كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
عندما تمتد سنوات أسر الفنان صفوت الجيلي في قبضة قوات الدعم السريع كل هذا الوقت المتطاول، لا يسع المرء إلا أن يقف مشدوهاً أمام معادلة لا تستقيم بأي منطق إنساني.
فهذا شابٌ امتهن الفن، تلك المهنة الرقيقة التي ليس في رسالتها سوى أن تنقل الإنسان من ثقل الأرض وهمومها إلى فضاءات تهيم فيها الأرواح عندما يستخفها الطرب، فتتحرر من طين الأبدان الذي يثقلها ويغل خطوها ويعتم رؤاها. فبالنغمة الوضيئة واللحن الشجي يجد المرهق راحته، والمحزون سلواه، وحتى المحارب نفسه لحظةً إنسانية يتذكر فيها أنه لم يُخلق للقتل وحده.
والفنانون، في أصل رسالتهم، هم رسل محبة وتسامح. وما يحملونه من رسالة جمالية يجعلهم أبعد الناس عن منطق الاصطفاف والانحياز، إذ لا يتغنون لفئة دون أخرى، إنهم يخاطبون ذلك الوجدان المشترك الذي يسكن كل إنسان في هذا الصف أو ذاك. فهم أكثر من يجسد مقولة ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
والفن في أعمق معانيه هو “تحرير”. تحريرٌ من أسر الماديات وقبضة العنت اليومي، والركض المبهم في طلب الحاجيات اللامتناهية. تحريرٌ من وقدة الضمير تلك التي تُغلق الإنسان على نفسه حتى يضيق بالآخر ذرعاً فيظلمه. فحيثما سرت النغمة الصادقة، تنقدح في العين ومضةٌ إلهية. ويتجاوب وجيب القلب فيخفق بالأمل ويتسامى. وتنحسر عن العالم غيمات الظلم لتغور خلف الحجب البعيدة.
إن احتجاز شخص يمتهن الفن ويختبر أثره، دون جريرة واضحة أو إحالة لأي جهة قضائية، هو أمرٌ يعجز المنطق عن تفسيره. وهنا تقع مسؤولية المجتمع المدني، فكاتب هذه السطور باحث أكاديمي في قضايا المجتمع المدني وهمومه، ولذلك فإن حديثه عن اتحاد المهن الموسيقية السوداني ينبع من واجب مسؤولية الحث على الفعل لا انتظار المستحيل.. ومن فهم وإدراك لطبيعة هذه الكيانات المجتمعية ومسؤولياتها الأخلاقية والتاريخية.
اتحاد المهن الموسيقية ككيان مدني لا ينظر له باعتباره مجرد إطار تنظيمي يضبط شروط العضوية ويُصدر البطاقات المهنية، ويعاقب هذا ويجمد عضوية ذاك، أو يقوم بطلاء الدار وتوضيب البيت. إنه في جوهره منظمة مجتمع مدني مستقلة، نشأت على مبدأ أن ثمة قيماً تستحق الدفاع عنها خارج دائرة السياسة والسلطة. وهذه الاستقلالية لا تعد في فلسفة المجتمع المدني كترف تنظيمي.. إنها جوهر وجوده، ومناط عمله.
فالاتحاد وبحكم تعريفه هو كيانٌ مستقل عن الدولة بطبيعة تكوينه، ومحايدٌ بحكم رسالته، ولا ينبغي له أن ينتظر أحداً ليحل قضايا أهل الفن من خارج إطاره المهني، ولا يخشى المبادرة مخافة أن يُصنَّف في خانة الموالاة أو المعارضة، في ظل الاستقطاب الحاد الذي فرضه واقع الحرب على الجميع.. إنه فوق هذا التصنيف وخارجه.
ومن هذا الموقع تحديداً يغدو واجبه اليوم أن يتواصل مع قوات الدعم السريع، ويناشدهم بإطلاق سراح صفوت الجيلي، أو إحالته إلى محكمة إن كان ثمة ما يستدعي احتجازه. وأن يقول لهم بجلاء وصوتاً مسموعاً: “نحن لسنا طرفاً في هذا الصراع… إن صراعكم مع من اختاروا النزال، فهم عساكر مثلكم تتحدثون بلغة واحدة، أما الفنانون فإنا أهل رسالة لا أهل خصومة، ويحق لنا بوصفنا كياناً مدنياً مستقلاً أن ندافع عن كل من يمتهن هذه المهنة النبيلة الرقيقة، أيّاً كان انتماؤه وأيّاً كانت الجهة التي تحتجزه”.
فإن كان صفوت مظلوماً، وجب الحديث عن رفع الظلم عنه. وما يمنح هذا الصوت قوته الحقيقية هو استقلاليته ذاتها، إذ عندما تتحدث منظمة المجتمع المدني فإنها لا تتحدث باسم حكومة أو جيش أو حزب، وإنما باسم القيم الإنسانية المجردة التي لا يملك أحد أن يُجادل في مشروعيتها.
ولا يتوقف الأمر عند صفوت وحده، ولكنه يمتد ليشمل كل مدني وجد نفسه أسيراً بلا جريرة، فهؤلاء جميعاً ليسوا رهائن حرب، هم ضحايا ظلم لا يجوز السكوت عنه.
وهنا لابد من التنويه بأن صمت منظمات المجتمع المدني عن أبنائها وانكفاءها على نفسها خشية التصنيف أو الحرج، فإنها لا تخسر فناناً واحداً فحسب، إنها تخسر المعنى القيمي لوجودها. وعندما لا يجد الفنان من يرفع صوته باسمه، فتلك هزيمة للمعنى كله الذي من أجله وُجد الفن، وتلك أعمق الهزائم طراً وأشدها وجعاً وفتكاً.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم