شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م

(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة)
[8-15]
هاشم عوض عبدالمجيد
hashimkhairy@gmail.com
(8) الصراع داخل حزب الأمة قُبيل وقوع انقلاب نوفمبر 1958:
فيما استعرضناه من وقائع في الأجزاء السابقة من الدراسة، فقد توصلنا إلى أن حزب الأمة ليس له صلة بانقلاب 17 نوفمبر 1985م، وذلك بعد أن فككنا وضحدنا كافة الروايات التي تقول ذلك . إذ أنه خلافاً لأحزاب سودانية أخرى لم يتخذ الحزب قراراً من داخل مؤسسته الحزبية أو أحد أفرعها بتسليم السلطة للجيش أو الاستيلاء على السلطة بالقوة، وأن ما حدث كان قراراً فردياً من بعض قادته ارتأوا القيام بذلك لتقديرات قدروها. بيد أنه من المهم قبل أن نغادر محطة الوقائع والتمعن فيها فيما يتعلق بانقلاب نوفمبر 1958 أن نُلقي الضوء على جانب من الصراع العميق داخل حزب الأمة والخلاف الحاد بين قياداته حينها، وهو جانبٌ – في رأينا – ذو صلة جوهرية بتقديرات قادة الحزب الذين قرروا تسليم السلطة للجيش.
رغم أن حزب الأمة كان قد نال أعلى الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 27 فبراير 1958 حيث حاز على 63 مقعداً في البرلمان من أصل 173مقعد، إلا أنها لم تكن أغلبية كافية له لأن يشكل الحكومة منفرداً. هذا الوضع جعله يخوض صراعين، صراعاً خارجه مع غريمه حزب الشعب الديمقراطي الذي شكل معه حكومة ائتلافية بعد الانتخابات، كانت تحالف أضداد -كما وصفته كثير من المصادر- فشل قادته في التوافق على أي قضية من القضايا التي تتعلق بالشأن الوطني. كانت تلك الحكومة تناقش موضوعاً وتتوافق عليه داخل اجتماعاتها ثم يخرج أعضاؤها بعد الاجتماع للتصريح بما يناقض ما توافقوا عليه، أو حينما تطرح الحكومة على البرلمان موضوعاً سبق لها مناقشته يقوم بعض نواب الحزبين المشكلة منهما الحكومة بالتصويت ضده! وهكذا، دخلت البلاد في أزمة سياسية حقيقية بسبب هذا الائتلاف.
من جهة أخرى – وهذا لب حديثنا – كان حزب الأمة يخوض صراعاً داخلياً ربما كان أسوأ من الصراع الخارجي. إذ رغم الثقة العالية التي منحها الشعب السوداني لحزب الأمة في تلك الانتخابات فقد قابلها بتضعضع في قناعة بعض قياداته بالعمل الديمقراطي سواءً داخل الحزب أو في مجمل البلاد، لم يكن الوضع داخل حزب الأمة حينها في أفضل حالاته. حيث احتدم صراعاً حاداً بين السيد عبدالله خليل والسيد الصديق المهدي، كان الصراع في ظاهره يبدو خلافاً حول قضية محددة وهي “عدم فعالية الحكومة الائتلافية بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي”. إلا أن هذه المسألة رغم حيويتها لم تكن جوهر الخلاف، وإنما كان الخلاف بين “رئيس الحزب” و “السكرتير العام للحزب” يدور حول السيطرة على مقاليد الأمور داخل الحزب، ومن ثم توجيه السياسات العامة في البلاد عبر الحكومة التي يقودها الحزب.
وفقاً للهيكل التنظيمي لحزب الأمة في الفترة بين 1956 و1958 فإن السيد الصديق المهدي “رئيس الحزب” كانت من صلاحياته رئاسة الجلسات والإشراف العام على المستجدات والخطط التنظيمية للحزب، أما السيد عبدالله خليل “أمين عام الحزب” فإنه كان رئيس الجهاز التنفيذي والسياسي . أمام هذا الحال سعى السيد الصديق المهدي إلى تعزيز نفوذه داخل الحزب وإضعاف سيطرة السيد عبدالله خليل على القرار، الأمر الذي أوجد خلافاً وصفه السيد الصادق المهدي بأنه تطور إلى “قطيعة تامة” بينهما قبيل انقلاب نوفمبر 1958م . كذلك من شواهد الخلافات بين قيادات حزب الأمة حينها ما ذكره السيد الصادق المهدي عن رفض السيد عبدالله خليل لتزايد نفوذ آل المهدي داخل الحزب . إضافة لذلك فمن الشواهد تلك الحادثة التي أوردها منصور خالد عن الاتهامات التي وجهها بعضٌ من آل المهدي للسيد عبدالله خليل، وجرى تداولها أمام مجلس إدارة الحزب وانبرى فيها السيد عبدالرحمن علي طه للدفاع عن السيد عبدالله خليل. كذلك أوردت السيدة رباح الصادق شواهداً على هذا الخلاف . لقد بلغ الخلاف حداً جعل السيد الصديق المهدي رئيس حزب يقوم بتكوين تيار داخل الحزب مناوئاً للسيد عبدالله خليل، حيث يرى السيد الصادق المهدي أن الاختلاف حول إدارة الأزمة السياسية مع حزب الشعب الديمقراطي والتوجه للتحالف مع حزب الأزهري كان هو سبب تكوين هذا التيار، وأن هذا التوجه كان أحد الدوافع الرئيسة التي جعلت السيد عبدالله خليل يُسلّم السلطة للجيش.
بيد أن الشواهد التاريخية تدلل – كما أسلفنا – على أن الخلاف لم يكن فقط بسبب الائتلاف وإنما كان يتمحور حول السيطرة على حزب الأمة، ومحاولة إنفاذ توجهات متباينة داخله بشأن السياسات العامة للدولة في ذلك الوقت. إلا أننا قبل أن نورد تلك الشواهد لابد وأن نُشير لما ذكره السيد عبدالله خليل للسفير البريطاني في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر 1958 عن أنه أوفد بعضاً من قيادات حزبه للتفاوض مع الحزب الوطني الاتحادي حول صيغة ائتلاف بديلة لائتلاف حزبه مع جزب الشعب الديمقراطي ، الامر الذي يثير تساؤلاً حول ما إذا كان هنالك ثمة خلاف بالفعل بينه وبين السيد الصديق المهدي حول هذا التوجه!.
في تعبير صادم يصف السيد عبدالفتاح المغربي الخلاف بين قيادات حزب الأمة بسبب تباين وجهات النظر والمواقف حول السياسات العامة أنه بلغ درجة “الانشقاق” . في رأي الباحث أن الجزئية الجوهرية في تعارض وجهات نظر قيادات حزب الأمة – حينها – حول السياسات العامة تمثلت في التحول الجوهري في سياسة الحزب الذي شرع السيد عبدالرحمن المهدي في القيام به، حيث قاد توجهاً للتوافق مع القيادة المصرية حول قضايا مصيرية بمعزل عن السيد عبدالله خليل ودون علمه! هذا التوافق بين الطرفين بلغ مراحلاً متقدمة قبيل وقوع انقلاب نوفمبر 1958 بأسابيع قليلة. الاتفاقية التي لم يعلم السيد عبدالله خليل بوجودها إلا بعد إكمال الاتفاق التام على بنودها بين السيد عبدالرحمن المهدي والرئيس جمال عبدالناصر – وفق ما ذكره السيد عبدالفتاح المغربي – كانت تتعلق بثمانية مواضيع رئيسية تمثل وفق رأي طرفيها الشواغل الرئيسة في العلاقات السودانية المصرية حينذاك. حيث تضمنت الاتفاقية بإيجاز ما يلي: *إنشاء السد العالي في مصر، *إنشاء خزان الروصيرص في السودان، سداد الحكومة المصرية تعويضات للحكومة السودانية قدرها ثلاثين مليون جنيهاً كتعويض عن الأراضي والمنشآت التي ستغمرها المياه بعد انشاء السد العالي وعن تهجير سكان المنطقة، و تحديد نصيب السودان من مياه النيل بعد انشاء السد العالي بسبعة عشر مليار متر مكعب، والسماح للسودانيين بالسفر إلى مصر للعمل والتعليم دون قيود، وخضوع هجرة المصريين للسودان لقوانين وضوابط تسنها حكومة السودان، واحترام سيادة كل من الدولتين سيادة الأخرى على أراضيها وحدودها وعلى سياساتها الداخلية والخارجية، وأن تتعاون الدولتين عسكرياً واقتصادياً في حال تعرض إحداهما لعدوان من دولة غير عربية.
إن التزامن بين واقعة إعداد بعض قيادات حزب الأمة للاتفاقية المذكورة مع مِصر التي لم يكن يعلم بها السيد عبدالله خليل، مع شروع تيار السيد الصديق المهدي داخل حزب الأمة في خطوات عملية لفض الائتلاف مع حزب الشعب الديمقراطي، والاستعاضة عنه بتحالف مع الحزب الوطني الاتحادي بقيادة إسماعيل الأزهري وفق ما ورد في كثير من المصادر، يؤكد مسألة التحول الجوهري في سياسة حزب الأمة التي أشار لها السيد عبد الفتاح المغربي ومخالفتها للسياسة المعلنة لحكومة الحزب!. ففي ذات التوقيت كان السيد عبدالله خليل رئيس الوزراء يُبعد عن البلاد دبلوماسي مصري رفيع بعد ثلاثة أيام فقط من وصوله للسودان ويمهله 24 ساعة للمغادرة. ، ويُصرح لوسائل الاعلام بمواقف متناقضة تماماً فيما يتعلق بعلاقات السودان الخارجية وقضايا مياه النيل حيث أعلن أن ” هناك دول لها نصيب من مياه النيل مثل أثيوبيا وأوغندا، ولابد من التفاهم معها ” . لم يكن هنالك غرابة في صدور مثل هذه التصريحات من السيد عبدالله خليل بالنظر لمواقفه المعلنة. إلا أن الذي كان مستغرباً هو تلك التصريحات الصحفية المناقضة له تماماً التي أدلى بها في ذات الفترة من القاهرة السيد إسماعيل الأزهري وأعلن فيها اعترافه باتفاقية مياه النيل لعام 1929 التي أعلنت حكومة السيد عبدالله خليل مراراً أنها لا تعترف بها. هذا، بالإضافة للزيارة غير المأذونة للسيد علي عبدالرحمن إلى القاهرة في ذات التوقيت حيث صرح يوم 12 نوفمبر 1958 أنه قدم إلى القاهرة موفداً من السيد علي الميرغني بغرض عرض وساطة الأخير لحل المشاكل القائمة بين البلدين وهي حتماً لا تختلف كثيراً عما توافق عليه السيد عبدالرحمن مع الرئيس عبدالناصر في بنود الاتفاقية التي أوردناها أعلاه. يقول منصور خالد أن السفير يوسف التني وصف ما كان يدور حينها في القاهرة بين القيادة المصرية حينها وقيادات حزب الشعب الديمقراطي والحزب الوطني الاتحادي بأنه “مؤامرة”
في المقابل، ورغم أن المصادر التاريخية لم تُورد مواقف معلنة للسيد الصديق المهدي بشأن بنود الاتفاقية التي كان يزمع السيد عبدالرحمن المهدي إبرامها مع مصر وما تتضمنه من قضايا، إلا أن سعي السيد الصديق المهدي الدؤوب للتحالف مع إسماعيل الأزهري يجعله على النقيض تماماً من المواقف المعلنة من السيد عبدالله خليل وفق ما أشرنا له سالفاً، ذلك أن مواقف الأزهري من قضايا الساعة تلك جميعها تدعم مصر وتخالف مواقف السيد عبدالله خليل.

عن هاشم عوض عبدالمجيد

هاشم عوض عبدالمجيد

شاهد أيضاً

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م (12)

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م (12)(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة …