منذ الخامس عشر من أبريل 2023 لم يكن السودان يعيش حرباً فحسب، ولكن كان يعيش عملية اختطاف كاملة. اختطافٌ نفّذه البرهان ومن حوله دون فرز (عساكر ومليشيات وفاسدون) الذين قرروا أن مستقبل البلاد يجب أن يُحسم في ميدان المعركة لا في طاولات الحوار ولا في صناديق الاقتراع ولا في مؤسسات الدولة ولا في إرادة الناس
في تلك اللحظة انقسمت البلاد إلى قسمين، قسم يرى أن الحل هو الانتصار العسكري وقسم يرى أن الانتصار الوحيد الممكن هو إنقاذ الدولة من السلاح. وفي هذا القسم تكتلت القوى المدنية فتشكّلت لاحقاً تقدّم ثم صمود كامتداد طبيعي لثورة ديسمبر وكامتداد لحلم الدولة المدنية الذي لم يمت رغم الخراب.
لم يكن موقف القوى المدنية من الحرب التي دمرت البلاد موقفاً تكتيكياً ولا محاولة للنجاة السياسية لكن كان موقفاً أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً. رفضت الحرب لأنها حربٌ بلا معنى وبلا مشروع وبلا نهاية. رفضت الحرب لأنها تعيد إنتاج كل ما ثار عليه السودانيون في ديسمبر …. الاستبداد وعسكرة السلطة والتمكين والدم.
وحين حاول البرهان أن يعيد تقديم نفسه للعالم باعتباره الجيش الوطني الذي يخوض حرباً ضد التمرد، ظلت القوى المدنية ثابتة في موقفها بأن الجيش فقد شرعيته منذ انقلابه على حكومة الثورة وأن الحرب ليست طريقاً لاستعادة تلك الشرعية وانما هي طريقاً لتوسيع الخراب. كما رفضت القوى المدنية أن تكون جزءاً من أي سلطة تنشأ تحت ظل سلطة الجيش أو سلطة المليشيا مهما كانت الظروف. رفضت صمود أن تكون غطاءً مدنياً لحكمٍ يقوم على القوة لا على القانون.
منذ اليوم الأول للحرب راهنت الحركة الإسلامية على الحرب باعتبارها أقصر الطرق للعودة إلى الحكم وراهنت على أن السودانيين سينسون ثلاثين عاماً من القمع تحت وقع المدافع. لكن القوى المدنية ظلت ثابتة في إن الذاكرة لا تُمحى بالدم وان ديسمبر لم تُدفن وإن العودة عبر الحرب ليست عودة، بل جريمة.
كان يمكن لحمدوك ورفاقه أن يركبوا قطار السلطة وأن يحصلوا على المناصب التي طال انتظارها. كان يمكنهم أن يختاروا الطريق السهل بالتحالف مع سلطة الأمر الواقع في بورتسودان أو القبول بحكومة تنشأ في مناطق سيطرة الدعم السريع.
لكنهم فعلوا العكس ورفضوا المشروع ورفضوا أن يكونوا جزءاً من أي شرعنة للسلاح.
صمود لم تكن مجرد جسم سياسي جديد لكنها كانت استعادة للمعنى: معنى أن تكون مدنياً في زمنٍ يريد فيه الجميع أن يصبحوا جنوداً في حرب اشعلت ضد ثورة ديسمبر وضد التحول المدني في السودان
وبينما كان الإسلاميون والبرهان يستخدمون كل أدوات الدولة لاستعادة الشرعية الدولية، كانت صمود تتحرك بلا وزارة خارجية وبلا سفارات وبلا دولة. ومع ذلك، وصلت إلى كل مكان: وصلت إلى أديس أبابا وجنيف وبروكسل وواشنطن ونيويورك والى الاتحاد الأفريقي وإيقاد وإلى الرباعية الدولية وكانت تحمل خطاباً واحداً لم يتغير هو ان هذه الحرب يجب أن تتوقف
وبرغم السلاح والمال والدعم الإقليمي فشل طرفا الحرب في أن يكونا الصوت الوحيد للسودان في الخارج. كانت القوى المدنية هناك تقطع الطريق على كل محاولة لتقديم الحرب كحل أو تقديم الإسلاميين كخيار أو تقديم العسكر كقدر.
وحين تبنّت الولايات المتحدة ودول الإقليم المؤثرة موقفاً يقوم على أنه لا حل عسكرياً ولا عودة للإسلاميين ولا مستقبل إلا بحكم مدني، كانت تلك لحظة انتصار للخطاب المدني الذي حملته صمود منذ اليوم الأول.
وعندما ظهرت الاتهامات باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، كان يمكن للقوى المدنية أن تصمت أو أن تخشى غضب المؤسسة العسكرية أو أن تتعامل مع الأمر كدعاية خصوم لكنها لم تفعل دفعت صمود باتجاه التحقيق الدولي وظلت تحرك الملف في اتصالاتها الخارجية حتى ظهرت الوثائق المعلومات المؤكدة والتقارير الدولية
أصبح الملف واحداً من أخطر ما يواجه سلطة الانقلاب دولياً. ليس لأن صمود صنعت القرار الأمريكي لكن لأن صمود لم تشارك في التغطية ولم تقبل الرواية الرسمية ولم تخشَ الحقيقة.
الآن من زيارة واشنطن إلى فتح قنوات مباشرة مع دوائر القرار الأمريكية والمشاركة في اجتماعات الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، تدخل القوى المدنية مرحلة جديد تقول فيها للعالم إن الحرب ليست دحر تمرد ولكن تدمير وطن وإن الحل ليس في انتصار طرف على الآخر ولكن في إنهاء الحرب وإن السودان لن يحكم بالسلاح مرة أخرى وأن ثورة ديسمبر لم تمت، بل تنتظر لحظة العودة.
نعم ليس من الإنصاف أن ننسب كل ما حدث إلى صمود وحدها ولكن سيكون ظلماً أكبر أن نمحو من الصورة سنوات من العمل الدؤوب الذي قامت به القوى المدنية ضد إعادة الإسلاميين وشرعنه الحرب وإعادة إنتاج الحكم العسكري رغم ما تعرضت له من اتهامات بالعمالة والارتزاق وبرغم ما تعرضت له من ضغوط من طرفي الحرب.
عبدالله جعفر
abdalla_gaafar@yahoo.com
