صراع البشر على السلطة.. حوار لسبر الأغوار

د. أيمن بشرى

٧ نوفمبر ٢٠٢٥

(السلام لا يعني غياب الصراعات؛ فالاختلافات ستبقى موجودة دائمًا. السلام يعني حل هذه الخلافات بالطرق السلمية؛ من خلال الحوار والتعليم والمعرفة؛ وبطرق إنسانية).
(دالاي لاما)

ابتدر الأستاذ طارق يوسف حواراً حول مقالين كنت قد نشرتهما بصحيفتي مداميك و سودانيل خلال هذا العام (٢٠٢٥). المقال الأول كان حول اقتراح لتقاسم السلطة المركزية في السودان. وقد تساءل الكثيرون حول سبب الصراع حول السلطة من الأساس. فرض هذا التساؤل علي كتابة المقال الثاني والمعنون (السلطة: لماذا يسهر الخلق جراها ويختصموا). أبنت فيه بعض الدوافع التطورية، البيولوجي والاجتماعية التي تدفع الناس للصراع حول السلطة بوعي أو بدونه.
إخترت أن اورد مقال الأستاذ طارق كاملاً، مع الأجابة على الأسئلة تباعاً.

🗞️ حوار مع د. أيمن بشري: صراع البشر على السلطة
وتحديات العدالة في السودان

🔰 مقدمة الحوار

● في مقالة فكرية مطوّلة نُشرت بصحيفة مداميك، تناول الدكتور أيمن بشري قضية صراع البشر على السلطة من منظور إنساني وتاريخي وسياسي، رابطًا بينها وبين الأزمة السودانية المعاصرة وما تفرزه من تحديات في بناء العدالة وتقاسم السلطة.
المقال أثار نقاشًا واسعًا حول كيفية إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس عادلة ومتوازنة بعد الحرب، بعيدًا عن المحاصصات الجهوية والقبلية.

في هذا الحوار، نحاول مع الدكتور أيمن بشري تعميق الفهم وتحريك النقاش حول أبرز الأفكار التي طرحها، من خلال مجموعة أسئلة تجمع بين التحليل الأكاديمي والأسلوب الصحفي التحليلي.

🔹 المحور الأول: في فلسفة الصراع على السلطة

سؤال 1:
أشرتم إلى أن الصراع على الموارد والهوية يمثل جوهر النزاعات البشرية. برأيكم، هل ما يزال الصراع في السودان خاضعًا لهذه القوانين الكلاسيكية، أم أنه اليوم أصبح صراع نخب ومصالح اقتصادية ضيقة؟

الرد:
صحيح ان المقالين يشيران إلى أن الصراع الأساسي بين البشر هو الصراع على الموارد وان السلطة تمكن المرء من الحصول على الموارد وعلى الحفاظ عليها.
لم يتطرق أي من المقالين لصراع الهوية بصورة مباشرة. مرد ذلك هو تعقيد مفهوم الهوية من جهة، تشتيت التركيز على إيجاد حلول عملية وقابلة للتنفيذ من جهة ثانية ولأن حل مشكلة السلطة سيحل إشكالية الهوية برمتها أو يجعلها صراع حضاري او صراع غير وجودي كما هو حادث الآن من ناحية ثالثة.
هناك ثلاثة مستويات للهوية، الهوية الذاتية او الشخصية (self identity or personal identity)، الهوية الاجتماعية (social identity) والهوية الوطنية (national identity).
الهوية الاجتماعية هي التي ترتكز عليها جل صراعات البشر، ولحل هذه الصرعات ومنع حدوثها، يجب فهم أبعاد الهوية الإجتماعية، خصائصها والعوامل المؤثرة فيها سلباً وايجاباً فهماً دقيقاً، ولكن ذلك موضوع لمقالٍ آخر. في مقالي عن إشكالية اللغة في السودان، تم التطرق للهوية الذاتية بتفصيل أكثر:
https://www.alrakoba.net/32001851/إشكالية-اللغة-في-السودان-وشعارات-الثو/

سؤال 2:
تحدثتم عن “الدوافع النفسية للهيمنة والسيطرة”، فهل يمكن تطبيق هذا التحليل على الزعامات التاريخية في السودان؟ وهل هذه النزعة تعبير عن طموح فردي أم عن ثقافة اجتماعية متوارثة؟

الرد:
الواقع أن أفضل من يمكن اتخاذه كمثالٍ صارخٍ للدوافع التطورية التي تقف خلف السعي للسلطة في اللاوعي subconscious هي الزعامات التاريخية في السودان. مكان الزعامة يعطيهم امتيازاً في الحصول على الموارد، بطرق مباشرة في شكل هبات وغيرها كما هو متعارف عليه في السودان، أو بصورة غير مباشرة عن طريق بناء رأس مال رمزي symbolic capital أو اجتماعي social capital يتيح الحصول على القروض البنكية، التصاديق، التسهيلات الجمركية، المعلومات الاقتصادية الحساسة والاحتكاك بذوي النفوذ في الدولة.
الحصول على الموارد يزيد القدرة الإنجابية ونشر الجينات، بعدة طرق تم شرحها في المقال الأساسي. كما يمكن الأجيال القادمة من تكريس السلطة، وهذا قد يحدث بصورة تلقائية نتيجة العلاقات التي تنشأ بين أفراد واسر الطبقة الحاكمة، أو بصورة واعية باستغلال النفوذ والعلاقات للحصول على امتيازات لا تتوفر لمن هم خارج دائرة السلطة.
النزعة للسلطة قد تكون ذاتية، فهي تتفاوت بين الأفراد في المجتمع ذاته، ولكنها إذا قادت الى استفادة المجتمع الذي ينتمي إليه ذوو السلطة ككل، كما هو الحال في البلدان المتخلفة وذات الثقافة الجمعية (collectivist societies) والتي تفتقر للمؤسسات الرقابية، فإن ذلك قد يقود إلى تراكم رأس مال رمزي أو اجتماعي لكامل تلك المجموعة ومع مرور الزمن قد يؤدي ذلك الى ما يسمى بـ النرجسية الجماعية collective narcisism، وهذه، كما في حالات النرجسية الفردية، يمثل شعور الإستحقاق إحدى تجلياتها. هذا الشعور قد يظهر كثقة بالنفس تتيح للمرء ميزة تنافسية أفضل في الحصول على المناصب القيادية، حتى في ظل الافتقار للمؤهلات الموضوعية. هذا يظهر بصورة جيدة فيما يمكن تسميته ب “الأسر السياسية”.

سؤال 3:
في تقديركم، ما العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة إنتاج الصراع السوداني: ضعف المؤسسات، أم غياب الوعي الجمعي، أم انعدام الشرعية الوطنية؟

الرد:
هذه العوامل متداخلة، يؤدي أحدهما للآخر، إذ لا يمكن لمجتمع يفتقر للوعي الجمعي إنتاج مؤسسات دولة قوية، كما سيؤدي ضعف مؤسسات الدولةً إلى تشوهات كثيرة في الوعي الجمعي نتيجة الظلم المتوقع وسوء التعليم وغيرها.
ولكن هذه الأشياء لا تشكل عائقاً دون الحل. فالمجتمعات لا تبنيها الجموع، وإنما تكفي فئة قليلة تمتلك المعرفة وتوفق في امتلاك السلطة الكافية لإنفاذ الإصلاحات اللازمة.

🔹 المحور الثاني: في اتفاقيات تقاسم السلطة وتجارب المقارنة

سؤال 4:
استشهدتم بتجارب من كينيا ولبنان ومقدونيا. ما الذي يجعل التجربة السودانية أكثر هشاشة في استيعاب هذه النماذج؟

الرد:
ما ميز تلك الدول هو وضوح التمايزات بين المجموعات المختلفة. هذا الوضع وضّح أجندة كل مجموعة وقياداتها.
يفتقر السودان الى قيادات قومية تمثل الهويات المجتمعية المختلفة وتكون (أي تلك القيادات) محل ثقة لتلك الهويات. والهويات المقصودة هنا هي الهويات التي تمثل الثنائيات القاتلة في السياسة والمجتمع. من أهم هذه الثنائيات في اعتقادي:
١- ثنائية العرق: العروبة من جهة في مقابل الافريقانية (وكلاهما يمكن أن تتفرع منها فروع كثيرة كما هو بائن الأن)
٢- ثنائية علاقة الدين بالدولة: العلمانية في مقابل الدولة الدينية.
٣- ثنائية المركز والهامش.
٤- ثنائية القوى السياسية الحديثة في مقابل القوى السياسية التقليدية
٥- ثنائية العسكر والمدنيين.

وكل فرد في المجتمع السوداني يمكن أن يكون ضمن اكثر من ثنائية، بحيث يشترك شخصان في الأنتماء لأحدى الهويات في الثنائية الأولى ولكنهما يختلفان في الثنائية الثانية. كما أن قوة إحساس الانتماء للهوية المحددة متفاوت بين أفراد تلك الهوية.
لكل فئة من تلك الفئات أمال ومخاوف. والخوف هو أحد أهم موجهات السلوك البشري. وعند ربط ذلك بما ورد في المقالات موضوع النقاش حول مركزية السلطة والموارد كسبب أساسي للصراعات، فإن الأرجح إن السودان لن يعرف الاستقرار إلا إذا تم استيعاب كل تلك الفئات في عملية الحل، لأن البديل الموضوعي هو التخلص من بعض أو أغلب تلك الفئات، وهذا حدث بالفعل في كثير من الدول في التأريخ الحديث، وذاك أمر تجاوزته التجربة البشرية كما ثبت عدم إمكانية تحقيقه في السودان عملياً.
لكن هذا التوافق يحتاج إلى عمل ضخم بإقناع الناس بأن هذه الفئات هي التي تمثل الغالبية العظمى من السكان، وأنه متى ما تم التراضي على اتفاق يرضي الجميع، فسيعم الخير الجميع، وتأتي الخطوة التالية وهي اتفاق تلك الفئات على قادة يمثلونها تمثيل حقيقي.
التحدي الموضوعي لمثل هذا التفاهم عندنا هو عدم قدرة أغلب السودانيين على تفهّم موقف ومشاعر الآخرين، وهو ما يعرف بالتعاطف (empathy). التعاطف له خلفية تكوينية ووظيفية في المخ (بيولوجية عصبية) تطورت عند البشر في آلاف السنين ولكن هناك عوامل اجتماعية قد تساعد في تحفيز أو تثبيط مراكز المخ هذه، أهمها التربية والتعليم.
عند الفرد البسيط في المجتمع، قد يؤدي انعدام التعاطف الى اتخاذ قرارات يتأذى منها القليلون، أما المثقف، خاصة السياسيون، فإن عدم تمتعهم بالتعاطف قد تنتج عنه سياسات أو قرارات يتأذى منها الملايين. لذلك فان التعاطف ليس رفاهية المثقف أو السياسي، وإنما هو مسئولية أخلاقية.

سؤال 5:
هل ترون أن تقاسم السلطة في السودان يمكن أن يكون حلًا دائمًا لبناء الاستقرار، أم مجرد تسوية مرحلية تسبق بناء عقد اجتماعي جديد؟

الرد:
في التجارب المذكورة في مقال قسمة السلطة، كانت اتفاقيات قسمة السلطة أحد الوسائل الناجحة لإنهاء الصراعات في العديد من الدول. ولأن الظواهر الإجتماعية شديدة التعقيد، فإن إستقرار الأوضاع بعد الاتفاق على تقاسم السلطة يعتمد على تحقق شروط أخرى كثيرة لإزالة التوتر المجتمعي والوصول الى تعافي نفسي.
يجب الوضع في الاعتبار أن الخوف هو أحد أهم محفزات السلوك البشري، والخوف من المجهول يسبب توتر نفسي عظيم. بربط ذاك بالدوافع الغريزية للسعي للسلطة، تستطيع اتفاقيات قسمة السلطة الواضحة المعالم، والعادلة التفاصيل من تجاوز عقبتين نفسيتين في آن واحد.
عدالة قسمة السلطة في حد ذاته هو أحد مرتكزات العقد الإجتماعي، إذ أنه سيحقق العدالة وبقية القيم التي ترتكز عليها الدول الحديثة ويضمن الكفاءة التي لا بديل لها في إدارة الدولة.

سؤال 6:
تحدّثتم عن “المحاصصة العادلة”، فكيف يمكن تجنب تحولها إلى “محاصصة قبلية” كما حدث في مراحل سابقة من تاريخ السودان؟

الرد:
المبدأ الأساسي في الحياة هو (خد وهات)، مقايضة او مفاضلة (trade off). وهذا مفهوم يعني أن المرء لا يمكنه الحصول على كل شئ. في أحيانٍ كثيرة، وبصورة راتبة في حياتنا اليومية، يتعين علينا التضحية بشيء ما من أجل الحصول على شئ آخر. وفي اعتقادي أن السلم المجتمعي وإيقاف ومنع الحروب هو أهم ما يتطلبه الوطن وهذا لن تتأتى كل بدون عدالة تقسيم السلطة.
ولكن المرجح ان عملية التقاسم هذه ستنتهي الى محاصصة بين المجموعات تنتهي بمزيد من الخراب للوطن اذا لم تضع لها قواعد تتعامل مع أكثر السيناريوهات المتوقعة قتامة.
بحسب المقترح المقدم في المقال، تشمل عملية تقاسم السلطة شرط الكفاءة كشرط أساسي، المشاركة المجتمعية والشفافية. كما لا يمكن أن يستمر فرد مكون ما في نفس الوزارة لدورات عديدة. ولا يجب أن يكون هناك أفراد آخرين من نفس المكون في المكتب المعني. . كما يجب أن تكون هناك لوائح تضمن الرقابة على الأداء الحكومي والمال العام.
المقارنة بالمحاصصات السابقة هي تجارب شديدة الأهمية ويجب الاستفادة منها. أحد سمات تلك التجربة هي المسئولين يعينهم نافذين في السلطة يملكون الاستغناء عنهم متى ما شاءوا. محرد وجود الشعور بخطر الإبعاد، يجعل هؤلاء المسئولين متماهين مع مشروع السلطة والانغماس في الفساد الإداري والمالي. المقترح المقدم سيجعل جميع المسئولين سواسية في صنع القرار السياسي.

🔹 المحور الثالث: في تحليل الأزمة السودانية الراهنة

سؤال 7:
ذكرتم أن ضعف الثقة بين مكونات المجتمع أحد أخطر أسباب الأزمة. ما الذي حال دون بناء عقد اجتماعي جامع رغم تعاقب الأنظمة الانتقالية؟

الرد:
الثقة هي الأساس الذي تبنى عليه العلاقات الإجتماعية. والثقة لا تأتي دفعة واحدة، ولكنها تبنى مع التجارب وتحتاج الى زمن. غلطة واحدة تكفي لهز الثقة في النفس وربما لا تعود ابدأ. مع كل تلك الأخطاء التي حدثت في السياسة السودانية من الإستقلال، فمن الطبيعي أن يفقد السودانيون الثقة في النخب السياسية التي تتسيد المشهد. والأرجح أن الوضع الأن وصل مرحلة الإحباط. هذا الوضع سيجعل أمر الإصلاح عسيراً للن الناس تشكك في نوايا وقدرات كل من يأتي بمبادرات جديدة مهما كانت جودتها وقابليتها على إحداث اختراق في الواقع السياسي.
اعتقد- جازماً- ان السبب الأساسي الذي حال دون انتاج عقد إجتماعي منذ الإستقلال هو عدم إمتلاك النخب السياسية للمعرفة. المعرفة ابعلوم كثير لا بد منها في العمل السياسي وفي بناء الأوطان. جزء من تلك المعارف اوردتها في مقالي المعنون (اصلاح الكائن السياسي): https://www.medameek.com/?p=160298

على الأقل هذا ما يمكن الوصول اليه بتحليل التاريخ السياسي في السودان. البديل لذلك التفسير هو افتراض امتلاك تلك النخبة للمعرفة ولكنها أتخذت قراراتها بتلك الكيفية رغم ذلك، وهذا يجعل منها نخبة مجرمة متورطة في موت ملايين السودانيين، أو نخبة متآمرة هدفها تدمير البلاد.

سؤال 8:
هل ترى أن إعادة بناء الدولة يجب أن تبدأ من الأعلى (إصلاح السلطة والنخب) أم من القاعدة (تمكين المجتمعات المحلية والأقاليم)؟

الرد:
لا أعرف مثالاً في تاريخ البشر تمت عملية الاصلاح فيه من القاعدة الى القمة. ما يحدث في الثورات هو أن تقوم الطبقات المسحوقة في المجتمع بالإطاحة بالطبقة الحاكمة ومن ثم إحداث التغيير عن طريق السلطة (الثورة الفرنسية والثورة البلشفية كمثال). أما ان تقوم الطبقات الدنيا من المجتمع بإحداث التغيير في مستويات دنيا من الدولة ومن ثم تغيير المستويات العليا، فهذا ما لا يوجد مثال له. في التاريخ.
ويمكن اتخاذ مثالاً آخر كالمسيحية. فجزء كبير من شعب الإمبراطورية الرومانية كان قد اعتنق المسيحية تدريجيا، ولكن المسيحيين ظلوا مضطهدين لمدة ثلاثة قرون الى ان اعتنق الإمبراطور أغستين المسيحيين وجعلها دينا رسمياً للدولة، وبعدها دخل الناس في المسيحية أفواجاً.
فاذا كان المقصود بالتغيير من القاعدة للقمة هو ثورة من الشعب ضد النخبة الحاكمة ومن ثم احداث التغيير، فذلك ممكن الحدوث وقد حدث مرات كثيرة في التاريخ. إما إذا كان التغيير المقصود هو تغيير سياسي، اقتصادي واجتماعي يقوم به الشعب وهو مناهض للسياسات العامة للدولة فذلك ما لا اتوقع حدوثه.
وفي كل الأحوال، تسهل عملية التغيير كيثراً اذا امتلك الشعب المعرفة الكافية والوعي بالمشاكل وطرق حلها بصورة علمية.

سؤال 9:
تحدثتم عن “ضعف الحس الوطني”، فهل مرد ذلك إلى النظام السياسي السابق أم إلى غياب مشروع وطني ثقافي جامع منذ الاستقلال؟

الرد:
اعتقد مرة أخرى أن الأمر مرده عدم المعرفة بكيفية ادارة بلاد بكل تعقيدات السودان. قد يدهشك ما يمكن أن يؤدي اليه الجهل.
إذا أخذت المشروع الثقافي الجامع، فلابد من فهم موضوع الهوية المجتمعية والهوية الوطنية بصورة مغايرة لما هو متعارف عليه الأن.

🔹 المحور الرابع: في المقترح الإداري لتقاسم السلطة بعد الحرب

سؤال 10:
فكرة التناوب بين الأقاليم في رئاسة الوزراء طموحة، لكنها معقدة من الناحية العملية. كيف يمكن ضمان الاستقرار السياسي في ظل تغير القيادة الدورية؟

الرد:
حسب التفصيل الوارد لإختيار الوزراء مثلا، لا يوجد هناك أي تعقيد. الواقع أن عملية إختيار الوزراء في كل العالم وحتى في السودان تتم بالترشيح وبالتمحيص. المقترح المقدم لا يفعل أكثر من أن يحدد الأسس التي يجب أن تتم بها تلك العملية وبمن يقوم بها. أي يخرجها من كونها عملية خاضعة لنفوذ فئة قليلة وحسب شروط تلك الفئة، الى عملية ذات شفافية عالية ويساهم فيها عدد كبير من السكان. الشفافية كفيلة بمعالجة إشكالية انعدام الثقة أعلاه (السؤال ٧). كما المشاعر السلبية المترسبة فيما يخص التهميش في صنع القرار سيتم معالجتها بصورة فعالة ومنظورة النتائج، وهو أمر ضروري لبناء الثقة. ولأن كثير من المشاكل هي في الواقع مشاكل ملموسة percieved قد لا تعكس الحقيقة، فأن الألية المقترحة ستجعل القضايا أكثر موضوعية objective. مثلا، إذا لم تتوفر كفاءات في إقليم محدد لوزارات محددة، فالمقترح سيثبت إشكالية العدالة في توفير الفرص التعليمية والبعثات الاكاديمية بصورة موضوعية وهو يضع تصور عملي لحل تلك الإشكالية كما فيها العدالة التاريخية. أما إذا ثبت خطأ ذلك الاتهام، فإن الدولة ستمضي قدماً في البناء بمشاركة الجميع.
الاستقرار السياسي يعتمد في الأساس على البرامج المدروسة وعلى العمل الجماعي الذي لا يتأثر كثيراً بابتعاد او موت افراد محددين. وربما يساهم المقترح في فرض طرق حديثة في الممارسة السياسية تنزع سلطة اتخاذ القرار من الأفراد وتضعها في أيدي مجموعة من الأفراد.

سؤال 11:
كيف يمكن التوفيق بين مبدأ التمثيل الإقليمي وبين مبدأ الكفاءة المهنية عند اختيار الوزراء؟

الرد:
هذا الأمر تم تفصيله في المقال. والفكرة باختصار هي إختيار أفراد من كل اقليم للمناصب الوزارية. أذا انتفت الكفاءة، يقوم أهل الإقليم بإختيار أكفاء من أقاليم أخر ويتم تعويضهم بسبب ظلم الدولة كوسيلة للتعويض عن الظلم التاريخي.

سؤال 12:
هل يمكن أن تتحول نسب التوزيع الإقليمي الثابتة إلى عائق إداري يحدّ من مرونة الدولة؟

الرد:
لا، إذا تم الالتزام بمعيار الكفاءة. إشكالية الثبات (افراد من اقليم محدد في مناصب محددة كما في الحالة اللبنانية) سيقود في الأرجح الى تعقيدات كبيرة. حسب المقترح لا يمكن ان يستمر اي إقليم في وزارة واحدة أكثر من دورة.

سؤال 13:
هل يقصد الدكتور أيمن أن هذا النموذج الإداري يمثل صيغة حكم دائمة أم مرحلة انتقالية بعد الحرب فقط؟

الرد:
يمكن أن يتم تحديد فارة زمنية مناسبة للعمل وفق ما جاء في المقترح. هذه الفترة الزمنية الهدف منها بناء الثقة، تغيير مفاهيم كثيرة في السياسة والمجتمع وبناء إحساس مشترك بالانتماء. الأرجح أن هناك حاجة لفترة زمنية تسمح لتطبيع هذه القيم في جيل كانل منذ الولادة. هذا يعني عمليا فترة تستمر لمدة ٢٥-٣٠ سنة.

🔹 المحور الخامس: في العدالة الجغرافية والتوازن الوطني

سؤال 14:
كيف يمكن التعامل مع التفاوت في الكفاءات بين الأقاليم دون خلق شعور بالتمييز العكسي؟

الرد:
تمت الإجابة على هذا التساؤل في معرض الرد على السؤال رقم ١٠.

سؤال 15:
هل يمكن الاستعانة مؤقتًا بخبرات من خارج الإقليم ضمن إطار مؤسسي لتأهيل كوادر محلية لاحقًا؟

الرد:
حسب المقترح يمكن ذلك ولكن بإرادة واختيار أهل الإقليم الذي يفتقد المؤهلين. هنا يمكننا استحضار تجربة اليمن عند نيل استقلالها. فهي قد إختارت سودانياً ليكون وزيرا لفترة محددة الى أن استطاعوا الحصول على كفاءة وطنية.

سؤال 16:
ما الضمانات التي يمكن أن تمنع تسييس مبدأ “التمثيل الجغرافي” وتحويله إلى أداة للنفوذ القبلي؟

الرد:
هذا السؤال يحتاج تفصيل سيناريوهات محددة في حال اختيار تطبيق المقترح. وهذه عملية ضرورية تقع ضمن تقييم المخاطر risk assessment عند اتخاذ القرار ورسم السياسات. كما أن هذا التساؤل يشير لأحد أهم اسس الديمقراطبة، ألا وهو المشورة المجتمعية، لأن السياسيين ومهما بلغوا من معرفة، ستفوت عليهم أشياء لن يعرفها الا من قد تقع عليهم التبعات السلبية للقرارات السياسية. والواقع أنه ليس ثمة سياسة يستفيد منها الجميع بنفس القدر، با ربما يتضرر البعض من أكثر السياسات جودة. في فلسفة الأخلاق، يمثل الخيار الذي يستفيد من أكبر عدد من المواطنين هو الخيار الأفضل أخلاقياً. يعرف هذا بأخلاق النبعية (consequentialism). ورجوعاً للخوف كدافع اساسي للبشر في مقاومة النغيير، يجب أن تضع سياسات تقلل وقع النتائج السلبية للسياسات.

🔹 المحور السادس: في الرؤية الوطنية الشاملة

سؤال 17:
في ظل الانقسام العسكري بين الجيش والدعم السريع، كيف يمكن تطبيق هذا المقترح عمليًا دون سلطة مركزية متفق عليها؟
الرد:
لا يمكن تطبيع المقترح في ظل حرب قائمة.

سؤال 18:
هل يمكن أن تكون هذه الرؤية نفسها مدخلًا لتشكيل سلطة انتقالية توافقية جديدة؟
الرد:
بالتأكيد، لأن الخرف مما ستؤل اليه الامور في المستقبل هو أحد دوافع الصراع واستمراريته. المقترح يعطي تصور معقول للعدالة، الشفافية، العالية التاريخية والمشاركة المجتمعية في المستقبل.

سؤال 19:
هل تعتقدون أن هذا النموذج قد يقود إلى نظام فيدرالي فعّال قائم على العدالة، أم أنه قد يعيد إنتاج المركزية بصيغة جديدة؟

الرد:
أعتقد أن الفيدرالية هي النظام الأنسب والأفضل للسودان.
لكن المقارح يتناول فقط السلطة المركزية وهذه سيكون موجودة بغض النظر عن النظام الذي يتوافق عليه السودانيون. والاواقع ان تطبيق نظام فيدرالي سيجعل من المقترح ضرورة وجودية للدولة، لان الاحساس بعدم العدالة في توزيع المناصب العليا في البلاد قد يؤدي إلى نزعات انفصالية.

سؤال 20:
وأخيرًا، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه النخب المدنية والمجتمع الدولي في دعم هذا الطرح؟ وهل المجتمع السوداني مؤهل فكريًا لتبنيه كخيار وطني جامع؟

الرد:
ليس ضرورياً أن تتبنى القوى المدنية السودانية هذا المتقرح كما فصّل، ولكنه قد يفتح الباب لطرق تفكير مغايرة لما جرت عليه الأمور الى الآن. المقترح يوضح الإشكاليات ويضع معالجة لها. إذا عملت القوى السياسية بصورة منهجية فربما تستطيع الوصول لحلول أخرى لنفس المشكلات وتكون حلولاً أكثر جودة.
لا يجب التعويل على الخارج في مساءلة البناء الوطني.

خاتمة:
تعقيدات الأزمة السودانية كثيرة. باستعمال قاعدة بريتو (Pareoto principle)، يمكننا تركيز الجهود لأجل حل المشاكل التي تتناسل منها المشاكل الأخرى. تقوم قاعدة بريتو على التعرف عي ال ٢٠٪؜ من المشاكل والتي سيؤدي حلها الحل ٨٠٪؜ من المشاكل. اذا توافق الناس على تطبيق هذه القاعدة، فسيكون أمر الاتفاق على تراتيبية المشكلات وبالتالي الحلول اقرب للتحقيق.. وفي اعتقادي المبني على تاريخ البشر، فإن حل إشكالية السلطة هو المدخل لحل كافة المشاكل.
وعلينا بالحوار والنقاش محاولة بناء أرضية مشتركة يسهل بناء وطن عليها.

aymen.b.ahmed@gmail.com

عن د. أيمن بشرى

د. أيمن بشرى

شاهد أيضاً

تصور لحل إشكالية قسمة السلطة المركزية

د. أيمن بشرى ٢٠ فبراير ٢٠٢٥ aymen.b.ahmed@gmail.com ١. المقدمة صراع البشر على السلطة ظاهرة اجتماعية …