lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
ليست أبيي مجرد رقعة جغرافية متنازع عليها، ولا ساحة مفتوحة لصراعات السياسة وتقلبات المصالح الإقليمية، بل هي قبل كل شيء فضاء إنساني وثقافي عميق الجذور، تشكّل عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والأرض. ورغم الألماسي وعدم الاستقرار الذي لازم المنطقة لفترات طويلة، ظل مجتمع دينكا نقوك متمسكًا بهويته الثقافية باعتبارها خط الدفاع الأخير في وجه التفكك والاندثار. لقد عرفت أبيي النزوح، والانقسام، والقلق اليومي، لكنها لم تفقد بوصلتها الثقافية. ففي أحلك الظروف، حين تضيق مساحات الأمان، تصبح الثقافة ملاذًا جماعيًا، ولغة مشتركة تعيد بناء المعنى. ومن هذا المنطلق، لم يكن التعبير الثقافي الذي شهدته المنطقة مجرد احتفال عابر، بل فعل صمود واعٍ، ورسالة واضحة مفادها أن دينكا نقوك ما زالوا قادرين على التعبير عن أنفسهم، وعلى إعلان حضورهم الرمزي في زمن يحاول فيه العنف اختزال الإنسان في أرقام وخسائر. تحتل الثقافة في مجتمع دينكا نقوك مكانة مركزية، إذ تشكّل نظامًا متكاملًا ينظّم العلاقات الاجتماعية، ويحدد أدوار الأفراد، ويصون القيم الأخلاقية. ويُعد نظام الأجيال (Age-mate) أحد أهم ركائز هذا البناء الاجتماعي، حيث تُسمّى كل مجموعة عمرية باسم خاص يمنحها هوية مستقلة، ويُناط بها دور اجتماعي وثقافي محدد. هذا النظام لا يختصر الزمن فقط، بل يحفظ الذاكرة الجماعية ويضمن استمرارية القيم عبر الأجيال. وفي هذا السياق، جاء المهرجان الثقافي والتراثي الذي نظمته جيل مقاك مرينق أويت تحت شعار (الوحدة، إرث لا يُنسى) كتجسيد حي لهذا النظام، وكنقطة التقاء بين الماضي والحاضر. جيل مقاك مرينق، الذي تمّت تسميته عام 2017 بواسطة الأب الروحي بيونق دينق بار بيونق، لم يكتفِ بحمل الاسم، بل حمّل نفسه مسؤولية التعبير عن روح الجيل، وإعادة تقديم الثقافة بوصفها فعل حياة، لا طقسًا جامدًا. وقد شهد المهرجان مشاركة واسعة من أجيال دينكا نقوك المختلفة، وهي: جيل شير عشيرة مانيوار، جيل مقينج عشيرة أنيل، جيل كيل عشيرة أشواينق، جيل أشويل عشيرة اللي، جيل دومباي عشيرة أبيور، وجيل قول عشيرة أشاك. هذا الحضور المتعدد لم يكن مجرد تنوّع شكلي، بل عكس وحدة النسيج الاجتماعي، وقدرة الأجيال المختلفة على الاجتماع تحت مظلة ثقافية واحدة، رغم اختلاف السياقات والتجارب. ولم تتوقف حدود المهرجان عند إطار أبيي وحدها، بل اتسعت لتشمل ثلاث مجتمعات من خارج المنطقة، هي مجتمع أويل (شمال بحر الغزال)، مجتمع ولاية واراب، ومجتمع مقاطعتي أبيمنم بإدارية روينق. هذه المشاركة العابرة للحدود الإدارية أكدت أن الثقافة قادرة على كسر العزلة التي فرضتها الصراعات، وبناء فضاءات تواصل تتجاوز الانقسام السياسي والجغرافي. وقد حظي المهرجان بشعبية واسعة ومشاركة جماهيرية كبيرة، تجلت بوضوح في الإقبال الكثيف على الرقصات الشعبية والثقافية. فالرقص في ثقافة دينكا نقوك ليس مجرد أداء فني أو استعراض جسدي، بل هو لغة رمزية معقدة تحمل في طياتها دلالات تاريخية وروحية. من خلال الإيقاع والحركة، تُستعاد قصص الشجاعة، وتُستحضر العلاقة المقدسة مع الأرض والماشية، وتُعبَّر عن قيم التضامن والانتماء. وكان لافتًا أن تشارك مختلف الفئات العمرية في هذه الرقصات؛ فالشباب أدّوها بطاقة وحيوية، بينما حضر الشيوخ بذاكرتهم الثقافية العميقة، مصححين الإيقاع، ومذكّرين بالمعاني. هذا التداخل بين الأجيال منح الفعاليات بعدًا تربويًا، إذ تحولت الساحة إلى مدرسة مفتوحة تنتقل فيها الثقافة من جيل إلى آخر بالممارسة لا بالتلقين. إلى جانب الرقصات، شكّل تبادل الهدايا الرمزية أحد أبرز مظاهر المهرجان، لما يحمله من دلالات اجتماعية وثقافية عميقة. فالهدايا في ثقافة دينكا نقوك لا تُقاس بقيمتها المادية، بل بمعناها الرمزي الذي يعكس الاحترام المتبادل، وتقدير الآخر، وتجديد الروابط الاجتماعية وكانت سيدات جيل كيل عشيرة اشواينق اكثر إبداعا في الهدايا حين كسروا الروتين في الهدايا وإهداءهن عربة برميو الي ام جيل مقاك عشيرة مرينق . وقد ساهم هذا التبادل في تعزيز روح الأخوّة بين الأجيال والمجتمعات المشاركة، وفي ترسيخ مفهوم أن الثقافة قادرة على إنتاج السلام الاجتماعي حتى في ظل غياب الاستقرار السياسي. كما حمل المهرجان رسالة واضحة مفادها أن دينكا نقوك، رغم ما مرّوا به من معاناة، لم يسمحوا للظروف أن تُفرغ ثقافتهم من محتواها. فإحياء التراث في هذا التوقيت بالذات يُعد موقفًا واعيًا، يؤكد أن الهوية لا تُؤجَّل إلى ما بعد السلام، بل تُصان وتُمارس حتى في قلب الأزمة. إن تجربة أبيي الثقافية تكشف عن وعي جماعي بأهمية الثقافة بوصفها أداة مقاومة سلمية. ففي زمن تُختزل فيه المجتمعات المتأثرة بالنزاعات في صور الضحايا، يصرّ دينكا نقوك على تقديم أنفسهم كأصحاب تاريخ، ونظام اجتماعي، ورؤية للحياة. وهذا ما يمنحهم قوة رمزية تتجاوز حدود السلاح والسياسة. كما أن الحضور الرسمي والمجتمعي الواسع في المهرجان، بما في ذلك مشاركة إدارة منطقة أبيي الخاصة برئاسة نائب رئيس الإدارية العميد اروب دينق كوال، والشخصيات العامة، ومنظمات المجتمع المدني، وقطاعات الشباب والمرأة، عكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الثقافة في إعادة ترميم النسيج الاجتماعي، وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع. في المحصلة، يمكن القول إن ما حدث في أبيي لم يكن مجرد مهرجان، بل فعل تأكيد للذات الجماعية. فقد أعلنت دينكا نقوك، من خلال أجيالها المسماة، ورقصاتها، ورمزياتها، أنها ما زالت متمسكة بتراثها، وقادرة على تحويل الألم إلى تعبير ثقافي جامع. وهكذا، تصبح الثقافة في أبيي ليست فقط ذاكرة للماضي، بل أفقًا للمستقبل، وجسرًا يعبر به المجتمع نحو الاستمرارية والكرامة. إن أبيي، وهي تتكلم لغة الثقافة، تقول للعالم كله إن الهوية لا تُمحى، وإن الشعوب التي تحفظ تراثها قادرة دائمًا على النهوض، مهما اشتدّت العواصف.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم