(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة)
[ 4-15]
هاشم عوض عبدالمجيد
hashimkhairy@gmail.com
(4) شهادة السيد الصديق عن ملابسات وقوع انقلاب نوفمبر 1958:
في العام 1964 بعد ثورة أكتوبر أجرت لجنة قضائية تحقيقاً رسمياً مع (21) شخصية عسكرية ومدنية ممن رأت هذه اللجنة أن لهم صلة بالانقلاب . ابتداءً كانت اللجنة قد حددت (7) من هؤلاء المستجوبين الذين هم أعضاء المجلس العسكري ممن كانوا على سدة الحكم يوم ثار عليهم الشعب في أكتوبر 1964 كمتهمين رئيسيين، بينما اعتبرت بقية المستجوبين البالغ عددهم (14) شخصاً من المدنيين والعسكريين شهوداً. عند اكتمال تحقيقاتها قامت اللجنة بتوجيه الاتهام إلى قائمة مختلفة من المتهمين هم (9) عسكريين الذين قادوا الانقلاب وشكلوا مجلسه العسكري الأول بقيادة الفريق إبراهيم عبود، بالإضافة إلى (2) من المدنيين هما السيد عبدالله خليل، والسيد زين العابدين صالح.
فيما يلي قيادات حزب الأمة الذين شملهم التحقيق فهم السادة : عبدالله خليل” السكرتير العام للحزب”، والسيد عبدالله عبدالرحمن نقدالله “مساعد السكرتير العام” والسيد زين العابدين صالح، “عضو مجلس الشيوخ عن حزب الأمة”. نفت قيادات حزب الأمة الذين استجوبتهم اللجنة – فيما عدا السيد زين العابدين صالح- علمهم المسبق بالانقلاب، بل إن السيد عبدالله خليل نفى في أقواله أمام لجنة التحقيق أنه قد وردته رسالة من السفير يوسف التني قبل الانقلاب (تفيد بأن أزهري أو علي عبدالرحمن وصلا إلى اتفاق مع المصريين وأن الانقلاب جاء نتيجة لذلك الاتفاق) .
إن المتمعن في أقوال المستوجبين أمام تلك اللجنة القضائية من قيادات حزب الأمة يجد أنهم صاغوا أقوالهم بشكل لا يقود لتحديد المسئولية عن هذه الحادثة. وفيما عدا بعض شهادات المستجوبين، وتحديداً أقوال كل من السيد زين العابدين صالح والسيد الدرديري محمد أحمد نُقد، حيث القيا التبعة في قيام الانقلاب كلها على السيد عبدالله خليل، بينما أضاف أحدهما آخرين بطريقة غير مباشرة. قال السيد زين العابدين صالح في إفادته أمام لجنة التحقيق:” أذكر قبل الانقلاب بنحو ثمانية شهور أن جاء عبود وحسن بشير وأحمد عبدالوهاب إلى منزل السيد الصديق واجتمعوا في الدور العلوي، وكنت أنا أجلس في الدور الأول ولم أحضر الاجتماع ولا أعرف ما دار فيه. وكان عبدالله خليل هنالك”
بالنسبة للعسكريين، فإن قائد الانقلاب الفريق إبراهيم عبود ذكر ضمن أقواله أمام لجنة تحقيق أنه: “…قبل الانقلاب بنحو شهرين جاءني عبدالله خليل وقال لي حيكون في جلسة في منزل السيد الصديق في أمدرمان ودعاني لحضورها (…) تطرق الكلام إلى الموقف السياسي وشرحه السيد الصديق وقال ان البلد غير مستقرة وإذا عمل وزير دفاع من الجيش فإن هذا يساعد على الاستقرار فانفضت الجلسة على لا شيء ولم يحدث اتفاق. ولم يحدث اجتماع بعد ذلك ولم يبلغني إخواني عن أي اجتماع. الأحوال مشت عادية بعد ذلك.” أما اللواء أحمد عبدالوهاب فقد جاء في أقواله أمام اللجنة أن:” الرجل الوحيد الذي لم يكن راضيا عن تدخل الجيش هو السيد الصديق بدعوى أن الجيش لن يرجع إلى ثكناته” .
لم يشمل التحقيق في ملابسات الانقلاب السيد الصديق المهدي (رئيس حزب الأمة) إذ كان قد لحق بالرفيق الأعلى في 2 أكتوبر 1961م أي بعد حوالي عامين من الانقلاب، وبالتالي لم يتم أخذ أقواله. إلا أنه في كتاب عنوانه [جهاد في سبيل الديمقراطية] ، أشرف على تحريره وإعداده للنشر السيد الصادق المهدي، وكتب مقدمته السيد زين العابدين حسين شريف، تجد سرداً لبعض سيرة السيد الصديق المهدي السياسية. يشتمل الكتاب على وثائق هامة عن تلك الحقبة الوطنية، ومن ضمنها رواية السيد الصديق المهدي عن بعض الأحداث المتعلقة بانقلاب 17 نوفمبر 1958م حينما بدأ سلسلة مفاوضات مع ممثلين عن المجلس العسكري الحاكم حينها، حيث ذكر محرر المذكرات قب إيراد تفاصيل التفاوض:” أننا نثبت هنا نصاً لما دون من وقائع تلك المحادثات تحديداً للمسئولية التاريخية” . من أهم ما جاء في تلك الرواية ما تضمنته الوثيقة رقم (8) التي ترد في الصفحات (29 إلى 34) من الكتاب والتي تشتمل على مضبط للحوار الذي تم في أول اجتماع انعقد بتاريخ 1 رمضان 1380 هـ الموافق 17/02/1961م بين السيد الصديق المهدي من جهة، ومن الجهة الأخرى بعض اعضاء المجلس العسكري العالي الحاكم حينها؛ وهما (اللواء محمد طلعت فريد والأميرلاي المقبول الأمين الحاج) وذلك للتفاوض حول مستقبل البلاد كما جاء في الكتاب. تشير هذه الوثيقة أيضاً إلى مذكرة بذات المضمون سلمت لموفدي الجيش في الاجتماع المشار إليه آنفاً، وقد جاء نص حديث السيد الصديق المهدي ذي الصلة بانقلاب 17 نوفمبر 1958 في الوثيقة المذكورة كما يلي:
[إننا أيدنا هذا الوضع باعتباره وضعاً مؤقتاً لوضع الأمور في نصابها بعد أن أفسد بعض السياسيين الحكم في البلاد نتيجة لانصياعهم مع أغراض الطامعين في التدخل في شئون البلاد ولضعف الائتلاف مع حزب الشعب ولأول مرة أكشف لكما هذا السر لمعلوميتكما الخاصة ولتعلما مقدار تأييدنا للتغيير نتيجة لما وصلت إليه الحالة من سوء فقد اجتمع بمنزلي بأمدرمان وأكثر من مرة السادة إبراهيم عبود، وأحمد عبد الوهاب وحسن بشير وعوض عبد الرحمن لبحث ما آلت إليه الحالة ولنفكر في الانقلاب وكيف يتم وأخيرا وبعد بحث استبعدنا فكرة الانقلاب لئلا نزج بالجيش في السياسة والحكم، ثم سافرت أنا للخارج بسبب حالتي الصحية وعندما رجعت وجدت أن الانقلاب قد حدث إنني أسوق هذه الحادثة لأدلل بها علي تأييدي في الماضي على أساس أنه عمل مؤقت تدعو له الحالة أما الآن فإننا نرى كل التصرفات تهدف لإقراره ولاستدامته وهذا ما لا نوافق عليه وما لا نراه من مصلحة البلاد.]
ثم يمضي السيد الصديق المهدي لتأكيد ما جاء في الوثيقة أعلاه، بما ذكره في الوثيقة رقم (10) التي ترد في الصفحات (45 إلى 55) من ذات الكتاب، والتي تشتمل على مضبط للحوار الذي تم في ثالث اجتماع انعقد بتاريخ 12/03/1961م بينه وبين ممثلي المجلس العسكري العالي أنفسهم الذين التقاهم من قبل، حيث جاء نص حديث السيد الصديق المهدي في هذه الوثيقة حول هذا الموضوع كما يلي:
[…وإنما الحقيقة تقال أن الجيش لم يتول الحكم بالقوة بل سعى لتأييد المواطنين بعد أن اتضح ضعف الائتلاف القائم آنذاك بين الحزبين الحاكمين بل إننا في بحثنا للحلول الممكنة للازمة في ذلك الوقت قد تعرضنا إلى احتمال تولية الجيش الحكم….]
ما ذكره السيد الصديق المهدي في مذكراته عن اجتماعه (أكثر من مرة بقادة الجيش) يطابق ما ذكره الفريق عبود عن اجتماعهم به قبل شهرين من الانقلاب، ويتوافق ما ذكره السيد زين العابدين صالح عن أنه شهد حضور قادة الجيش إلى منزل السيد الصديق قبل نحو ثمانية أشهر من الانقلاب. هذه الروايات المتواترة عن أصحابها تؤكد انعقاد الاجتماعات العديدة، إلا أن رواية السيد الصديق المهدي لا تشير أبداً أن السيد عبدالله خليل كان من ضمن الذين حضروا بل ورتبوا لتلك الاجتماعات كما جاء في بعض الروايات المشار إليها آنفاً.
لاحقاً لكل ما سبق وفي تقرير كتبه السفير الأمريكي في الخرطوم حينها إلى وزير خارجية بلاده، ذكر السفير أنه التقى بالسيد الصديق المهدي “رئيس حزب الأمة” الذي أبلغه أنه ووالده السيد عبدالرحمن المهدي أيّدا تسليم السلطة للجيش. يقول الدكتور منصور خالد الذي أورد نسخة من الوثيقة التي أفرجت عنها لاحقاً الحكومة الأمريكية، أنها توضح أن السيد الصديق المهدي لم يكن عالماً فقط بترتيبات الانقلاب وإنما كان أحد المسئولين عن ترتيبه. تعزز ما سبق أيضاً السيدة رباح الصادق إذ تقول وهي تصف ما دار في الاجتماعات التي تمت بين السيد الصديق المهدي وقادة الجيش قبل الانقلاب:”… ويبدو أن الاجتماعات قلّبت حتى فكرة الانقلاب العسكري، وهذا ما ظهر في حديث الإمام الصديق لاحقاً لقيادة انقلاب نوفمبر أثناء المفاوضات التي جرت في أوائل العام 1961م” .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم