه كثافة الشعر. كانت تميل للغنج والتيه في مشيتها فتثير مكامن الفتنة، وتقدح الافئدة بنار الصبابة والجوى. حتى أنها قد ظفرت من شاعرٍ مُولّهٍ بقصيدة غنّاها مطرب مشهور حين كانت في الثامنة عشرة من عمرها، عندما افترّ قدُّها الممشوق، فصارت الأغنية تُتداول على ألسنة المطربين لسنوات طوال. كان مطلعها:
(الجؤزر الفي الحِلة حايم حرم جسمي الرقاد وخلاني لا صاحي ولا نايم)
لاحظت ذات مساء أول خيطٍ فضي يتسلّل من بين مفرق شعرها اللامع السواد. أدركها إحساس أشبه بالفاجعة. فقد كانت تعتبر الشيب إعلاناً صامتا بغزو عدوٍّ لا يعرف الهدية. تجاهلت الأمر في الشهور الأولى، لكنه ما لبث أن تمدّد فجأة، فأخذت بدورها تحشد دفاعاتها.
اندفعت في رحلة ضارية تبحث عن أي وصفة تُقال أو تُكتب، كلما سمعت عن مسحوق يزيل الشيب أو زيت يعيد الشباب إلى الجذور هرعت لاقتنائه، واستعملته بأي كيفية توصف لها؛ كأنها تقاوم مصيرا محتوما. وكأنها كانت تغوص في رمل متحرك كلما لجأت لحيلة ازداد الشيب انتشار وضراوة. فستحال رأسها معركة أسفرت عن جفاف الشعر، وتقصُّف أطرافه، ثم أخذ يتساقط كأوراق شجرة معمرة في شتاء قارس. وفي صباح أحد الأيام، بينما كانت تسرّح ما بقي، رأت الفراغ بوضوح: جلحتان عريضتان كشفتا الجبهة الممتدة والنتوءات الموروثة من جهة الأب، حتى خُيِّل إليها أنها ترى ملامح رجل لا تعرفه… لكنه يسكن رأسها بجلال.
ومع ذلك لم تتراجع. كلما نصحتها صديقة بوصفة جديدة، أو أقسمت جارة بأنها جرّبت شيئا “لا يُخطئ”، اندفعت نحو التجربة بقين وأمل. وكلما زادت التجارب زادت الفجوات واتسعت المساحة الفارغة، حتى أصبحت تخشى لمس شعرها خشية أن تسقط خصلة جديدة.
وصارت موضع تندّر النساء اللائي صرن يخترعن لها وصفات. حتى إن إحداهن قد دست في يدها صبغة حجرية عالية السمية. إدعت أنها مُستجلبةً من جبل نوردا بجنوب آسيا. وقالت لها: بعد أن تغليها في النار جيدا، ردّدي الآية: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) سبعين مرة — وشدّدت على الرقم سبعين — ثم ابصقي بصقات خفيفة على المحلول، ثم صبيه في كوب زجاجي أبيض سادة وانتظري حتى يبرد ثم استعمليه، “وسترين نتيجة مذهلة!”
هكذا خاضت معركتها بكل ضراوة، حتى انهارت أخيراً. عندها اتخذت قرارها الوحيد الذي لم يكن نتيجة وصفة ولا نصيحة: حلقت شعرها حتى آخر شعرة. شعرت بخفة غريبة بعد ذلك، لكن الخفة لم تكن حرية، كانت شيئاً يشبه الاستسلام.
كان ذلك قبل زفاف بنت اختها الذي تأجل طويلاً . كان هذا هو الحدث الذي طالما انتظرته علوية لتظهر بكامل بهائها، لتُبرهن أن الزمن لم يمسسها بسوء. وعندما وقفت أمام المرآة، لم تجد العصابة القماشية الأنيقة المزركشة التي خططت لها كافية لإخفاء الفراغ. كانت بحاجة إلى إعادة ميلاد.
اندفعت إلى متجر واشترت باروكة من أجود الشعر الطبيعي، اختارت لونا داكنا يميل إلى السواد الغني، تماماً كاللون الذي كان عليه شعرها في مطلع شبابها. وعندما ارتدتها، اختفت علوية “الحليقة” وحلّت محلها علوية “الأسطورة” مرة أخرى. نظرت طويلاً إلى الصورة في المرآة، ومررت يدها مع انسدال الخصل الناعمة؛ فتغشاها شعور بإنجاز مستحق و نصر مستعاد.
في حفل الزفاف، كانت علوية نجمة الأمسية. كانت تخطر بخيلاء الواثقة وزهو المستبد، تتلقى نظرات الإعجاب والهمسات التي كانت تقول: “لم تتغير أبداً، الزمن يحني لها رأسه.” وعندما غنى المطرب تلك الأغنية (الجؤزر الفي الحلة حايم)، دار عقلها واستبدت بها نشوة عربيدة، فابتسمت ابتسامة انتصار، وقد شعرت أن معركتها ضد الزمن لم تذهب سدى.
نزلت دائرة الرقص. ومع احتدام الإيقاع، بدا ثوبها المربوط بإحكام على الخاصرة يهفهف على القد الممشوق. ذابت في الأغنية كلياً. أصبحت في دائرة الضؤ. تركزت الأعين في الأسطورة. انحسر الثوب عن الرأس. فبدت الرقبة صارية رخامية صقيلة. ولاحت يديها تحت الفستان اشرعة تتقلب في الهواء تعبث بالقلوب العقول معاً. فصارت صهيرا بركانيا لا يعترف بقية الزمن. اقترب منها رجلٌ يرتدي جلابية بيضاء ناصعة وعمامة فوق رأسه وعلى كتفيه شال مطرّز. يطلب منها “شبالاً”. وفي غمرة اندفاعها لتعطيه شبالاً يليق بماضيها، ثبتت رجليها ثم “إنفدعت”، فنفلق جسدها الفارع فرقين. كل فِرق كالطود العظيم: نصف مُثبتٌ على رجليها، والنصف الآخر مال بشدة نحو رأس الرجل. ومع شدة الميلان وحِدته، لم تثبت الباروكة؛ انطلقت كـتاج مستعار، وسقطت مباشرة على وجه الرجل، بينما طَلَّ رأسها حاسراً، خاسفاً، كاسفاً.
ساد صمتٌ كثيف لحظة واحدة، ثم انفجرت ضحكات هازلة من كل صوب: رجال، نساء، أطفال. توقفت الموسيقى. فغر الفنان فمه. على حين تجمدت علوية في منتصف القاعة، تحت الأضواء الكاشفة. لم ترَ في عيون من حولها شفقة. رأت شيئاً أسوأ… سخرية. ذهول. أم شماتة. لم تدرك على وجه الدقة… لبثت تتأمل الموقف لثوان ثم فجأة مدّت يدها، التقطت الباروكة، نظرت إليها ملياً، تذوقت مرارة حالها، واسترجعت وقع الضحكات المنبعثة من كل أرجاء القاعة. وبحركة قوية مفاجئة، قذفت بالباروكة عالياً، حتى استقرت كشبح فاحم على شنكل الإضاءة المعلق في سقف القاعة. ثم انسحبت ببطء وهدوء، عازمة على أن تدع شعرها ينبت مرة أخرى، لكن ليس أكثر من سنتيمتر واحد؛ كلما يتجاوزه، عاجلته بالحلاقة فوراً.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …