صلاة ميتة أم نفس مغرورة؟

بقلم الريح عبد القادر
انتشر في الأيام القليلة الماضية مقطع فيديو بعنوان “صلاة ميتة” يتحسر فيه صانعه – بارك الله فيه وله- على حالنا: نحن الذين نصلي بأجساد حاضرة وقلوب غائبة. ويرى صانع المحتوى أن صلاتنا قد أصبحت حركات جسدية سريعة بلا خشوع ولا روح. ولا شك أن الدعوة إلى إحياء الصلاة بالخشوع واستحضار القلب دعوة طيبة، فالصلاة ليست مجرد أفعال ظاهرية، وإنما هي صلة بين العبد وربه، ومناجاة يقف فيها الإنسان ضعيفاً خاضعاً بين يدي مولاه جل في علاه.
غير أن هناك جانبًا آخر لا أشد خطراً علينا من “الصلاة الميتة”، وهو اغترار النفس بالعبادة. فرب مصلٍّ يخشى أن تكون صلاته بلا روح، فيبقى قلبه منكسرًا خائفًا من التقصير، وهذا أقرب إلى السلامة من مصلٍّ أعجبته صلاته، فظن أنه قد بلغ مرتبة عالية من الخشوع والكمال.
ولا شك أنّ من الخير للعبد أن يظن بصلاته النقص، وأن يخشى عليها من الرد، وأن يشعر أنه لم يؤدِّ حق الله كما ينبغي. فهذا الشعور بالتواضع يفتح له باب التوبة والأوبة، ويدفعه إلى مزيد من الإخلاص والاجتهاد. أما الذي يعتقد أن صلاته “نابضة بالحياة”، وأنه قد أتقن الخشوع، وأحسن السجود والركوع، فإنه يقف على باب خطر عظيم قد يجعله يتردى إلى مهاوي العجب والغرور بالعبادة.

والعجب أخطر أمراض القلوبِ على القلوب، وهو داء إبليس الذي أهلكه وأهلك من تبعه، لأنه يحول العبادة من طريق إلى الله إلى وسيلة لتعظيم النفس. وقد يقع الإنسان في هذا المرض من دون أن يشعر، فينظر إلى صلاته على أنها أفضل من صلاة غيره، ويرى نفسه أقرب إلى الله من سائر الناس، وربما ازداد الأمر حتى يظن أنه من الأولياء أو أهل الخصوصية، وأن الله قد أكرمه بمنزلة لم يصل إليها غيره. وبدل أن يصمتَ وينتظر الثواب يوم الحساب، تراه يسعى إلى أن يعترف له بالناس بالعلو والتميز والتفوق في الدنيا قبل الآخرة.
وهنا يكون البلاء أعظم من مجرد التقصير في الخشوع؛ لأن التقصير مرض يمكن علاجه بالتوبة، أما الغرور فقد يحجب صاحبه عن رؤية عيوبه، فيبقى أسير وهم الكمال.
أما صاحبنا الذي يصلي ويخشى أن تكون صلاته ميتة، فإننا نطمئنه قائلين له: إنّ الصلاة لا تموت، بل هي مثل النبتة، يمكن أن يعتريها الذبول بسبب ضعف السقيا، وتبدّل الفصول، لكنها لا تلبث أن تخضر وتزهر، إنْ رجع إليها صاحبها يتعهّدها بماء الدموع وسماد الخشوع. أما النفس المغرورة فيُخشى أن تنوء بأثقال العجب والاغترار بالعبادة فتهلك.
ونافلة القول أنّ الفرق كبير بين الاثنين:
فهذا يصلي ثم يخاف أن تكون صلاته ميتة، فيستغفر الله بعدها، ويسأل القبول، ويرجو الرحمة.
وذاك يصلي ثم يشعر بالرضا عن نفسه، وربما رأى أن صلاته قد أصبحت “عملاقة”، بارتفاع قيامه، وطول ركوعه، واتساع عرض سجوده، فيخرج من صلاته وقد امتلأ قلبه إحساساً بالإحسان والاتقان، فيظن بنفسه أسوأ الظنون العِراض.
الأول أقرب إلى الله، وإن كان يرى أن صلاته عجفاء لا يرضى بها أحد؛ والثاني أبعد من الله، رغم أنه يرى أن صلاته “غَرّاءُ فَرعاءُ مَصقولٌ عَوارِضُها”؛ لأن الله ينظر إلى قلوب عباده أيهم أكثر تواضعاً فيقربه ويرفعه، وأيهما أكثر علواً واستكباره، فيقصمه.

وبلا شك، ليس المقصود من هذا الكلام أن يرضى الإنسان بصلاة بلا خشوع ولا روح، ولا أن يستسلم للغفلة؛ بل المطلوب أن يجمع بين أمرين: السعي إلى إحياء الصلاة بإتقانها، والخوف من عدم قبولها مهما بلغ من اتقانها. فالعبد الصادق يُحسن، ولا يرى نفسه محسناً، والمغرور يحسن، فيُعجب بإحسانه، فيهلك.

ولهذا فإن السؤال الأولى بالطرح ليس: هل صلاتنا ميتة أم حية؟ بل هو: هل قلوبنا متواضعة أم مغرورة؟
فرب صلاة ضعيفة يرفعها التواضع، ورب صلاة طريرة يهوي بها العجب.
وما بين “صلاة ميتة” و”نفس مغرورة”، يرسم لنا منهجُ التواضع طريقَ النجاة، وهو أن يصلي العبد، ثم يقول في نفسه:
“اللهم تقبل مني، فما عبدتك حق عبادتك، واغفر لي تقصيري في صلاتي.”
وأغلب الظن عندي أن الاستغفار المسنون ثلاثاً بعد الفراغ من الصلاة والسلام ما هو إلا لجبر ما لحق بالصلاة من تقصير.
اللهم أحيِ صلاتنا بالتواضع لك ولخلقك؛
ونعوذ بك اللهم من أن نصلي لك من أجل الخشوع والخضوع، ثم نجد أننا قد ظننا بأنفسنا الظنون المهلكة، ظنون النفوس المتورمة بالعُجب والإحساس بالتفوق على العباد.

elrayahabdelgadir@gmail.com

عن الريح عبد القادر محمد عثمان

الريح عبد القادر محمد عثمان

شاهد أيضاً

في إطار مشروع التواضع الوطني: لا لذكر الانتماء القبلي

الريح عبد القادر محمد عثمان ما اعتقد قوم قط أنهم أفضل من غيرهم إلا أذلهم …