باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 3 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

صناديقُ بلا وطنٍ أو وطنٌ بلا صناديق؟

اخر تحديث: 1 أكتوبر, 2026 10:01 مساءً
شارك

صناديقُ بلا وطنٍ أو وطنٌ بلا صناديق؟ حظوظ حزب المؤتمر السوداني في انتخابات ما بعد الحرب: رأسمالٌ مدنيٌّ ثمين في مواجهة جغرافيا مُمزَّقة، وسبيلُ تحويله إلى ثقلٍ انتخابي عبر تحالفاتٍ قائمة على الخدمات والقوائم النسبية والمصالحة مع الهامش

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

ينطلق المقال من سؤال عن حظوظ حزب المؤتمر السوداني في أول انتخابات تعقب الحرب الدائرة منذ 15 أبريل 2023، وعن سبل تحسينها. وتكمن صعوبة الجواب في أن الانتخابات في السودان لم تكن يوماً آلية مستقرة لتداول السلطة، فقد تعاقبت ديمقراطيات برلمانية قصيرة الأجل وانقلابات عسكرية طويلة، وأضافت الحرب نازحين ولاجئين بالملايين وسلطتين متنافستين وأطرافاً مسلحة تملك الأرض والسلاح والمال. وتقرأ الورقة الفرص عبر أربعة متغيرات: طبيعة التسوية التي تفتح باب الاقتراع، وجغرافيا الناخبين بعد النزوح، وموقع الحزب في خريطة التحالفات، وقدرته على ترجمة رصيده الرمزي إلى تنظيم وخدمات. وتقيّد نفسها في معلومات البرنامج بالموقع الرسمي للحزب وحده، وتستمد باقي السياق من تقارير مراكز بحثية ومنظمات دولية وصحافة متخصصة وأدبيات أكاديمية. وهي لا تقدم أرقاماً تنبؤية بنسب المقاعد لغياب بيانات اقتراعية موثوقة منذ 1986، وتقدم بدلاً منها سيناريوهات مشروطة. أما ترتيب الفصول فيسير من الخاص إلى العام ثم التطبيقي: الجذور والبرنامج، فالسياق السياسي والديموغرافي، فالتحالفات والمنافسون، فالدروس المقارنة والسيناريوهات، فالتوصيات، فالخاتمة النقدية.

يتتبع الفصل الأول جذور رأس المال الرمزي للحزب. فبحسب روايته عن نفسه، تشكلت نواته في مؤتمر الطلاب المستقلين عام 1977، وسيطر مطلع الثمانينيات على اتحادات طلاب جامعات الخرطوم والجزيرة وأم درمان الإسلامية ومعهد الكليات التكنولوجية، وهي رواية غير مستقلة التحقق لكنها تكشف الطبيعة الجامعية والمهنية والمدينية لجمهوره الأول. وبعد انتفاضة أبريل 1985 التقى هؤلاء بالقاضي عبد المجيد إمام وأسسوا في الأول من يناير 1986 حزب المؤتمر الوطني الذي صار لاحقاً المؤتمر السوداني، ولم يخض انتخابات 1986 لحداثة نشأته. ورفض الحزب لاحقاً الخيار المسلح لأحزاب التجمع الوطني الديمقراطي فاختار المعارضة من الداخل، وسُلب اسمه الأول حين اعتمدته الجبهة الإسلامية لتنظيمها الحاكم فطعن رئيسه دستورياً لاستعادته، وفي 2005 استقر على اسمه الحالي. وأثمرت هذه المسيرة سمعة نظيفة نسبياً، منها اعتقال رئيسه إبراهيم الشيخ في 8 يونيو 2014 بعد رفضه حواراً مع الحزب الحاكم، واعتقال قادته بعد انقلاب 2021. غير أن رصيده لم يُختبر في اقتراع تنافسي وطني حقيقي، فقوته مقدَّرة لا مقيسة، وهذه هي المفارقة المؤسسة للتحليل: حضور رمزي كبير وأثر انتخابي مجهول.

ويقرأ الفصل الثاني البرنامج المعلن قراءة نقدية. فالحزب يقدم نفسه مشروعاً سياسياً وفكرياً مفتوحاً يتبنى الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة القادرة على إدارة التعدد الثقافي والعرقي والديني، ويجعل الوحدة والتنمية والقومية السودانية والحداثة والتنوير أهدافه، والحرية والديمقراطية والسلام والوحدة والاستقلالية والعلمانية والعدالة الاجتماعية مبادئه، ويتبنى الاقتصاد التعاوني التنموي وعقداً اجتماعياً جديداً قائماً على حكم القانون والمواطنة. ويرى أن الدولة عجزت عن خلق انتماء عام فأنتجت قومية زائفة قائمة على الصهر الثقافي، وهو طرح يتقاطع مع أدبيات ترى في التهميش جذر الحروب السودانية. وتتمثل نقاط قوته في توافقه مع مزاج شعبي متعب من التعبئة الهوياتية، ومع اشتراط الوسطاء الإقليميين والدوليين عملية سياسية مدنية شاملة. أما مواطن الهشاشة فثلاثة: أن العلمانية قد تستثير حساسيات في مجتمع شديد التدين ويستغلها الخصوم، وأن البرنامج عام وفلسفي أكثر منه تنفيذي في الأمن الغذائي وإعادة الإعمار وإصلاح القطاع الأمني والتمويل بينما يسأل الناخب الخارج من الحرب عن الماء والدواء والراتب، وأن الاقتصاد التعاوني يحتاج إلى ترجمة عملية تقنع القطاع الخاص والمغتربين والمزارعين.

ويربط الفصل الثالث الانتخابات بمسار وقف الحرب. فقد أعلنت الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات في 12 سبتمبر 2025 خريطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية لثلاثة أشهر تتحول إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم انتقال شامل وشفاف يُنجز في تسعة أشهر لإقامة حكومة مدنية ذات شرعية واسعة. لكن المسار تعثر، إذ ترى مجموعة الأزمات الدولية أن حلفاء البرهان يعارضون الهدنة والمفاوضات، وأن الدعم السريع كان أكثر استعداداً للتفاوض لكنه رفض التنازلات الكبرى التي يشترطها الجيش. وأكدت الحكومة البريطانية أن الحل يمر بهدنة ووقف دائم لإطلاق النار وعملية سياسية مدنية جامعة. وفي الداخل تسوّق حكومة رئيس الوزراء كامل إدريس، المعيَّن في مايو 2025، مبادرتها الخاصة، بينما ترى قوى مدنية مثل صمود أنها دون الحد الأدنى وتفضل مسار الرباعية. وفي 23 مايو 2026 أقرت جماعات سياسية بينها صمود وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور الإعلان السوداني للمبادئ وخريطة طريق لإنهاء الحرب. والخلاصة أن شروط الانتخابات ستحددها التسوية السابقة عليها لا إرادة الأحزاب، وتُرسم أمام الحزب ثلاثة مشاهد افتراضية: انتخابات تديرها سلطة عسكرية بواجهة مدنية، أو انتخابات في ختام انتقال تفاوضي طويل، أو اقتراع جزئي في أقاليم منقسمة.

ويعالج الفصل الرابع العقبة الديموغرافية. فقد بلغ النزوح الداخلي ذروته في يناير 2025 بنحو 11.59 مليون شخص، ثم انخفض إلى نحو 8.8 مليون بحلول يونيو 2026 بفضل العودة بعد استعادة الجيش الخرطوم وسنار والجزيرة. وتتبعت المنظمة الدولية للهجرة 4,441,570 عائداً في 74 محلية بتسع ولايات من أصل 18، منهم 2,114,372 في الخرطوم و1,210,590 في الجزيرة، وعاد 775,741 من الخارج وشكّلت مصر 46% منهم، وتُقدَّر عودة أكثر من مليونين إضافيين إلى الخرطوم في 2026، مع تحذير من انتكاس العودة إن لم تُستثمر الخدمات وسبل العيش. وعبر أكثر من 4.5 مليون سوداني إلى مصر وجنوب السودان وتشاد. ولهذا ثلاث دلالات انتخابية: أن الكتلة الحضرية المتعلمة في العاصمة والوسط، وهي بيئة الحزب الطبيعية، ستكون أهم كتلة قابلة للتسجيل والتصويت؛ وأن دارفور وكردفان ستفتقران إلى الشروط الدنيا للاقتراع؛ وأن ملايين النازحين واللاجئين يفرضون سجلاً مرناً وتصويتاً من الخارج، فيغدو «من يحق له أن ينتخب» معركة في ذاته. ويضيف الفصل أن النظام السابق كان مختلطاً، إذ ضم مجلس 2010 نحو 450 مقعداً منها 270 دائرة جغرافية و112 لقوائم النساء و68 للقوائم النسبية الحزبية، وأن أدبيات الهندسة الانتخابية، ومنها قول دوفيرجيه إن الأغلبية البسيطة تنتج حزبين كبيرين والنسبية تسهّل التعدد، تجعل صيغة الاقتراع أهم أحياناً من أداء الحزب نفسه.

ويحدد الفصل الخامس موقع الحزب في خريطة التحالفات. فقد انضم إلى تحالف صمود الذي تشكل في فبراير 2025 بعد تفكك تقدم بقيادة عبد الله حمدوك، ويضم أيضاً حزب الأمة القومي والتحالف الوطني السوداني والبعث العربي الاشتراكي وتجمعات مهنية كلجنة الأطباء المركزية وتجمع أساتذة الجامعات ونقابة الصحفيين واللجنة الدائمة للمعلمين، وقد أعلن التحالف مساراً مستقلاً بلا انحياز لطرفي الحرب. وللموقع أثر مزدوج: فهو يمنح مظلة واسعة وشرعية دولية عبر جولة صمود الإقليمية والدولية التي تؤيد مسار الرباعية، لكنه يعرّض الحزب لغضب المؤسسة العسكرية إذ أُفيد بانزعاج البرهان من الحملة، وقد يُقرأ الحياد عند بعض الجمهور تردداً أو موقفاً غير وطني. وفي المقابل يقوم مسار موازٍ لقوى مرتبطة بالدعم السريع أعلنت تحالفاً وحكومة موازية، ويرفض الطرفان المسلحان التنازل الجوهري. وتُستخلص من ذلك أن الترتيبات الانتخابية سيتفاوض عليها أصحاب القوة، وأن الأحزاب المدنية لن تحصل على الصوت المرجِّح إلا ببناء كتلة تفاوضية موحدة، وأن التحالفات الواسعة تمنح الشرعية لكنها قد تذيب الهوية الحزبية إن لم تُدَر بحذر.

ويتناول الفصل السادس المنافسين والاقتصاد السياسي للولاء. فالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول ورثا بعد ثلاثة عقود من الهيمنة شبكات ولاء وخبرة تنظيمية داخل المؤسسات، ويعارض أعضاؤه ومسؤولون في أحزاب مؤيدة للجيش الهدنة والمحادثات، وللأحزاب الطائفية قواعد موروثة، وللإدارات الأهلية والزعامات القبلية والقوى المسلحة سلطة على الناخب لا تتيحها الأحزاب الأيديولوجية. وتعين الأدبيات على فهم الفارق: فتشاندرا ترى أن الأحزاب الإثنية تنجح حيث يقوم التوزيع الزبوني على تقدير أعداد الأتباع، وكيتشلت يبين أن الأحزاب البرنامجية تحتاج ثقة الناخب بوعود عامة وهي تضعف بعد الحروب، ودي وال يصف سياسة القرن الأفريقي بسوق سياسية تُشترى فيها الولاءات، وليفيتسكي وواي يريان أن الانتخابات في السلطوية التنافسية تجري فعلاً لكن الملعب يميل لمن يتحكم بالدولة فتلزم ضمانات مؤسسية، وسارتوري يلاحظ أن الاستقطاب الشديد يضعف الأحزاب الوسطية. والنتيجة فجوة في سوق الولاء: الحزب يقدم رأسمالاً رمزياً وبرنامجياً ومنافسوه يقدمون موارد ملموسة، ولا تُسد الفجوة إلا بتحويل الرصيد الرمزي إلى خدمة ملموسة تسبق الاقتراع.

ويقيّم الفصل السابع ذاكرة الفترة الانتقالية 2019–2021، إذ كان الحزب في قلبها. فقد أكد رئيسه عمر الدقير، القيادي في قوى الحرية والتغيير، في أغسطس 2019 التزام التحالف بموعد تشكيل الحكومة وهياكل السلطة، وحذر الحزب في أكتوبر 2019 من مخططات لإجهاض الانتقال ورأى أن انتظار نتائج نهائية من حكومة لم يمضِ على تكليفها شهر غير منطقي، ورفض في سبتمبر 2021 وصاية الجيش على القوى السياسية، ثم جاء انقلاب أكتوبر 2021 فاعتُقل قادته. وللتجربة وجهان: رصيد الوقوف مع الشارع وتحمل الثمن، وتحمل جزء من سخط ناخبين عانوا أزمة اقتصادية وإصلاحات صعبة، وهي ظاهرة مألوفة إذ تعقب لحظة الحماس خيبة أمل تستغلها القوى المضادة، ويوظف الخصوم سردية فشل المدنيين لتبرير عودة العسكر أو الإسلاميين. ويوصي الفصل بتقييم نقدي علني يفصل الإنجاز عن الإخفاق، فالاعتراف المدروس أنفع من الصمت المتعالي.

ويستخلص الفصل الثامن دروس المقارنة. فالانتخابات المبكرة بعد الحروب الأهلية مخاطرة كبرى بحسب الأدبيات: باريس يرى أن تحرير السياسة والاقتصاد السريع في بيئة ضعيفة المؤسسات قد يفجّر الصراع وأن المأسسة قبل التحرير أجدى، ومانسفيلد وسنايدر يبينان أن الديمقراطيات الناشئة ذات المؤسسات الضعيفة أميل إلى الحرب حين تسبق التعبئة الانتخابية بناء المؤسسات، وليونز يبين أن الانتخابات ترسخ السلام حين تسبقها عملية نزع عسكرة السياسة وإلا صارت تتويجاً لموازين القوة، ومانينغ يظهر في موزمبيق أن رينامو نجحت في التحول إلى حزب لأنها حافظت على قاعدتها الإقليمية والتنظيمية، ومن ثم يجني التنظيم الصلب ذو الجذور الإقليمية بعد الحرب أكثر مما تجنيه الأحزاب النخبوية المدينية. وعلى صعيد الهندسة المؤسسية يدعو ليبهارت إلى التوافقية بحكومات ائتلافية وتمثيل نسبي وحق نقض للأقليات، ويرى هورويتز أن الأحزاب الإثنية تستقطب المجتمعات وأن الحل في حوافز لأصوات عابرة للجماعات، ويقترح ريلي أنظمة تكافئ الاعتدال والتحالف مع الحذر من محاصصة ترسخ الانقسام. وتوجه هذه الدروس الحزب إلى أمرين متعارضين ظاهرياً: أن يضغط من أجل تسلسل واقعي يبدأ بوقف الحرب فإصلاح أمني فسجل انتخابي وقضاء مستقل فاقتراع، وألا يطالب بتأجيل مفتوح يفقده الشرعية ويتيح لخصومه اتهامه بالتهرب من الصناديق، فيلزمه خطاب يشترط ضمانات محددة.

ويقدم الفصل التاسع ثلاثة سيناريوهات. ففي الأول تديرها سلطة الأمر الواقع العسكرية بواجهة مدنية وتسجيل انتقائي وإقصاء للخصوم، فتضعف حظوظ الحزب جداً ويقع في معضلة المقاطعة أو المشاركة الشكلية، فإن شارك احتاج ضمانات غائبة عادة، وإن قاطع خسر منبراً، ويُرجَّح اكتفاؤه بمقاعد رمزية في العاصمة ومدن الوسط. وفي الثاني تعقب هدنة ووقف نار انتقالات تفاوضية طويلة نسبياً على غرار خريطة الرباعية، بمؤسسات انتخابية مستقلة ونظام مختلط أو نسبي، فتتحسن حظوظه كثيراً في القوائم النسبية والدوائر الحضرية ويصبح مرشحاً لكتلة معتبرة ولدور محوري في ائتلاف مدني حاكم، مع بقاء الثقل الريفي بيد الإدارات الأهلية والأحزاب التقليدية والقوى المسلحة التي تحولت إلى سياسية. وفي الثالث تُجرى انتخابات جزئية أو متدرجة بشروط متباينة في ظل سلطتين، فيحضر الحزب حضرياً في مناطق الجيش ويغيب شبه كلياً في مناطق الدعم السريع، وقد يكرس ذلك التقسيم فيلزمه رفض الاقتراع الجزئي انسجاماً مع موقفه المعلن من وحدة السودان. وتُظهر المقارنة أن الحظوظ تتحدد بمتغيرات خارجة عن إرادته، هي التسوية ونظام الاقتراع وسلامة السجل، لكن قدرته على التأثير فيها بالضغط والتحالف تبقى معتبرة.

ويطرح الفصل العاشر عشر رافعات للتحسين. أولها بناء حضور خدمي ملموس في مناطق العودة، وخاصة الخرطوم والجزيرة، عبر مبادرات صحية وتعليمية ومائية وشبكات دعم بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية وعلى أساس شفاف غير مشروط بالتصويت، لأن العائدين يواجهون صراع بقاء جديداً. وثانيها ترجمة البرنامج إلى حزم سياسات قابلة للقياس في إعادة الإعمار والأمن الغذائي وإصلاح الأمن والنقد والأجور والتمويل، مع نماذج تطبيقية للاقتصاد التعاوني كتعاونيات زراعية وإسكانية وتمويل أصغر. وثالثها إعادة صياغة الخطاب العلماني بلغة الحقوق والعدالة وحماية حرية الاعتقاد دون عدائية للقيم الدينية، وإشراك رموز دينية معتدلة. ورابعها الحضور في الأقاليم المهمشة بقيادات محلية من دارفور وكردفان والشرق والنيل الأزرق في المواقع الأولى للقوائم، عملاً بدرس الجذور الإقليمية. وخامسها الضغط من أجل نظام مختلط أو نسبي بقوائم مفتوحة أو نصف مفتوحة مع حصص للنساء والشباب، وجعله في صلب الموقف التفاوضي داخل صمود. وسادسها إدارة التحالف بقوائم ائتلافية موحدة مع الأحزاب المدنية المتقاربة في الدوائر الأغلبية للحد من تشتت الأصوات، مع الحفاظ على الهوية في القوائم النسبية وبميثاق ائتلافي معلن يحدد المقاعد وآلية حل النزاعات. وسابعها قبول عدالة انتقالية شاملة وخطاب واضح ضد الانتهاكات أياً كان مرتكبها، حفاظاً على الصورة النظيفة. وثامنها الديمقراطية الداخلية والشفافية المالية بإعلان مصادر التمويل وانتخاب الهيئات. وتاسعها اتصال سياسي ملائم لعصر النزوح بقنوات رقمية وإذاعات مجتمعية ورسائل قصيرة تصل المخيمات ودول الجوار، مع الانتباه إلى أن الجمهور الأوسع خارج الإنترنت يحتاج قنوات أخرى. وعاشرها شراكات مع النقابات المهنية ولجان المقاومة والمنظمات النسوية والحرفيين والمزارعين، استناداً إلى القاعدة المهنية داخل صمود لبناء تنظيم أفقي يتجاوز النخبة الحزبية.

ويعدّ الفصل الحادي عشر الشتات والنساء والشباب أرضاً انتخابية جديدة. فأكثر من 4.5 مليون سوداني عبروا الحدود، وعاد منهم 775,741، وبقي ما يزيد على 8.8 مليون نازح داخلياً، وهذه كتلة أكثر تعرضاً لخطاب المواطنة والحقوق، وأكثر تحرراً من سلطة الزعامات التقليدية، وأكثر ارتباطاً بالتواصل الحديث، وقد تصبح قاعدة تصويت مؤثرة إذا أُتيح لها التسجيل أو ورقة يستثمرها من يتحكم بالسجل. ويقتضي ذلك محورين: مؤسسي بالمطالبة بضمان حق النازحين واللاجئين في التسجيل والتصويت عبر التصويت في الخارج ومراكز تسجيل متنقلة ووثائق بديلة لمن فقدوا أوراقهم، وتنظيمي ببناء فروع في مصر وجنوب السودان وتشاد وغيرها تحافظ على الصلة وتنقل البرنامج وتستمع إلى المطالب. وتمثل النساء والشباب ركيزتين، إذ خُصص في النظام السابق 112 مقعداً من 450 لقوائم النساء، فتمثيلهن جزء من هندسة الاقتراع، أما الشباب ولجان المقاومة فقد اعتُقل كثير منهم بعد 2021 وهو ما يمنحهم رصيداً نضالياً، ولا يُستثمر إلا بشراكة حقيقية بمواقع مضمونة في القوائم النسبية للنساء والشباب وقادة الأحياء بدل الاستدعاء في الحملات. وثمة مخاطر: استقطاب الشتات الحاد بين مؤيدي الطرفين وانتقاله إلى داخل الحزب، وقيود قانونية في بلدان الإقامة، وشح الموارد، مما يستوجب ترتيب الأولويات بدءاً بالتجمعات الأكثر كثافة، وآليات تواصل رقمية منخفضة الكلفة، وخدمات معلومات وقانونية للاجئين.

وتخلص الخاتمة النقدية في الفصل الثاني عشر إلى أن حظوظ الحزب معلقة بثلاثة عوامل: نوع التسوية التي تفتح باب الاقتراع، ونظام الانتخاب وضماناته، وقدرة الحزب على تحويل رأسماله الرمزي إلى تنظيم وخدمات. فهو يملك سمعة جيدة نسبياً وقاعدة حضرية متعلمة ومشروعاً يتناغم مع مطالب المواطنة والسلام، لكنه يفتقر إلى الامتداد الريفي والموارد المادية وتجربة اقتراعية موثقة. وتقر الورقة بحدودها: اعتماد معلومات البرنامج على موقع رسمي دعائي بطبيعته، وغياب استطلاعات موثوقة لوزن الحزب، وسرعة تغير المعطيات الديموغرافية، وتعذر الجزم بمآلات الحرب والمفاوضات، وبنية بعض المعلومات على تقارير صحفية بمصادر مجهولة، وافتراضها أن القوى المدنية ستجد مساحة للتنافس وهو افتراض متفائل قد لا تسنده موازين القوة، مع بقاء احتمال أن تكون الأحزاب الحضرية أقل تأثيراً في اقتراع يحسمه الولاء الأهلي والمسلح. وتوصي بثلاثة أمور: بناء الموقف التفاوضي على شروط مؤسسية واضحة للاقتراع لا المطالبة بالانتقال المدني وحده، والاستثمار الآن لا لاحقاً في الخدمات والتنظيم المحلي والشتات، وجعل الاعتراف بأخطاء تجربة 2019–2021 جزءاً من الخطاب. وتختم بأن الانتخابات بعد الحرب ليست غاية في ذاتها بل لحظة إعادة تأسيس للعقد الاجتماعي، وأن الفائز هو من يقنع السودانيين بأنه يحمل تصورهم لما بعد الخراب.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: سؤال الانتخابات في بلدٍ لم يستقر فيه الاقتراع

يتناول هذا المقال سؤالاً يبدو بسيطاً في صياغته وعسيراً في جوابه: ما فرص حزب المؤتمر السوداني في أول انتخابات تعقب الحرب الدائرة منذ 15 أبريل 2023، وكيف يستطيع الحزب تحسينها؟ تنبع الصعوبة من أن الانتخابات في السودان لم تكن يوماً آلية مستقرة لتداول السلطة. فقد تعاقبت ديمقراطيات برلمانية قصيرة الأجل وانقلابات عسكرية طويلة (Woodward, 1990)، ودار السودان في ما يسميه الحزب نفسه «الدائرة الشريرة» بين ديمقراطية طائفية واستبداد عسكري وحكومات انتقالية قصيرة الأمد (حزب المؤتمر السوداني، د.ت). وبعد عام 2023 انضاف إلى هذا الإرث ما لم يعرفه السودان من قبل: ملايين النازحين واللاجئين، وسلطتان متنافستان، وأطراف مسلحة تملك الأرض والسلاح والمال.

تعتمد الورقة مقاربة تجمع بين علم الأحزاب وأدبيات الانتقال من الحرب إلى السياسة. وتقرأ الفرص انطلاقاً من أربعة متغيرات: طبيعة التسوية التي ستفتح باب الاقتراع، وجغرافيا الناخبين بعد النزوح، وموقع الحزب في خريطة التحالفات، وقدرته على ترجمة رصيده الرمزي إلى تنظيم وخدمات. أما المعلومات عن برنامج الحزب ومبادئه فمصدرها الوحيد موقعه الرسمي على الإنترنت، بحسب ما قُيِّد به هذا البحث. والمصادر الأخرى مقصورة على السياق السياسي والإنساني والمقارن، وهي تقارير مراكز بحثية ومنظمات دولية وصحافة متخصصة ومراجع أكاديمية.

ولا تقدم الورقة أرقاماً تنبؤية لنسب المقاعد. فمن الناحية المنهجية لا توجد بيانات اقتراعية موثوقة تُبنى عليها مثل هذه التقديرات، إذ لم تُجرَ في السودان منذ 1986 انتخابات تنافسية ذات مصداقية. وتقدم الورقة بدلاً من ذلك سيناريوهات مشروطة وحججاً قابلة للاختبار.

وقد رُتّبت فصول الورقة وفق أفضل ممارسات ترتيب الفصول في المقال العلمي، وهو تسلسل يسير من الخاص إلى العام ثم إلى التطبيقي: جذور الحزب وبرنامجه، فالسياق السياسي والديموغرافي، فالتحالفات والمنافسون، فالدروس المقارنة والسيناريوهات، فالتوصيات، فخاتمة نقدية تُقيّم الحدود والاحتمالات.

الفصل الأول: من مؤتمر الطلاب المستقلين إلى حزب المدن، جذور رأس المال الرمزي

لا يفهم وزن الحزب المحتمل إلا بفهم أصله. تقول أدبيات الحزب إن نواته تشكلت في «مؤتمر الطلاب المستقلين» عام 1977 بوصفه بديلاً من التنظيمات التقليدية، وإنه بلغ مطلع الثمانينيات مرحلة سيطر فيها على اتحادات طلاب جامعات الخرطوم والجزيرة وأم درمان الإسلامية ومعهد الكليات التكنولوجية (حزب المؤتمر السوداني، د.ت). وهذه رواية الحزب عن نفسه، ولا تُعامَل هنا بوصفها حقيقة مستقلة التحقق. غير أنها تكشف عن الطبيعة الاجتماعية لجمهوره الأول، وهي نخبة جامعية وشبه مهنية ومدينية تتشكل من الخريجين والنقابيين.

وبعد انتفاضة أبريل 1985 التقى هؤلاء بالقاضي عبد المجيد إمام، رئيس القضاء الأسبق، وأسسوا معاً في الأول من يناير 1986 حزب «المؤتمر الوطني» الذي صار لاحقاً «المؤتمر السوداني» (الجزيرة نت، 2011). ولم يخض الحزب انتخابات 1986 لأنه كان حديث النشأة، إذ ضمّ طلاب جامعات وخريجين ومثقفين التفّ حولهم مستقلون. ورفض لاحقاً الخيار المسلح الذي تبنته أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي في مطلع عهد البشير، فاختار المعارضة من الداخل (الجزيرة نت، 2011). وسُلب اسمه الأول حين اعتمدته الجبهة الإسلامية لتنظيمها الحاكم، فتقدم رئيسه بطعن دستوري لاستعادته (الجزيرة نت، 2014). وفي عام 2005 استقر على اسمه الحالي.

وتحمل هذه المسيرة نتيجتين متناقضتين في الحساب الانتخابي. أولاهما أن الحزب راكم رصيداً أخلاقياً وسمعة نظيفة نسبياً، إذ اعتُقل رئيسه إبراهيم الشيخ في 8 يونيو 2014 بعد رفضه حواراً مع الحزب الحاكم حول حكومة وفاق وطني (الجزيرة نت، 2014). واعتُقل بعد انقلاب 2021 قادة الحزب أنفسهم (Freedom House, 2026). والنتيجة الثانية أن هذا الرصيد لم يُختبر يوماً في اقتراع تنافسي وطني حقيقي، فبقيت قوته الفعلية مقدَّرة لا مقيسة. وهذه هي المفارقة المؤسسة لأي تحليل لحظوظه: حزب ذو حضور رمزي كبير وأثر انتخابي مجهول.

الفصل الثاني: مشروع دولة المواطنة، قراءة نقدية في البرنامج المعلن

يقدّم الحزب نفسه، في تعريفه الرسمي، مشروعاً سياسياً وفكرياً مفتوحاً يتبنى «الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة» القادرة على إدارة التعدد الثقافي والعرقي والديني. ويعدّ الوحدة والتنمية والقومية السودانية والحداثة والتنوير من أهدافه. ويضع الحرية والديمقراطية والسلام والوحدة والاستقلالية والعلمانية والعدالة الاجتماعية في صدر مبادئه، ويتبنى نظام الاقتصاد التعاوني التنموي. ويبني نظام الحكم على عقد اجتماعي جديد يقوم على حكم القانون والمواطنة حقاً أصيلاً لكل السودانيين (حزب المؤتمر السوداني، د.ت). ويرى الحزب أن الدولة السودانية عجزت تاريخياً عن خلق شعور عام بالانتماء، فأنتجت «قومية زائفة» على نموذج الصهر الثقافي، وأن هذا أحد أسباب النزاعات. وهذا الطرح يتقاطع مع ما تراه أدبيات الحروب السودانية عن التهميش الاقتصادي والسياسي جذراً للنزاعات (Johnson, 2003).

وتحمل هذه الرؤية نقاط قوة في سياق ما بعد الحرب. فالحرب كشفت فشل نموذج المركز المهيمن، ومن ثم يتوافق خطاب المواطنة والعدالة والتنمية المتوازنة مع مزاج شعبي متعب من التعبئة الهوياتية. كما أن التركيز على السلام والتحول الديمقراطي بوصفهما «المخرج الحقيقي» للأزمة يمنح الحزب لغة مقبولة عند الوسطاء الإقليميين والدوليين الذين يشترطون عملية سياسية مدنية شاملة.

ولا يخلو البرنامج من مواطن هشاشة تقتضيها الموضوعية. أولها أن مفهوم «العلمانية» بوصفه مبدأً معلناً قد يستثير حساسيات في مجتمع شديد التدين، وقد يستغله الخصوم لتصوير الحزب معادياً للدين، وهو تحدٍّ يعرفه كل حزب علماني في بيئة محافظة. وثانيها أن البرنامج المعلن عامّ وفلسفي أكثر منه تنفيذي، إذ يتحدث عن المبادئ والمرتكزات أكثر مما يتحدث عن سياسات قابلة للقياس في الأمن الغذائي وإعادة الإعمار وإصلاح القطاع الأمني وتمويل الخدمات. والناخب الخارج من الحرب يسأل عن الماء والدواء والراتب قبل أن يسأل عن الفلسفة. وثالثها أن الاقتصاد التعاوني التنموي يحتاج إلى ترجمة عملية تُقنع القطاع الخاص والمغتربين والمزارعين.

الفصل الثالث: انتخاباتٌ مشروطة بالسلام، خريطة الطريق ومساراتها المتعثرة

لن تكون الانتخابات مستقلة عن مسار وقف الحرب. فقد أعلنت الدول الأربع (الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات) في 12 سبتمبر 2025 خريطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية لثلاثة أشهر تتحول إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم عملية انتقالية شاملة وشفافة تُنجَز في تسعة أشهر لإقامة حكومة مدنية مستقلة ذات شرعية واسعة (U.S. Department of State, 2025). لكن هذا المسار تعثر، إذ ترى مجموعة الأزمات الدولية أن حلفاء البرهان الرئيسيين يعارضون بشدة الهدنة أو المفاوضات، وأن قوات الدعم السريع كانت أكثر استعداداً للتفاوض لكنها رفضت التنازلات الكبرى التي يطلبها الجيش شرطاً مسبقاً (International Crisis Group, 2026). وتؤكد الحكومة البريطانية في موقفها أمام مجلس الأمن أن الخروج من المأساة يمر عبر هدنة إنسانية ووقف دائم لإطلاق النار وعملية سياسية مدنية جامعة (House of Commons Library, 2026).

وفي الداخل ترعى الحكومة التي يرأسها رئيس الوزراء كامل إدريس، المعيَّن في مايو 2025 (Freedom House, 2026)، مبادرتها الخاصة، بينما ترى قوى مدنية مثل تحالف «صمود» أنها دون الحد الأدنى للمقترحات الجادة، وتفضل مسار الرباعية (Mada Masr, 2026). وفي 23 مايو 2026 أقرت جماعات سياسية بينها «صمود» وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور «الإعلان السوداني للمبادئ» وخريطة طريق لإنهاء الحرب (Sudan Tribune, 2026a).

والخلاصة أن الانتخابات المقبلة ستتحدد شروطها بالتسوية التي تسبقها لا بإرادة الأحزاب. وتُرسم أمام الحزب ثلاثة مشاهد افتراضية سيُفصَّل فيها القول لاحقاً: انتخابات تديرها سلطة عسكرية مدنية الواجهة، أو انتخابات في ختام انتقال تفاوضي طويل، أو اقتراع جزئي في أقاليم منقسمة. ولكل مشهد جمهوره وقواعده ومخاطره.

الفصل الرابع: ناخبٌ مبعثر وجغرافيا ممزقة، العقبة الديموغرافية

من أشد ما يواجه أي حزب في السودان بعد الحرب هو أن قاعدة الناخبين نفسها لم تعد مستقرة. فقد بلغ عدد النازحين داخلياً ذروته في يناير 2025 بـ 11,585,384 شخصاً، ثم انخفض إلى 8,805,506 بحلول يونيو 2026، بفضل ارتفاع معدلات العودة بعد استعادة الجيش الخرطوم وسنار والجزيرة (Sudan Tribune, 2026b). وتتبعت المنظمة الدولية للهجرة 4,441,570 عائداً في 74 محلية بتسع ولايات من أصل 18، وكان نصيب الخرطوم منهم 2,114,372 عائداً والجزيرة 1,210,590. وعاد 775,741 من الخارج، وشكّلت مصر 46% من العائدين عبر الحدود (Sudan Tribune, 2026b). وقدّرت المنظمة أن أكثر من مليوني شخص إضافي سيعودون إلى الخرطوم وحدها في 2026، محذرة من أن هذه العودة معرضة للانتكاس دون استثمار عاجل في الخدمات وسبل العيش (International Organization for Migration, 2026). وعبر أكثر من 4.5 مليون سوداني إلى دول الجوار، وأولها مصر وجنوب السودان وتشاد.

وللأمر ثلاث دلالات انتخابية. الأولى أن الكتلة الحضرية المتعلمة في العاصمة ووسط البلاد، وهي البيئة الطبيعية للحزب، ستكون أهم كتلة ناخبين قابلة للتسجيل والتصويت على المدى المنظور. الثانية أن الدوائر في دارفور وكردفان، حيث تتركز الصراعات والنزوح، ستفتقر إلى الشروط الدنيا للاقتراع، وقد تُترك خارج العملية أو تخضع لترتيبات خاصة. الثالثة أن ملايين اللاجئين والنازحين تفرض سجلاً انتخابياً مرناً وتصويتاً من الخارج وأماكن تسجيل بديلة، وهو ما يعني أن قضية «من يحق له أن ينتخب» ستكون معركة سياسية في حد ذاتها.

ويضاف إلى هذا أن النظام الانتخابي السابق كان مختلطاً، إذ تألف المجلس الوطني في انتخابات 2010 من 450 مقعداً، منها 270 دائرة جغرافية و112 مقعداً لقوائم النساء و68 للقوائم النسبية الحزبية (الاتحاد، 2010). وتؤكد أدبيات الهندسة الانتخابية أن الاختيار بين الأنظمة الأغلبية والنسبية أو المختلطة يحدد على نحو مباشر فرص الأحزاب الجديدة والمتوسطة (Norris, 2004)، وأن الأنظمة التي تكافئ الأحزاب العابرة للانقسامات الإثنية تخفف الاستقطاب في المجتمعات المنقسمة (Reilly, 2001). وقد ذهب دوفيرجيه (Duverger, 1954) إلى أن أنظمة الأغلبية البسيطة تميل إلى إنتاج حزبين كبيرين وأن النسبية تُسهّل تعدد الأحزاب، وهو ما يعني أن صيغة الاقتراع قد تكون أهم من أداء الحزب نفسه.

الفصل الخامس: صمود وتأسيس والجيش، موقع الحزب في خريطة التحالفات

انضم الحزب إلى «التحالف المدني الديمقراطي للقوى الثورية (صمود)» الذي تشكل في فبراير 2025 بعد تفكك «تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية (تقدم)» بقيادة عبد الله حمدوك. ويضم صمود أيضاً حزب الأمة القومي والتحالف الوطني السوداني والبعث العربي الاشتراكي وأحزاباً أخرى، ومعها تجمعات مهنية كلجنة الأطباء المركزية وتجمع أساتذة الجامعات ونقابة الصحفيين واللجنة الدائمة للمعلمين. وأعلن التحالف أن القوى الديمقراطية المدنية يجب أن تحافظ على مسار مستقل وأن تمتنع عن الانحياز إلى أي طرف في الحرب (Sudans Post, 2025).

وهذا الموقع مزدوج الأثر. فهو يعطي الحزب مظلة واسعة وشرعية دولية، إذ يقود صمود جولة إقليمية ودولية لدعم عملية سياسية تتمحور حول وقف الحرب، ويؤيد مسار الرباعية (Mada Masr, 2026). لكنه يعرّضه لغضب المؤسسة العسكرية، فقد أُفيد بأن البرهان أظهر انزعاجاً متزايداً من الحملة الدولية لصمود (Mada Masr, 2026). وقد يُستثمر ضده الحياد بين الطرفين شعبياً، إذ يُقرأ عند بعض الجمهور المؤيد للجيش حياداً «غير وطني»، ويُقرأ عند جمهور آخر تردداً في الوقوف ضد الدعم السريع.

وعلى الطرف المقابل يقوم مسار موازٍ لقوى مرتبطة بالدعم السريع أعلنت تحالفاً وحكومة موازية. ويُظهر تحليل مجموعة الأزمات أن كلا الطرفين المسلحين يرفض التنازل الجوهري في المفاوضات (International Crisis Group, 2026). وعلى الحزب أن يحسب حساب التحالفات كلها: فالانتخابات ستُجرى على الأرجح ضمن ترتيبات يتفاوض عليها من يملكون القوة، ولن يكون للأحزاب المدنية الصوت المرجِّح إلا إذا نجحت في بناء كتلة تفاوضية موحدة. والتحالفات الواسعة قد تمنح الشرعية، لكنها قد تُذيب الهوية الحزبية إن لم تُدَر بحذر، وتلك معادلة يعرفها كل حزب يدخل جبهة عريضة.

الفصل السادس: منافسون بأسلحةٍ مختلفة، الإسلاميون والطائفية والاقتصاد السياسي للولاء

يدخل الحزب الانتخابات في مواجهة فاعلين يمتلكون موارد يفتقدها. فالحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المحلول، بعد أن هيمنا على الدولة ثلاثة عقود، تركا شبكات ولاء وخبرة تنظيمية عميقة داخل المؤسسات، وتذكر مجموعة الأزمات أن أعضاء المؤتمر الوطني ومسؤولين في أحزاب مؤيدة للجيش يعارضون الهدنة والمحادثات (International Crisis Group, 2026). وللأحزاب الطائفية التقليدية قواعد اجتماعية موروثة، كما أن الإدارات الأهلية والزعامات القبلية والقوى المسلحة تمتلك سلطة على الناخب لا تتيحها الأحزاب الأيديولوجية.

وتساعد أدبيات الاقتصاد السياسي على فهم الفارق. فتشاندرا (Chandra, 2004) ترى أن الأحزاب الإثنية تنجح حيث يقوم التوزيع الزبوني على تقدير عدد الأتباع من الجماعة، وأن الأحزاب الأيديولوجية تعاني في بيئات يقوم فيها الصوت على مقايضة الخدمات بالولاء. ويوضح كيتشلت (Kitschelt, 2007) أن الأحزاب البرنامجية تحتاج إلى ناخبين يثقون بقدرتها على الوفاء بوعود عامة، وهو ما يضعف بعد الحروب حين تنهار المؤسسات. ويصف دي وال (de Waal, 2015) سياسة القرن الأفريقي بأنها «سوق سياسية» تُشترى فيها الولاءات، وتصبح الانتخابات فيها حلقة في مساومات النخب وليست تنافساً برامجياً. وتضيف دراسة ليفيتسكي وواي (Levitsky & Way, 2010) أن الانتخابات في الأنظمة التنافسية السلطوية تُجرى فعلاً لكن ميدان اللعب يميل لصالح الحزب المتحكم بالدولة، مما يعني أن الحزب المعارض يحتاج إلى ضمانات مؤسسية لا إلى شعبية فقط. وقد وصف سارتوري (Sartori, 1976) أنظمة الأحزاب بحسب درجة الاستقطاب، وأشار إلى أن الاستقطاب الشديد يُضعف الأحزاب الوسطية.

والنتيجة أن الحزب يواجه فجوة في «سوق الولاء»: ما يقدمه هو رأسمال رمزي وبرنامجي، وما يقدمه منافسوه موارد ملموسة. ولتجاوز هذه الفجوة لا بد من أن يتحول رصيده الرمزي إلى خدمة ملموسة تُقدَّم قبل الاقتراع لا بعده.

الفصل السابع: ذاكرة الفترة الانتقالية، حساب الربح والخسارة

كان الحزب في قلب تجربة 2019–2021. فقد كان رئيسه عمر الدقير قيادياً بارزاً في قوى الحرية والتغيير، وأكد في أغسطس 2019 التزام التحالف بموعد تشكيل الحكومة وهياكل السلطة (الحسيني، 2019). وحذر الحزب في أكتوبر 2019 من مخططات لإجهاض الفترة الانتقالية، معتبراً أن من غير المنطقي انتظار نتائج نهائية من حكومة لم يمضِ على تكليفها شهر (الاتحاد، 2019). وفي سبتمبر 2021 رفض ما وصفه بـ«وصاية الجيش على القوى السياسية» (الاتحاد، 2021). ثم جاء انقلاب أكتوبر 2021 فاعتُقل قادة الحزب (Freedom House, 2026).

وللتجربة وجهان في الحساب الانتخابي. فمن جهة، يستطيع الحزب أن يدّعي أنه كان في صف الشارع ضد الانقلاب وأنه دفع ثمن ذلك. ومن جهة أخرى، فإن أي حزب شارك في حكومة انتقالية عانت أزمة اقتصادية وإصلاحات صعبة يتحمل جزءاً من سخط الناخبين، وهذه ظاهرة معروفة في الانتقالات الديمقراطية، إذ تعقب لحظة الحماس مرحلة خيبة أمل تستغلها القوى المضادة (Huntington, 1991). كما أن الخصوم يستثمرون عادة سردية «فشل المدنيين» لتبرير عودة العسكر أو الإسلاميين. وعلى الحزب أن يقدم تقييماً نقدياً علنياً لتلك المرحلة يفصل بين ما أنجزه وما أخفق فيه، فالاعتراف المدروس بالأخطاء أنفع انتخابياً من الصمت المتعالي.

الفصل الثامن: دروس المقارنة، ماذا تقول تجارب ما بعد الحروب الأهلية؟

تجمع أدبيات بناء السلام على أن الانتخابات المبكرة بعد الحروب الأهلية مخاطرة كبرى. فقد جادل باريس (Paris, 2004) بأن تحرير السياسة والاقتصاد بسرعة في بيئة ضعيفة المؤسسات قد يفجّر الصراع من جديد، وبأن «المأسسة قبل التحرير» أجدى. وأوضح مانسفيلد وسنايدر (Mansfield & Snyder, 2005) أن الديمقراطيات الناشئة ذات المؤسسات الضعيفة أميل إلى الحروب حين تسبق التعبئة الانتخابية بناء المؤسسات. أما ليونز (Lyons, 2005) فبيّن أن الانتخابات تنجح في ترسيخ السلام حين تسبقها عملية نزع عسكرة السياسة وتحويل الفصائل المسلحة إلى أحزاب، وأن غيابها يجعل الاقتراع مجرد تتويج لموازين القوى العسكرية. وتُظهر دراسة مانينغ (Manning, 2002) عن موزمبيق أن حركة مسلحة (رينامو) نجحت في التحول إلى حزب، لكن في بيئة حافظت فيها على قاعدتها الإقليمية والتنظيمية، وهذا درس مفاده أن القوى ذات الجذور الإقليمية والتنظيم الصلب تجني مكاسب انتخابية بعد الحرب أكثر من الأحزاب النخبوية المدينية.

وفي مجال الهندسة المؤسسية، دعا ليبهارت (Lijphart, 1977) إلى نموذج «التوافقية» في المجتمعات المتعددة، أي حكومات ائتلافية واسعة وتمثيل نسبي وحق نقض للأقليات. في المقابل رأى هورويتز (Horowitz, 1985) أن الأحزاب الإثنية تستقطب المجتمعات وأن الحل في حوافز تجعل الأحزاب تبحث عن أصوات عابرة للجماعات. وترى الدراسات أن على الأحزاب الوطنية العابرة للانقسامات، ومنها الحزب موضوع الدراسة، أن تدعو إلى أنظمة انتخابية تكافئ الاعتدال والتحالف، وأن تحذر من صيغ محاصصة تُرسّخ الانقسام (Reilly, 2001).

وتنبه هذه الدروس الحزبَ إلى أمرين متعارضين ظاهرياً. الأول أن نجاحه يتوقف على أن تسبق الانتخابات ترتيباتٌ مؤسسية تحميها، فعليه أن يضغط من أجل تسلسل واقعي: وقف الحرب، فإصلاح أمني، فسجل انتخابي وقضاء مستقل، فاقتراع. والثاني أن المطالبة بتأجيل الانتخابات إلى ما لا نهاية قد تُفقده شرعيته، وتمنح خصومه فرصة اتهامه بالتهرب من صناديق الاقتراع. ومن ثم يحتاج إلى خطاب متوازن يشترط ضماناتٍ محددة بدل تأجيل مفتوح.

الفصل التاسع: ثلاثة سيناريوهات لحظوظ الحزب

في السيناريو الأول تُجرى الانتخابات بإدارة سلطة الأمر الواقع العسكرية، بواجهة مدنية وبتسجيل انتقائي وإقصاء للخصوم، وفق النمط الذي وصفه ليفيتسكي وواي (Levitsky & Way, 2010). وهنا تكون حظوظ الحزب ضعيفة جداً، وقد يجد نفسه أمام معضلة المقاطعة أو المشاركة الشكلية. وإذا شارك فسيحتاج إلى ضمانات لا تتوافر عادة في هذا المشهد، وإذا قاطع فقد يخسر منبراً ويترك الساحة لخصومه، ويُرجَّح أن يكتفي بمقاعد رمزية مركزة في العاصمة ومدن الوسط.

وفي السيناريو الثاني يعقب هدنة ووقف إطلاق نار انتقالٌ تفاوضي طويل نسبياً، على غرار ما ترسمه خريطة الرباعية من عملية شاملة وشفافة (U.S. Department of State, 2025)، مع مؤسسات انتخابية مستقلة ونظام انتخابي مختلط أو نسبي. وهنا تتحسن حظوظ الحزب كثيراً، خاصة في القوائم النسبية والدوائر الحضرية، ويصبح أحد الأحزاب المدنية المرشحة لكتلة معتبرة، وربما لدور محوري في ائتلاف حاكم مدني. لكن مراكز الثقل الانتخابي الريفي ستبقى في يد قوى الإدارة الأهلية والأحزاب التقليدية والقوى الجديدة المسلحة التي تحولت إلى سياسية.

وفي السيناريو الثالث تُجرى انتخابات جزئية أو متدرجة في أقاليم مختلفة، بمواعيد وشروط متباينة، في ظل سلطتين متنافستين. وهنا يكون للحزب حضور حضري في مناطق الجيش، وغياب شبه كامل في مناطق الدعم السريع حيث يصعب النشاط المدني الحر. وقد يتحول هذا إلى تكريس فعلي للتقسيم، ولذلك فإن على الحزب رفض الاقتراع الجزئي الذي يشرعن الانقسام، وفق موقفه المعلن من وحدة السودان (حزب المؤتمر السوداني، د.ت).

وتُظهر المقارنة بين المشاهد الثلاثة أن حظوظ الحزب تتحدد أساساً بمتغيرات خارجة عن إرادته، أي التسوية ونظام الاقتراع وسلامة السجل الانتخابي، لكن قدرته على التأثير في هذه المتغيرات عبر الضغط والتحالف تبقى معتبرة.

الفصل العاشر: عشر رافعات لتحسين الحظوظ، من الشعار إلى الخدمة

أولى الرافعات بناء حضور خدمي ملموس في مناطق العودة، وخاصة الخرطوم والجزيرة، عبر مبادرات صحية وتعليمية ومائية وشبكات دعم مجتمعي تنسّق مع المنظمات الإنسانية، فالمنظمة الدولية للهجرة تنبه إلى أن العائدين يواجهون «صراع بقاء جديداً» بسبب انهيار الخدمات (International Organization for Migration, 2026). وحين يصبح الحزب صاحب فضل خدمي معروف فإنه يقلص الفجوة مع الأحزاب الزبونية دون أن يتحول إلى حزب زبوني، إذ يُقدَّم العون على أساس شفاف غير مشروط بالتصويت.

والثانية ترجمة البرنامج إلى حزم سياسات قابلة للقياس: خطة لإعادة الإعمار ومعالجة الأمن الغذائي وإصلاح قطاع الأمن وسياسة النقد والأجور والتمويل، تُعرَض في وثيقة موجزة يفهمها الناخب. فالاقتصاد التعاوني التنموي الذي يتبناه الحزب (حزب المؤتمر السوداني، د.ت) يحتاج إلى نماذج تطبيقية مثل تعاونيات زراعية وإسكانية وتمويلاً أصغر.

والثالثة الانتقال من الخطاب العلماني المجرد إلى صياغة تحمي حرية الاعتقاد وتنزع الدين من الصراع الحزبي دون أن تظهر عدائية تجاه القيم الدينية. وتنجح الأحزاب في المجتمعات المحافظة حين تقدم أطروحاتها بلغة الحقوق والعدالة، لا بلغة القطيعة، وعليها أن تُشرك رموزاً دينية معتدلة في حملاتها.

والرابعة الحضور في الأقاليم المهمشة، فقد وعد الحزب بإنصاف الهامش وتنميته، والمصداقية هنا تتطلب قيادات محلية من دارفور وكردفان والشرق والنيل الأزرق في المواقع الأولى في القوائم، لا في أطراف الهيكل. ويدعم هذا الاتجاه درس مانينغ عن أهمية الجذور الإقليمية (Manning, 2002).

والخامسة إتقان لعبة الأنظمة الانتخابية بالضغط من أجل نظام مختلط أو نسبي بقوائم مفتوحة أو نصف مفتوحة، مع حصص للنساء والشباب، لأن هذه الصيغ تعزز فرص الأحزاب البرنامجية (Norris, 2004). وينبغي أن يكون ذلك في صلب موقف الحزب التفاوضي داخل صمود.

والسادسة إدارة التحالف بحكمة: قوائم ائتلافية موحدة مع الأحزاب المدنية المتقاربة في الدوائر الأغلبية لتفادي تشتت الأصوات، مع الحفاظ على هوية الحزب في القوائم النسبية. ويُنصح بميثاق ائتلافي معلن يحدد توزيع المقاعد وآلية حل النزاعات قبل الاقتراع.

والسابعة معالجة ملف الشرعية الأخلاقية عبر قبول عدالة انتقالية تشمل جميع الأطراف، مع خطاب واضح ضد الانتهاكات أياً كان مرتكبها. فالانحياز الانتقائي في ملف الجرائم يفقد الحزب أبرز ميزاته، وهي الصورة النظيفة التي وصفها في أدبياته (حزب المؤتمر السوداني، د.ت).

والثامنة الديمقراطية الداخلية والشفافية المالية، فالحزب الذي ينادي بالمساءلة عليه أن يعلن مصادر تمويله وأن ينتخب هيئاته. وفي المقابل، فإن غياب الشفافية في التمويل يُضعف أثر الخطاب الأخلاقي.

والتاسعة تصميم اتصال سياسي مناسب لعصر النزوح: قنوات رقمية وإذاعات مجتمعية ورسائل قصيرة تصل الناخب في مخيمات اللجوء ودول الجوار. ولدى الحزب صفحات رسمية على منصات التواصل يمكن توظيفها، لكن الجمهور الأوسع خارج الإنترنت يحتاج قنوات أخرى.

والعاشرة توسيع ملف الشرعية التمثيلية عبر شراكات مع النقابات المهنية ولجان المقاومة والمنظمات النسوية والحرفيين والمزارعين، فالتحالف المهني الذي يضم الأطباء والمهندسين والمعلمين والصحفيين داخل صمود (Sudans Post, 2025) قاعدة مهيأة لبناء تنظيم أفقي يتجاوز النخبة الحزبية.

الفصل الحادي عشر: أصواتٌ من الشتات وقوى من الشارع، النساء والشباب واللاجئون كأرضٍ انتخابية جديدة

تكشف أرقام النزوح واللجوء عن كتلة انتخابية لم يعرفها السودان بهذا الحجم من قبل. فقد عبر أكثر من 4.5 مليون سوداني إلى دول الجوار، وعاد 775,741 منهم إلى البلاد بحسب الإحصاء الأحدث، بينما بقي الأكثر خارج الحدود أو في مناطق النزوح الداخلي التي يقيم فيها ما يزيد على 8.8 مليون شخص (Sudan Tribune, 2026b؛ International Organization for Migration, 2026). ولهذه الكتلة خصائص سياسية مميزة. فهي أكثر تعرضاً لخطاب المواطنة والحقوق بحكم التجربة القاسية مع الحرب واللجوء، وأكثر تحرراً من سلطة الإدارات الأهلية والزعامات التقليدية التي تحكم الولاء في القرى، وأكثر ارتباطاً بوسائل التواصل الحديثة. وتشير أدبيات الانتقال إلى أن الجماعات المهجَّرة قد تتحول إلى قاعدة تصويت مؤثرة إذا أُتيح لها التسجيل والاقتراع، وقد تصبح بالمقابل ورقة يستثمرها من يتحكم بالسجل الانتخابي (Lyons, 2005).

وينبغي للحزب أن يعمل على محورين متكاملين. المحور الأول مؤسسي، ويتمثل في المطالبة بترتيبات تضمن حق النازحين واللاجئين في التسجيل والتصويت، بما يشمل التصويت في الخارج ومراكز تسجيل متنقلة ووثائق بديلة لمن فقدوا أوراقهم، لأن غياب هذا الضمان يحرم الأحزاب المدنية من أوسع قواعدها المحتملة ويترك الميدان لمن تحكمهم شبكات الولاء المحلية. وفي هذا السياق تصبح مسألة «من يحق له أن ينتخب» أهم من مسألة «لمن يصوّت»، كما ذُكر سابقاً. والمحور الثاني تنظيمي، ويقوم على بناء فروع في الشتات، في مصر وجنوب السودان وتشاد وغيرها من بلدان الاستقبال، تحافظ على صلة الحزب بهذه الجموع وتنقل إليها برنامجه وتستمع إلى مطالبها.

وتشكل النساء والشباب ركيزتين لا غنى عنهما في هذا المسعى. فقد خُصصت في النظام الانتخابي السابق 112 مقعداً من أصل 450 لقوائم النساء (الاتحاد، 2010)، وهو ما يعني أن تمثيل النساء ليس ترفاً بل جزء من هندسة الاقتراع، وأن الحزب الذي يرشح كفاءات نسائية حقيقية من الميدان يكسب في هذا الباب تميزاً. أما الشباب، فقد كانوا القوة المحركة للثورة وللمقاومة السلمية، وتعرضت لجان المقاومة والحركات المدنية لاعتقالات بعد انقلاب 2021 (Freedom House, 2026)، وهو ما يمنح هذه القوى رصيداً نضالياً يمكن للحزب أن يستثمره إذا أشركها فعلاً في قوائمه وهيئات قراره بدل الاكتفاء باستدعائها في الحملات. ويقتضي ذلك تجاوز العلاقة الاستعمالية إلى شراكة تُخصَّص فيها مواقع مضمونة في القوائم النسبية للنساء والشباب وقادة الأحياء.

وثمة خطر مقابل ينبغي التنبه له. فالشتات معرض للاستقطاب الحاد بين مؤيدي طرفي الحرب، وقد تنقل الخلافات المشحونة إلى داخل الحزب إن لم تُدَر بحكمة. كما أن أنشطة الحزب في الخارج قد تخضع لقيود قانونية في بلدان الإقامة، وقد تفتقر إلى الموارد. لذلك تقتضي الحكمة تحديد أولويات دقيقة، بدءاً بالتجمعات الأكثر كثافة، وتبني آليات تواصل رقمية منخفضة الكلفة، وتقديم خدمات معلومات وقانونية للاجئين تُقنعهم بأن الحزب معنيّ بهمومهم اليومية لا بأصواتهم فقط.

الفصل الثاني عشر: خاتمة نقدية، بين الرصيد والرهان

تقول هذه الورقة إن حظوظ حزب المؤتمر السوداني في انتخابات ما بعد الحرب معلقة بثلاثة عوامل: نوع التسوية التي تفتح باب الاقتراع، ونظام الانتخاب وضماناته، وقدرة الحزب على تحويل رأسماله الرمزي إلى تنظيم وخدمات. وأقصى ما يمكن قوله بأمانة أنه حزب يملك سمعة سياسية جيدة نسبياً وقاعدة حضرية متعلمة ومشروعاً يتناغم مع مطالب المواطنة والسلام، لكنه يفتقر، بحسب المعطيات المتاحة، إلى الامتداد الريفي والموارد المادية وتجربة اقتراعية موثقة.

وللورقة حدود ينبغي الإقرار بها. فمصدر المعلومات عن البرنامج هو الموقع الرسمي وحده، وهو مادة دعائية بطبيعتها لا تُغني عن دراسات مستقلة. ولا توجد استطلاعات رأي موثوقة تقيس وزن الحزب، والمعطيات الديموغرافية متغيرة بسرعة. وتسير الحرب والمفاوضات في اتجاهات لا يمكن الجزم بمآلاتها، وبعض ما ورد هنا عن مواقف الأطراف مصدره تقارير صحفية تعتمد على مصادر مجهولة. وقد يُنتقد التحليل من جهة أنه يفترض أن القوى المدنية ستجد مساحة للتنافس، وهو افتراض متفائل قد لا تسنده موازين القوة. ومن جهة أخرى، لا تُسقِط الورقة احتمال أن تكون الأحزاب الحضرية أقل تأثيراً في اقتراع يحسمه الولاء الأهلي والمسلح.

ومن ثم يُنصح الحزب بثلاثة أمور. أن يبني موقفه التفاوضي على شروط مؤسسية واضحة للاقتراع بدل الاكتفاء بالمطالبة بالانتقال المدني. وأن يستثمر الآن لا لاحقاً في الخدمات والتنظيم المحلي وفي الشتات. وأن يجعل من الاعتراف بأخطاء تجربة 2019–2021 جزءاً من خطابه لا مادة يستغلها خصومه. فالانتخابات بعد الحرب ليست غاية في ذاتها، وإنما هي، كما يقول مؤيدو العدالة الانتقالية، لحظة إعادة تأسيس للعقد الاجتماعي. والحزب الذي سيكسبها هو الحزب الذي يقنع السودانيين بأنه يحمل تصورهم لما بعد الخراب.

المراجع

  1. Chandra K. Why ethnic parties succeed: patronage and ethnic head counts in India. Cambridge: Cambridge University Press; 2004.
  2. de Waal A. The real politics of the Horn of Africa: money, war and the business of power. Cambridge: Polity Press; 2015.
  3. Diamond L. The spirit of democracy: the struggle to build free societies throughout the world. New York: Times Books; 2008.
  4. Duverger M. Political parties: their organization and activity in the modern state. London: Methuen; 1954.
  5. Freedom House. Freedom in the world 2026: Sudan. Washington (DC): Freedom House; 2026 [cited 2026 Sep 30].
  6. Horowitz DL. Ethnic groups in conflict. Berkeley: University of California Press; 1985.
  7. House of Commons Library. The conflict in Sudan. Research Briefing CBP-12177. London: House of Commons Library; 2026 [cited 2026 Sep 30].
  8. Huntington SP. The third wave: democratization in the late twentieth century. Norman: University of Oklahoma Press; 1991.
  9. International Crisis Group. Divided Sudan, elusive peace. Brussels: International Crisis Group; 2026 Apr 13 [cited 2026 Sep 30].
  10. International Organization for Migration. 4 million returns to Sudan at risk amid fragile conditions, IOM warns. Geneva: International Organization for Migration; 2026 Apr 21 [cited 2026 Sep 30].
  11. Johnson DH. The root causes of Sudan’s civil wars. Oxford: James Currey; 2003.
  12. Kitschelt H, Wilkinson SI, editors. Patrons, clients and policies: patterns of democratic accountability and political competition. Cambridge: Cambridge University Press; 2007.
  13. Levitsky S, Way LA. Competitive authoritarianism: hybrid regimes after the Cold War. Cambridge: Cambridge University Press; 2010.
  14. Lijphart A. Democracy in plural societies: a comparative exploration. New Haven: Yale University Press; 1977.
  15. Lyons T. Demilitarizing politics: elections on the uncertain road to peace. Boulder: Lynne Rienner; 2005.
  16. Mada Masr. Sudan Nashra: Idris promotes govt roadmap as Quad prepares humanitarian truce proposal. Cairo: Mada Masr; 2026 Feb 12 [cited 2026 Sep 30].
  17. Manning C. The politics of peace in Mozambique: post-conflict democratization, 1992–2000. Westport: Praeger; 2002.
  18. Mansfield ED, Snyder J. Electing to fight: why emerging democracies go to war. Cambridge (MA): MIT Press; 2005.
  19. Norris P. Electoral engineering: voting rules and political behavior. Cambridge: Cambridge University Press; 2004.
  20. Paris R. At war’s end: building peace after civil conflict. Cambridge: Cambridge University Press; 2004.
  21. Reilly B. Democracy in divided societies: electoral engineering for conflict management. Cambridge: Cambridge University Press; 2001.
  22. Sartori G. Parties and party systems: a framework for analysis. Cambridge: Cambridge University Press; 1976.
  23. Sudan Tribune. Sudanese political groups agree to anti-war roadmap in Nairobi talks. Sudan Tribune; 2026 May 23 [cited 2026 Sep 30].
  24. Sudan Tribune. Sudan internal displacement drops to 8.8 million as returns rise, UN says. Sudan Tribune; 2026 Jun 15 [cited 2026 Sep 30].
  25. Sudans Post. Hamdok leads new civilian coalition after Taqaddum split. Sudans Post; 2025 Feb 11 [cited 2026 Sep 30].
  26. U.S. Department of State. Joint statement on restoring peace and security in Sudan. Washington (DC): U.S. Department of State; 2025 Sep 12 [cited 2026 Sep 30].
  27. Woodward P. Sudan, 1898–1989: the unstable state. Boulder: Lynne Rienner; 1990.
  28. الاتحاد. «المؤتمر السوداني» يحذر من مخططات لإجهاض الفترة الانتقالية. أبوظبي: صحيفة الاتحاد؛ 2019 أكتوبر 8 [تاريخ الوصول: 2026 سبتمبر 30].
  29. الاتحاد. نقد يترشح لرئاسة السودان والترابي للبرلمان. أبوظبي: صحيفة الاتحاد؛ 2010 يناير 18 [تاريخ الوصول: 2026 سبتمبر 30].
  30. الاتحاد (د ب أ). رئيس حزب المؤتمر السوداني: الجيش ليس وصيا على القوى السياسية. الخرطوم: وكالة الأنباء الألمانية؛ 2021 سبتمبر 27 [تاريخ الوصول: 2026 سبتمبر 30].
  31. الجزيرة نت. حزب المؤتمر السوداني. الدوحة: شبكة الجزيرة الإعلامية؛ 2011 أبريل 15 [تاريخ الوصول: 2026 سبتمبر 30].
  32. الجزيرة نت. حزب المؤتمر السوداني. الموسوعة. الدوحة: شبكة الجزيرة الإعلامية؛ 2014 [تاريخ الوصول: 2026 سبتمبر 30].
  33. حزب المؤتمر السوداني. التعريف بالحزب. الخرطوم: حزب المؤتمر السوداني؛ د.ت. متاح في الموقع الرسمي للحزب [تاريخ الوصول: 2026 سبتمبر 30].
  34. الحسيني أ، إبراهيم س. عمر الدقير لـ«الاتحاد»: لن نؤجل تشكيل الحكومة لإلحاق «الثورية». أبوظبي: صحيفة الاتحاد؛ 2019 أغسطس 13 [تاريخ الوصول: 2026 سبتمبر 30].
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منشورات غير مصنفة
هل عاد عمار إلى الإسلاميين أم أُعيد قسرًا؟
منبر الرأي
المفكر الحاج ورّاق…والتناقض الأخلاقي لانتقائية ضياء الدين بلال!!
بيانات
اعتقالات وهجمة اعلامية مسعورة علي قيادة وكوادر{حركة تغيير السودان}
منبر الرأي
عبير على درب القوافل من الخرطوم إلى ولاته .. بقلم: إبراهيم الدلال
منبر الرأي
انتبهوا أيها الثوار: مصر تقف ضد الثورة! .. بقلم: بدر موسى

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

مخاطر في ساحات الثورة (1) .. بقلم: محمد عتيق

طارق الجزولي
منبر الرأي

ماذا يأمل السودانيون من حقيبة السيسي؟! .. بقلم: د. محمد عبد الحميد/أستاذ الجامعي

محمد عبد الحميد
منبر الرأي

القلم ما بزيل بلم: الرويبضة الدكتورة حياة أحمد عبدالملك .. بقلم: حامد بشري

طارق الجزولي
منبر الرأي

هل تصبح الصين القوة الإقتصادية الأولى في العالم خلال العقدين القادمين؟ .. بقلم: بروفيسور عبد الرحيم محمد خبير

بروفيسور عبد الرحيم محمد خبير
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss