شروق جديد في الغرب.. وعبرة للسودان: هل يكون “الطريق الثالث” منقذًا من أوهام الرأسمالية المتوحشة؟

أمير حميدة أبوالمك
golden.wrist.sd@gmail.com

في لحظة تاريخية مفصلية، ينتخب سكان نيويورك، قلب الرأسمالية الأمريكية النابض، عمدةً جديداً يتبنى نهج اليسار التقدمي والديمقراطية الاجتماعية، في خطوة رمزية تعلن بداية غروب نموذج “السوق الحرة” المتطرف. فوز العمدة زاهر ممداني يمثل تتويجاً لتراكم الوعي النقدي بمخاطر الرأسمالية المتوحشة، وهو ما أكدته الدراسات النقدية التي تنظر بعين الشك للادعاءات بحتمية هذا النموذج.

💠غروب النموذج الأمريكي: أوهام السوق الحر

يحلل الفكر النقدي أسباب اهتزاز النموذج الأمريكي بالقول إن “الأسواق الحرة” ليست قانوناً طبيعياً للمسار الحضاري، بل هي “منتج سياسي وفني” نشأ في سياق تاريخي محدد. هذا النموذج، ورغم شعاراته البراقة عن الحرية والازدهار، يؤدي عملياً إلى تعميق الفجوات الاجتماعية، وتآكل المؤسسات المجتمعية، وتهديد الاستقرار الاجتماعي.

فـ”الهندسة الاجتماعية” التي رافقت سياسات التحرير الاقتصادي في تجارب عالمية عديدة، لم تؤد إلى تراجع دور الدولة، بل أعادت تشكيل تدخلها بصورة مختلفة، بينما تراجعت الخدمات العامة وازداد التفكك الاجتماعي.. كما حدث في السودان خلال حقبة النظام البائد التي تبنّت التحرير الاقتصادي المتطرف.

هذه الرأسمالية تحمل تناقضاً جوهرياً؛ فهي ترفع شعار الحد الأدنى من تدخل الدولة بينما تتدخل بقوة لخدمة مصالح اقتصادية ضيقة، مقدمةً منطق الإنتاجية على حساب القيم المجتمعية. فوز العمدة الجديد يمثل رد فعل مجتمعي على هذه الآثار المدمرة، وإيذاناً ببزوغ فجر جديد لفكرة “العدالة الاجتماعية” و”الديمقراطية الاجتماعية” التي توفق بين كفاءة السوق وعدالة التوزيع.

💠بذور الفجر في السودان: حزب التجمع الاتحادي وأنموذج “الطريق الثالث”

لا يبدو المشهد السوداني بمنأى عن هذه التحولات الفكرية العالمية. فحزب “التجمع الاتحادي” يتبنى مرتكزات فكرية واضحة للديمقراطية الاشتراكية، معتبراً العدالة الاجتماعية حجر أساس في مشروعه السياسي. وهذا التوجه يتطابق مع الدعوات الفكرية التي تؤكد على ضرورة الاعتراف بالتنوع الاقتصادي والثقافي ورفض وهم “النموذج الواحد” الذي تفرضه الرأسمالية المتطرفة.

فالسودان، ككثير من دول العالم، ليس مضطراً لاستيراد نماذج جاهزة، بل يمكنه بناء “رأسمالية محلية” مستمدة من ثقافته وتقاليده الاجتماعية. فالتقدم الاقتصادي يمكن أن يتحقق دون تفكيك البنى الاجتماعية الأصيلة، وهي رسالة بالغة الأهمية للمجتمع السوداني المتشبث بقيمه ونسيجه الاجتماعي.

💠آفاق وتحديات الفكرة في البيئة السودانية

تبقى مسألة تقبل الشارع السوداني لهذه الأفكار محط تساؤل، تحمل في طياتها فرصاً وتحديات.

إلى أي مدى يمكن أن تنجح؟

  1. الملاءمة الثقافية: لا تهدف الديمقراطية الاجتماعية إلى تقويض البنى الاجتماعية، بل إلى إدماجها في عملية التنمية. وهذا يتوافق مع النزعة الجماعية والروابط الاجتماعية المتجذرة في المجتمع السوداني.
  2. رفض الاستنساخ: ستلقى فكرة رفض “النموذج الواحد” صدى إيجابياً في السودان، الذي عانى من محاولات فرض نماذج خارجية. مما يجعل طرح “طريق سوداني ثالث” مقنعاً للرأي العام.
  3. الحاجة الملحة للعدالة: بعد عقود من الحكم الشمولي والفساد، أصبح المطلب الأساسي للسودانيين هو تحقيق العدالة في توزيع الثروة والسلطة. وهو ما تستجيب له الديمقراطية الاجتماعية بتركيزها على العدالة والخدمات الأساسية.

التحديات التي تواجهها:

  1. الإرث الاقتصادي الثقيل: يواجه السودان إرثاً اقتصادياً مشوهاً قائماً على الريع، مع بنية تحتية متدهورة. مما يتطلب وقتاً وبرامج واضحة لبناء اقتصاد منتج قائم على “التنوع الاقتصادي”.
  2. تعدد الأولويات: في ظل ظروف الحرب والأزمات المعيشية، قد يُنظر إلى هذا الطرح على أنه “ترف فكري” بعيداً عن هموم المواطن اليومية.
  3. منافسة الأيديولوجيات: سيواجه هذا الطرح منافسة قوية من خطابات سياسية أخرى، قد تكون أكثر بساطة أو ارتباطاً بمشاعر تاريخية لدى شرائح من الشعب.

💠خاتمة:

يمثل فوز أفكار “زاهر ممداني” في نيويورك إشارة من قلب المعقل الرأسمالي نفسه على أن العالم يتجه نحو مراجعة جذرية لمسلماته الاقتصادية. يقف السودان عند مفترق طرق تاريخي، أمام فرصة ثمينة لعدم تكرار أخطاء النماذج الفاشلة. تبني مرتكزات الديمقراطية الاجتماعية لا يضع السودان في سياق التيار العالمي الصاعد فحسب، بل يمنحه فرصة لبناء نموذجه الخاص، المستمد من تنوعه وخصوصيته.. نموذج لا يضحّي بالعدالة على مذبح السوق، ولا يضحّي بالحرية على مذبح الأيديولوجيا، ساعياً إلى فجر حقيقي للعدالة والاستقرار، بعد ليل طويل من الأوهام.

عن أمير حميدة

أمير حميدة

شاهد أيضاً

التحول الديمقراطي في السودان: عملية الولادة التي تم اجهاضها

أمير حميده ابوالمكمستشار حوكمة المؤسسات 💠الخطيئة التي قوضت التحول: الشراكة مع العسكر (البرهان – حميدتي) …