شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م (13)

زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة

هاشم عوض عبدالمجيد
hashimkhairy@gmail.com
[13-15]
شهادة السيد الصادق المهدي حول انقلاب نوفمبر 1958م
(الجزء الرابع )

• هل يوجد أي احتمال وبأي نسبة أن يكون السيد عبدالرحمن قد كتب هذا البيان بنفسه؟
 مؤكد لن يكون كتبه بنفسه، السيد عبدالرحمن في كل شيء يستكتب آخرين.
• من أكثر من كتب له؛ هل هو عبدالرحمن علي طه؟
 كتب له عبدالله نُقدالله، وكتب له عبدالرحمن علي طه، وكتب له أمين التوم، وعبدالرحيم الأمين، لكن هو بنفسه لم يكن يكتب. يعني مثلاً شعار ( لا شيع ولا أحزاب ولا طوائف، ديننا الإسلام ووطننا السودان) صاغه له نُقدالله. الإمام عبدالرحمن حسب علمي لا يكتب البيانات وإنما يناقش الأفكار والخطوط العامة ويستكتب الآخرين. لكن كما ذكرت أنت فإن بيان السيد عبدالرحمن حول الانقلاب كان committed بالانقلاب، [تعهد/تبنى الانقلاب] وليس فقط مباركة له.
• الدراسة التي أقوم بها تنطلق من فرضية أن هنالك دوافع ذاتية لبعض لأشخاص فرادى قادتهم للتفكير والنقاش والترتيب للانقلاب، بعضهم مضى فيها وبعضهم لم يمضي فيها – كما ذكرت أنت عن السيد الصديق – ولكن بغض النظر عن هذه الدوافع فإن هؤلاء الأشخاص كانوا طرفاً في هذا الحدث التاريخي كأشخاص وليس حزب. هل توافق على هذا الطرح؟
 نعم، أوافق، أنا في رأيي الحزب في مرحلة ما اتخذ قرار……..
• …مسألة اتخذ قرار هذي دعنا نضعها بين قوسين لأنها لم تثبت أبداً، حينما نقول أن الحزب أخذ قرار فإننا هنا لا نتحدث عن تقدير سياسي وإنما فعل جنائي ، لأن العمل الجنائي يكون بالفعل أو الامتناع، وإذا سلمنا بما تقوله فإن ذلك يعني أن الحزب قد امتنع – بعد علمه بالانقلاب – عن منعه وبالتالي يكون قد شارك في الانقلاب. هذا لم يحدث ، الحزب لم يأخذ علماً، أنا أتحدث عن فعل الأشخاص.
 ….[مقاطعاً] حينما جاء تقرير يوسف التني ناقشه الحزب على اساس أنه يتضمن شرح لمخاطر تهدد البلاد……
• ولكنك قلت بأن هنالك توصية بمقابلة هذه المخاطر بانقلاب؟
 التوصية كانت من عبدالله خليل بأن نقوم بانقلاب لدرء المخاطر، ولكن قرار حزب الأمة ضد الانقلاب وأن يتم اتباع وسيلة أخرى لدرء هذه المخاطر.
• الأستاذة رباح مشكورة أوردت في بعض كتاباتها أسماء حوالي 13 عضواً من أعضاء مجلس الإدارة حينذاك ، لكن لم أجد مصدراً موثوقاً يعدد أسماء الأعضاء بالكامل. فإذا سلمنا بأن من ذكرتهم رباح هم الـ 13 الذين صوتوا ضد التوصية بالانقلاب ، والإثنين الآخرين هم من دعموا التوصية. (عبدالله خليل وزيادة أرباب). هل كان زيادة أرباب عضو مجلس إدارة؟ هل حضر السيد الصديق الاجتماع؟
 لا أعلم ما إذا كان السيد الصديق حاضراً للاجتماع، ولكن دليلي على ما أقوله هو أن كل من كان ضد توصية الانقلاب عملوا على معارضته فور قيامه، و أن العضوين اللذان دعما توصية قيام الانقلاب هما من شاركا فيه لاحقاً، سواء السيد عبدالله بالتسليم أو السيد زيادة أرباب بالعمل في وزارة عبود. وكان هذا الأخير هو الوحيد من قيادات حزب الأمة الذي تولى وزارة في الحكومة.
• كان هنالك خلاف بين زيادة أرباب وزير التعليم حينها والسيد يوسف بدري حيث شن عليه الأخير هجوماً قاسياً.
 لم يكن هجوماً قاسياً، هذا الجيل كان بينهم ما بينهم، زيادة أرباب فكر في تأميم الأحفاد، علماً بأن يوسف بدري لم يكن عضواً في حزب الأمة ولكن العلاقة بينه وبين السيد عبدالرحمن علاقة بنوة.
• السيد يوسف بدري أورد في مذاكرته أنه حينها ذهب وآخرين في زيارة للسيد عبدالرحمن وطلب منهم الذهاب للسيد عبدالله خليل ومحاولة إقناعه الامتناع عن تسليم السلطة للعسكريين والقيام بانقلاب، ويقول السيد يوسف بدري أنهم ذهبوا بالفعل لدار السيد عبدالله خليل ووجدوا معه السيد عبدالله نُقدالله والسيد أمين التوم وكان هنالك السفير الأثيوبي، وأنهم ناقشوا الموضوع مع السيد عبدالله خليل وأنه طمئنهم.
 لا أعلم، ما أعلمه عن علاقة يوسف بدري بالسيد زيادة أرباب هو ما ذكره لي السيد يوسف بدري بأن زيادة أرباب كيدياً قرر تأميم الأحفاد ، وأنه ذهب للسيد عبدالرحمن وأبلغه بأنه إذا قام زيادة أرباب بذلك فسيقوم – يوسف بدري – بتلغيم الأحفاد وتفجير نفسه بداخلها منعاً لتنفيذ هذا القرار، وقد قام السيد عبدالرحمن باستدعاء زيادة أرباب ومنعه من المضي في قراره. هذه الرواية سردها يوسف بدري بنفسه لي، أنا لم أكن حاضراً لها.
• هل تتذكر زيارة السيد عبدالله خليل إلى أثيوبيا قبل الانقلاب بفترة وجيزة ، تحديداً في سبتمبر 1958م؟
 لا أذكر. لكن السيد عبدالله خليل كنت كثيراً ما أزوره، حتى وأنا طالب وأتحدث معه بصراحة. كان frustrated [مُحبط] جداً جداً من الصحافة. يرى أنه مستهدف من المثقفين واليساريين. وأنه حينما ذكر في حديث عام له عبارة نُرحب بنزول القوات الامريكية في بيروت ثارت ضده الصحافة.
• تقصد موضوع سياسة /مبدأ ايزنهاور وتبعاته….
 نعم، كذلك حينما وافق وأيد المعونة الامريكية. المهم كان هو غضبان، كان يقول لي: ( الفار يَعُض الأسد، والضب يَعُض الأسد…الأسد يسوي شنو ، ينتقم لنفسه).. وهكذا [يفهم من سياق العبارات العامية أن عبدالله خليل كان يرى أن من حوله يستصغرون أفعاله وينتاشونه فماذا يفعل سوى الانتقام؟]
• كانت هنالك كثير من المضايقات تحيط به حينها، مثل إضرابات اتحاد العمال، تذمر وسط النواب، وخلاف مع الاتحاديين وتهديدهم بقيام الجمعية التشريعية في ميدان عبدالمنعم إن لم تنعقد في مقرها يوم 17 نوفمبر.
 شوف، عبدالله خليل لم يكن زعيم سياسي مدني، لم يكن يخاطب الجماهير أو العمل على اقناعهم، هو نوع خاص من القيادات السياسية التي هي بدون شعبية وبدون جماهيرية.
• كيف تقول ذلك وعبدالله خليل شارك في جمعية الاتحاد وهو من قادة حركة اللواء الأبيض وهو…..
 …[مقاطعاً] شارك في كل ذلك وكان جزءاً منه ولكنه فقد الأمل فيها….
• هل كان صفوياً أكثر من المحجوب؟
 لا ، كل واحد بطريقته، هذا صفوي مدني وهذا صفوي عسكري. السيد عبدالله خليل أنا حضرت معه مناسبات عديدة، لم يكن يخاطب الجماهير، فإذا كانت هنالك ضرورة فإنه يقدم عبدالله نُقدالله أو أمين التوم في الغالب لمخاطبة الجماهير، وحينما اشتد عليه الهجوم في الصحافة كان يرى أن هؤلاء ليس أهلا للرد عليهم.
• لكنه لم يكن مترفعاً …كان متواضعاً وبيته كان مفتوحاً للناس….
 لا لم يكن مترفعاً، بيته كان مفتوحاً وأنا رغم صغر سني حينها كنت أذهب إليه في منزله ويستقبلني، كان متواضعاً جداً . فقط كسياسي لم تكن وسيلته الجماهير. والدوائر التي ترشح بها لم يكن لديه بها علاقة سواءً في أم كدادة أو الجزيرة أبأ، أنا متأكد إذا طلبت منه أن يذكر أسماء عشرة أشخاص من دائرته في الجزيرة أبا لم يكن يستطيع ذكرهم، لقد جاء بالزانة وليس بالجماهيرية، ولكن هذا لا ينفي تواضعه، أنا لم انقطع عنه أبداً. لقد ذكر لي بعد الانقلاب أنه من أول يوم علم بخروج الموضوع من يده [يقصد الانقلاب] قال لي – يقصد عبود – أنه: (عند الترتيب للانقلاب قلت لإبراهيم عبود وحسن بشير أن يجمعوا لي قيادات الجيش لتنويرهم بماهية الانقلاب، علشان يفهموا أن هذا الانقلاب له سند مدني، ووافقوا على ذلك). أنا في رأيي – والحديث هنا للسيد الصادق المهدي – أنهم – أي قيادات الانقلاب – ذهبوا للضباط وأن الضباط رفضوا أن يجتمعوا مع السيد عبدالله خليل لتنويرهم، قالوا لهم اتفقوا معه أنتم وأبلغوه بأنكم سوف تنوروا الضباط، فحينما جاء قيادات الانقلاب وسألهم عبدالله خليل أين بقية قيادات الجيش قالوا له بأننا نحن من سيقوم بتنويرهم. قال لي عبدالله خليل أنه there and then [حينها، ومن ثم بعد ذلك] علمت بأن الموضوع خرج عن يدي لأنني كنت أرغب في تنويرهم.
• هل ذلك ما عبر عنه أمين التوم بأن عبدالله خليل حينها شعر بخيانة العسكريين له
 نعم، ما في شك أنه بسرعة جداً شعر بخطئه، وكذلك بسرعة جداً شعر الإمام عبدالرحمن نفسه شعر بخطئه. الدليل على ذلك عودة السيد عبدالله خليل السريعة واتفاقه مع السيد الصديق على معارضة النظام. أنا رأيي أن السيد عبدالله خليل بمكانته لدى ضباط القوات المسلحة كان يظن أنه سوف يقدر يمرر هذا الموضوع، وأن الضباط سوف يمتثلوا لتصوره للانقلاب بحكم رمزيته وأقدميته في الجيش السوداني. لكن شنان ومحي الدين قطعوا هذي الصلة……
• سوف اتحدث معك عن شنان ومحي الدين لاحقاً، دعنا لموضوع عضوية مجلس إدارة حزب الأمة. سوف أذكر لك الأسماء والصفات لمراجعتها سوياً: السيد الصديق المهدي، رئيس الحزب، ورئيس الهيئة العامة ورئيس مجلس الإدارة، السيد عبدالله خليل السكرتير العام، السيد إبراهيم أحمد، السيد عبدالرحمن علي طه، السيد عبدالكريم محمد ، بالمناسبة من هو عبدالكريم محمد ؟
……………………………………………………

( نواصل في الجزء التالي الحلقة الخامسة من شهادة السيد الصادق المهدي)

عن هاشم عوض عبدالمجيد

هاشم عوض عبدالمجيد

شاهد أيضاً

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م [11-15]

(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة)[11-15]هاشم عوض عبدالمجيدhashimkhairy@gmail.comشهادة السيد الصادق المهدي حول انقلاب نوفمبر …