صبرُ السودانيين… ساحةُ حربٍ بلا سقف

يتقدّم المشهد السوداني بخطى مثقلة بالدم والرماد، حيث تتزاحم الوقائع العسكرية مع الكارثة الإنسانية، وحيث لا يعود السؤال عن اتجاه الحرب بقدر ما يصبح عن قدرتها على ابتلاع ما تبقّى من حياة.
وسّع الجيش عملياته في كردفان ودارفور، باحثاً عن حسم ميداني يعيد الإمساك بالجغرافيا، بينما اختارت مليشيا «الدعم السريع» نقل المواجهة إلى سماوات المدن البعيدة، مستعملة المسيرات الاستراتيجية كسلاحٍ لترويع الخصوم وكسر الإيقاع اليومي للمدنيين.

سنجة، عاصمة ولاية سنار، تحوّلت في لحظة إلى مسرح صاعق. اجتماع رسمي يضم ولاة سنار والنيل الأبيض وحاكم إقليم النيل الأزرق، مع قيادات أمنية وعسكرية، انتهى بانفجارات عنيفة وصواريخ موجّهة. دقائق قليلة كانت كافية لكتابة فصل جديد من الفاجعة: عشرات القتلى، بينهم إعلاميون ومرافقون، ونجاة الولاة الثلاثة من الموت بأعجوبة. المدينة اهتزّت، الأحياء ارتجفت، الأسواق أغلقت أبوابها على صرخات الخوف، وسحب الدخان غطّت المكان كأنها إعلان حداد جماعي لوطنٍ مسجّى.
شهادات الأهالي حملت صورة مدينة داهمها الرعب من الأعلى. دويّ الانفجارات تردّد في الشوارع، والناس هرعوا نحو مستشفيي «سنجة» و«الشرطة» للتبرع بالدم، في مشهدٍ يعكس هشاشة الحياة وقوة التضامن في آن واحد.

وزارة الصحة في الولاية أعلنت سقوط 27 قتيلاً و13 مصاباً، بعضهم مدنيون، وسط سباق محموم للكوادر الطبية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بإمكانات محدودة وضغط هائل.
«شبكة أطباء السودان» أفادت بسقوط مدنيين وضحايا آخرين في سوق بلدة كرتالا بجنوب كردفان. أصوات حقوقية طالبت بحماية المدنيين ووقف الهجمات على الأسواق والأحياء السكنية، في ظل تصاعد كلفة الحرب على الأبرياء.
مصادر ميدانية تحدّثت لوكالات أنباء عن ثلاث قذائف صاروخية أطلقتها مسيّرة، أصابت اثنتان قاعة الاجتماع، فيما سقطت الثالثة قرب مقر الفرقة السابعة عشرة للجيش.

محاولات الدفاع الجوي للجيش لم تمنع الخسائر. الهجمات امتدّت إلى كوستي وربك في ولاية النيل الأبيض، مستهدفة اجتماعات ومقار أمنية، لتؤكد أن نطاق الضربات بات أوسع من جبهة واحدة.
الجيش، من جانبه، أعلن عن مواصلة عملياته وتوسيع دوائر التأمين حول المدن، كاشفاً عن تدمير عشرات الآليات العسكرية وقتل وإصابة المئات من عناصر «الدعم السريع» في كردفان ودارفور والنيل الأزرق.
لغة البيانات تحمل نبرة ثقة عسكرية، لكنها لا تخفف من وطأة سؤال معلّق: كم من الوقت يمكن لهذا النزف أن يستمر؟

خلف خطوط النار، تتكشف مأساة أشد قسوة. معسكرات النازحين في دارفور، خصوصاً منطقة طويلة شمال الإقليم، تغرق في الجوع والأمراض. سوء التغذية والحصبة وأوبئة أخرى تفتك بالأطفال والنساء، فيما تقلّص التمويل يدفع المنظمات إلى خفض المساعدات، تاركاً ملايين البشر على حافة اليأس.
من جنيف، حذّر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، من أن السودان يواجه أسوأ أزمة إنسانية في العالم، مع أكثر من 33 مليون محتاج للمساعدة ونحو 13.6 مليون نازح.
نظام صحي منهك، مرافق خارجة عن الخدمة، برامج تحصين منهارة، وأمراض تنتشر بلا عوائق.

الحرب هنا تجاوزت حدود الاشتباك العسكري، وصارت اختباراً قاسياً لصبر الناس وقدرتهم على الاحتمال، وفضحاً لبلادة جماعات مسلّحة ومستنفرين لا يعنيهم مصير شعب استُنزفت طاقته حتى العظم، كما صارت امتحاناً لضمير عالم يكتفي بالمراقبة، فيما يواصل السودانيون دفع الفاتورة الثقيلة يوماً بعد يوم.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

أين صفوت؟ إن شاء الله المانع خير

نزار عثمان السمندل بحري تعرف أبناءها كما تعرف مجرى النيل. تحفظ أصواتهم في ذاكرة الماء، …