باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 18 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عبدالله الفكي البشير عرض كل المقالات

ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه (8-9)

اخر تحديث: 18 أغسطس, 2026 9:30 صباحًا
شارك

ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه (8-9)
كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجًا (8-9)- جزء (1-3)

بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير

نواصل في هذه الحلقة تفنيد الحكم التقريري الذي أطلقه الدكتور أمين في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، حين قال إن المفكر محمود محمد طه «لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية الإسلامية» (ص 189). وقد توقفنا في حلقات سابقة عند جوانب من هذا الحكم، وبيّنا أنه لا يصمد أمام مراجعة شاملة لأعمال محمود محمد طه، ولا أمام تتبع تصوره المتكامل لعوامل التخلف وشروط والنهوض. ونستكمل اليوم الحديث عن محور: “التنمية في فكر محمود محمد طه: تصور مبكر يربط الحرية بالتنمية الإنسانية”، وذلك من خلال التناول لكتابنا: أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية: التنمية حرية- محمود محمد طه وأمارتيا سن (مقاربة)، 2022). وقد أوضحنا في الحلقات السابقة بأننا مع ما أوردناه من أدلة وبراهين على تنفيد الحكم التقرير للدكتور أمين، أصبحنا في حاجة للانتقال: مِن “لم يشرح في أعماله عوامل التخلف” إلى سؤال القراءة واستيفاء استحقاق النقد”.

من تحرير الإنسان من الفقر إلى تحريره من الخوف والجهل والمرض

يتسع مفهوم التنمية عند سن ليشمل إزالة صور الحرمان التي تحد من قدرة الإنسان على اختيار حياته، ولذلك ارتبط مشروعه بقضايا التعليم والصحة والفقر والمشاركة السياسية. وفي السياق نفسه، نجد عند طه تصورًا واسعًا لواجب الدولة تجاه الإنسان. ومن العبارات الدالة على ذلك: “للفرد على الحكومة حق تحريره من الخوف، ومن الفقر، ومن الجهل، ومن المرض”. وهنا يظهر تقاطع لافت بين هذا التصور وما يرد عند سن، التنمية حرية تعني تحرير الإنسان من الجهل والمرض والفقر، وهو ما ورد في غلاف الترجمة العربية لكتاب سن: “مؤسسات حرة وإنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر”. ونلاحظ هنا أن تصور طه الأوسع يتأتى من تضمينه لتحرير الإنسان من الخوف.
ومرة أخرى، لا ينبغي تحويل التقاطع إلى دعوى بالتطابق؛ فالسياقان الفكريان مختلفان. لكن التشابه في تحديد الحرمان الإنساني بوصفه قضية مركزية للتنمية جدير بالدراسة، خصوصًا حين تكون صياغة طه سابقة زمنيًا على صياغة سن بعقود.

التعليم: اكتساب القدرة

يظهر التقاطع بين طه وسن كذلك في النظر إلى التعليم بوصفه وسيلة لبناء القدرة، لا مجرد نقل للمعرفة. فإذا كان سن يربط التعلم بالقدرة على تحسين الفعل والاستفادة من الخبرة والأخطاء، فإن طه يعرّف التعليم تعريفًا موجزًا وعميقًا بقوله: “بإيجاز نُعَرِّف التعليم بأنه اكتساب الحي للقدرة” (1984). وهنا تبرز أسئلة مهمة: ما المقصود بالقدرة عند كل منهما؟ وكيف تُكتسب؟ وما المجال الذي تُوظف فيه؟ وما الغاية منها؟ فالقدرة عند طه ليست مجرد مهارة إنتاجية، وإنما جزء من بناء الإنسان الحر، كما أنها تتصل بالبيئة والكون. ويكشف هذا في الوقت نفسه عن التقارب والاختلاف بين الطرحين، وتمنع المقارنة من الانزلاق إلى القول بالتطابق. وهذا ما لا يسع المجال في التفصيل فيه، ويمكن الرجوع إليه في كتاب المقاربة بين طه وسن. ويتعزز التقاطع بين طه وسن في تأكيد كليهما الصلة بين التعلم والعمل؛ يقول سن: “إننا نتعلم دروساً من الأخطاء التي نقع فيها حتى تكون حصيلة جهودنا أفضل في المرات القادمة”، بينما يقول طه: “تجئ كرامة الإنسان من كونه أقدر الأحياء على التعلم والترقي… وإنما يتعلم الإنسان من أخطائه، وتلك هي الطريقة المثلى للتعليم” (1967).
ويؤكد كلاهما الصلة الوثيقة بين المعرفة والعمل؛ إذ يقول سن: “إن التعلم عن طريق العمل حليف عظيم للمصلح العقلاني”، بينما يقول طه: “العقل هو القوة الدراكة فينا”، و”العلم معناه العمل وأي علم لا يستتبع العمل فهو علم ناقص» (1960)، ويضيف: “إن الترقي جميعه إنما هو علم، وعمل بمقتضى العلم” (1967). ويُبين هذا التقاطع عن تصور للتعليم والمعرفة يتجاوز التحصيل النظري إلى تحويل العلم إلى قدرة عملية تسهم في ترقية الإنسان وتغيير واقعه.
وتكشف هذه النصوص عن تقارب يتجاوز مفهوم التعليم بوصفه تحصيلًا للمعرفة إلى اعتباره قدرةً على الفعل والتعلم المستمر والترقي؛ فالمعرفة عند كليهما لا تكتمل بقيمتها النظرية، وإنما بقدرتها على تغيير الإنسان وتحسين فعله في الواقع. ومع ذلك، يظل مفهوم “القدرة” عند كل منهما بحاجة إلى قراءة في سياقه الفكري الخاص، وهو ما يجعل التقاطع مدخلًا للمقارنة لا دليلًا على التطابق.

الديمقراطية والتنمية

لا تنفصل التنمية، في رؤية أمارتيا سن، عن الحريات السياسية والديمقراطية؛ فالديمقراطية ليست ترفًا سياسيًا يأتي بعد تحقيق النمو الاقتصادي، وإنما هي جزء من العملية التنموية ذاتها، بما تتيحه من فرص للمشاركة والتعبير والمساءلة والتأثير في السياسات العامة. ويقول سن: “الديمقراطية هي فرص التساوي بين المواطنين من حيث هم مواطنين”. ويتقاطع هذا التصور مع رؤية محمود محمد طه، الذي ربط المساواة السياسية بالبناء الديمقراطي، فقال: “المساواة السياسية، وتسمى في المجتمع الحديث الديمقراطية، وتعني أن يكون الناس شركاء في تولّي السلطة التي تقوم على تنفيذ مطالب حياتهم اليومية” (1967).
ويربط سن غياب الديمقراطية بصورة مباشرة باللا مساواة، فيقول: “حقاً إن غياب الديمقراطية هو في حد ذاته عدم مساواة، وهو في هذه الحالة عدم مساواة في الحقوق السياسية والسلطات”. وهذا المعنى حاضر عند طه في تأكيده أن “المساواة الأساسية بين كافة الناس مظهراً من أهم مظاهر المذهب الديمقراطي” (1968). فالديمقراطية، في كلا التصورين، لا تبدأ من صناديق الاقتراع وحدها، وإنما من الاعتراف بالمساواة في القيمة والحقوق والقدرة على المشاركة في الشأن العام. ولا ينظر سن إلى الديمقراطية باعتبارها مجرد آلية إجرائية لتداول السلطة، وإنما باعتبارها بيئة تُمكّن الإنسان من ممارسة حريته وتحمل مسؤوليته. يقول: “إن إنجازات الديمقراطية لا تتوقف فقط على القواعد والإجراءات التي يتبناها ويكفلها المجتمع، بل أيضاً على طريقة استخدام المواطنين للفرص». وهو معنى يلتقي بوضوح مع قول طه: “ليست الإجراءات ولا الأجهزة الديمقراطية غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة إلى غاية وراءها.. فليست الديمقراطية أن تكون لنا هيئة تشريعية، وهيئة تنفيذية، وهيئة قضائية، وإنما جميع أولئك وسائل لتحقيق كرامة الإنسان” (1967).
ويمضي سن أبعد من النظر إلى المؤسسات الديمقراطية باعتبارها أدوات تعمل بصورة آلية لتحقيق التنمية؛ إذ يؤكد أن فاعليتها تتوقف على القيم والأولويات التي يؤمن بها الناس، وعلى قدرتهم على استثمار فرص التعبير والمشاركة. يقول سن: “ومع الإقرار بأهمية المؤسسات الديمقراطية، إلا أنه ليس بالإمكان اعتبارها أدوات تعمل آلياً من أجل التنمية والتطوير. فاستخدام المؤسسات الديمقراطية مشروط بما نؤمن به من قيم وأولويات، وباستثمارنا للفرص المتاحة للتعبير والمشاركة”. وهذا المعنى حاضر لدى طه في قوله: “إن الديمقراطية ليست أسلوب حكم فحسب، وإنما هي منهاج حياة، الفرد البشري فيه غاية، وكل ما عداه وسيلة، ولا يجد أسلوب الحكم الديمقراطي الكرامة التي يجدها عند الناس إلا من كونه أمثل أسلوب لتحقيق كرامة الإنسان» (1967). ويقول كذلك: «[الديمقراطية] نهج للحياة يعترف بكرامة الإنسان، ويحاول أن يقيم تصريف الشئون الإنسانية وفق العدل، والحق، وقبول الشعب” 1967).
تناول سن كذلك الاقتصاديات الشيوعية، مستدعيًا نقد فريدريك هايك لها في كتابه: الطريق إلى العبودية، فقال: “بهذا المعنى، فإن وصف فريدريك هايك التأنيبي للاقتصاديات الشيوعية (الطريق إلى العبودية) The Road to Serfdom كان بالفعل خطابًا مناسبًا، وإن كان قاسيًا”. ويتقاطع هذا النقد مع رؤية طه التي تربط بين النظام الاقتصادي وطبيعة النظام السياسي وقدرته على إنتاج الإنسان الحر، فيقول: “الديمقراطية وسيلة لإنجاب الأحرار من العبيد والفوضويين وهي صنو الاشتراكية ولا خير في أيهما من غير الأخرى، فإن الاشتراكية إذا طُبِقت تحت حكم دكتاتوري لا تُرَبي غير العبيد” (1964).
وتكشف المقارنة هنا عن وعي مشترك بخطر تحويل النظام الاقتصادي، أيًا كان شكله، إلى أداة لإخضاع الإنسان إذا انفصل عن الحرية والديمقراطية. غير أن طه لا يكتفي بنقد الاشتراكية تحت الحكم الدكتاتوري، بل يربط بصورة إيجابية بين الديمقراطية والاشتراكية باعتبارهما شرطين متلازمين لإنتاج الإنسان الحر.وتكشف هذه التقاطعات أن الديمقراطية، عند طه وسن، تتجاوز شكل الدولة وإجراءاتها إلى كونها شرطًا لفاعلية الإنسان وكرامته وقدرته على المشاركة في صناعة حياته ومجتمعه. ومن ثم فإن التنمية لا تُقاس فقط بما تحققه من نمو اقتصادي، وإنما كذلك بمدى ما تتيحه من حريات سياسية وفرص متكافئة وقدرة للمواطنين على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم. ومن هذه الزاوية، يصبح سؤال سن عن قدرة الحكم الاستبدادي على تحقيق التنمية الاقتصادية متصلًا بصورة مباشرة بطرح طه، الذي جعل الحرية والديمقراطية جزءًا من شروط النهوض الإنساني. كما أن كلاهما يرفض اختزال التنمية في النمو، ويربط النهوض الحقيقي ببيئة من الحرية والمساواة والمشاركة والكرامة الإنسانية.

المرأة: من الرعاية إلى الفاعلية

من المجالات اللافتة في المقارنة أيضًا قضية المرأة. فقد انتقل سن من الحديث عن رفاه المرأة إلى التأكيد على فعالية المرأة وقدرتها على المشاركة في التغيير الاجتماعي، وعلى أهمية استقلالها الاقتصادي ومساهمتها في الإنتاج. أما طه، فقد تناول قضية المرأة بصورة تتجاوز النظر إليها بوصفها مجرد موضوع للحماية أو الرعاية. ومن القضايا التي تستحق التوقف عندها رؤية طه لعمل المرأة في المنزل، وانتقاده الطريقة التي يجري بها تجاهل هذا العمل في الحساب الاقتصادي والاجتماعي، ودعوته إلى إعادة النظر في تعريف الإنتاج وتقييمه. وهنا أيضًا توجد حاجة إلى التمييز بين المفهومين؛ فتصور طه لعمل المرأة في البيت ليس مطابقًا لتصور سن، ولا للمفهوم الاقتصادي السائد. ولذلك فإن المقارنة الجادة لا ينبغي أن تبحث عن التطابق فقط، وإنما عن المساحات التي يلتقي فيها المفهومان والمساحات التي يفترقان فيها. (ملاحظة: سيأتي الحديث لاحقاً عن المرأة والاستقلال الاقتصادي، وقد تعرض الدكتور أمين لذلك).

الحرية الفردية التزام اجتماعي

ومن التقاطعات المهمة كذلك النظر إلى الحرية الفردية بوصفها مرتبطة بالمجتمع. فالحرية، عند سن، ليست انفلاتًا من المسؤولية الاجتماعية، وإنما تتصل بقدرة الفرد على الفعل والمشاركة والالتزام تجاه الآخرين. وفي المقابل يؤكد طه أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن تحرير الإنسان لا يعني عزله عن المجتمع، وإنما جعله أكثر قدرة على الإسهام في تغييره وتطويره. ويقول طه: “الفرد اخترع المجتمع.. وهو إنما اخترعه ليتوسل به إلى منازل فرديته وذاتيته” (1974). ويقول سن: “الدراسة التحليلية للتنمية والتطوير المعروضة في هذا الكتاب تعالج حرية الأفراد باعتبارها لبنات البناء الأساسية… وثمة سببان متمايزان للأهمية الحاسمة للحرية الفردية في مفهوم التنمية، وكلاهما مرتبط بالتقييم والفعالية…”. ويقول طه: “الفردية هي جوهر الأمر كله، وهي التي عليها مدار التكليف، ومدار التشريف” (1966). وهنا تتقاطع التنمية مع مفهوم أوسع: بناء الإنسان القادر على الفعل، لا مجرد الإنسان الذي يحصل على منفعة اقتصادية.

اختلاف المرجعيات لا يلغي التقاطع

مع كل هذه التقاطعات، فإن الاختلاف بين طه وسن جوهري في المرجعية، كما ورد آنفاً، والغاية النهائية. انطلق سن من تخصصه في الاقتصاد والفلسفة، ومن خبرة علمية وعملية طويلة في قضايا التنمية والمؤسسات الدولية، ومن أدوات البحث العلمي الحديث. أما طه فانطلق من طرحه في الفهم الجديد للإسلام، ومرجعيته وهي القرآن في مستوى آيات الأصول (الآيات المكية)، ومن تصوره للعلاقة بين العلم التجريبي المادي والعلم التجريبي الروحي.
لقد عبَّرت المقاربة بين طه وسن، عن نوع من أنواع اللقاء بين العقول الكبيرة، حيث كشفت عن اتفاق كبير، وتشابه في الأفكار والآراء التنموية بينهما. الأمر الذي يجعلنا نقف، ونحن نعيد اكتشاف طرح طه الفكري، أمام رؤية فكرية تجاه التنمية تتسم بالعلمية والأصالة والجدة والثراء والثورية، إلى جانب المواءمة Relevance للواقع، فضلاً عن كونها تقع ضمن طرح فكري كوكبي حيوي وواعد. تَبين بأن الطرح يخاطب قضايا الواقع، ويقدم التشخيص والحلول، ويسعى إلى تحقيق التنمية وإحداث التغيير الجذري من خلال تحرير الإنسان من الخوف والجهل والفقر والمرض، وإقامة السلام على الأرض وفي القلوب والنفوس البشرية.
كما كشفت المقاربة عن اختلاف في بعض المفاهيم وغاياتها. ويظهر هذا بوضوح في تصور الغاية النهائية للحرية. فالحرية عند طه لا تنتهي عند توسيع الخيارات الدنيوية، وإنما غايتها القصوى، هي تحقيق العبودية لله. فكلما زاد العبد في التخضع لله، كما يرى طه، كلما زادت حريته. فبالعلم التجريبي لا نستطيع الرجوع إلى الله، وإنما أسرع الطرق للرجوع لله يكون عن طريق الفكر، النابت في البيئة الروحية. والفكر، كما يقول طه، أسرع من الضوء، وبالطبع أسرع من الآلة التي ينجزها العلم التجريبي. ولهذا فإن قواعد الأخلاق البشرية إذا لم ترتفع إلى هذا المستوى فترد جميعها إلى أصل واحد، الأصل الروحي، كما ردت ظواهر الكون المادي إلى أصل واحد، فإن التـواؤم بين البيئـة، وبيـن الحيـاة البشرية، سيظـل ناقصاً، وسيبـقى الاضطراب الذي يعيشه عالم اليوم مهدداً الحياة الإنسانية على هـذا الكوكب بالعجـز، والقصـور، في أول الأمر، ثم بالفناء والدثور، في آخر الأمر.
ومن هنا لا يصح وضع طه وسن في إطار نظري واحد، كما لا يصح تجاهل التقاطعات بينهما لمجرد اختلاف المرجعيات.

ماذا تقول المقارنة إذن؟

تكشف المقارنة بين محمود محمد طه وأمارتيا سن عن وجود تقارب فكري مهم في عدد من المفاهيم المركزية للتنمية: الإنسان غاية التنمية، والحرية شرط أساسي لها، والقدرات الإنسانية أهم من مجرد زيادة الدخل، والتعليم وسيلة لاكتساب القدرة، والديمقراطية مرتبطة بالتنمية، والمرأة فاعل أساسي في التغيير، والحرية الفردية متصلة بالمسؤولية الاجتماعية. وإذا كان سن قد منح هذه الأفكار صياغة حديثة ذات تأثير عالمي واسع في كتابه التنمية حرية، فإن قراءة كتابات طه تكشف أن هذه القضايا كانت حاضرة لديه منذ خمسينيات وستينيات وسبعينيات وثمانينات القرن العشرين. ومن ثم فإن السؤال المنهجي الصحيح ليس: هل كان طه يملك نظرية التنمية الحديثة كما صاغها سن؟ فهذا سؤال يقود إلى مقارنة غير عادلة بين طرحين مختلفين. وإنما السؤال هو: إلى أي مدى سبق طه إلى صياغة الأفكار والمفاهيم التي أصبحت لاحقًا مركزية في الفكر التنموي العالمي؟ وهذا سؤال مشروع ويستحق البحث التاريخي والفكري المقارن.

شهادات المتخصصين

وقد لفتت هذه المقاربة انتباه عدد من المتخصصين. فقد اطلع البروفيسور علي عبد القادر علي، أستاذ اقتصاديات التنمية، على مسودة المقاربة بين طه وسن، وقال في 23 يونيو 2021: “هذا كتاب مذهل.. أرى أن ينشر هذا الكتاب في السودان، حتى يستفيد منه الناس وحتى يستفيد منه الشباب والحاكمين، وآمل أن تقام حوله حوارات ونقاش”.
كما قال الصحافي والباحث في الاقتصاد السياسي للتنمية الدكتور خالد التجاني النور، بعد اطلاعه على الكتاب ومشاركته في ندوة بمركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية، الخرطوم، في 23 أكتوبر 2021، إن المقارنة جعلته يكتشف، للمرة الأولى، أن لدى محمود محمد طه “طرحًا لمشروع أو ركائز لمشروع وطني للتنمية”. قال الدكتور خالد:
“أنا أطلعت على كتاب أمارتيا سن من قبل: التنمية حرية، ولكن لأول مرة حقيقة اتلمس من المقاربة التي قام بها دكتور عبد الله الفكي البشير أن هناك طرح لمشروع أو ركائز لمشروع وطني للتنمية، قدمه الأستاذ محمود.. وأن الإنسان هو غاية التنمية وجوهرها، وقضية الحرية ودور المرأة ودور المجتمع وقضية الديمقراطية… إلخ”
هذا الكتاب، بهذا العمق الذي طرحه وقدمه لنا الدكتور عبد الله، جعلنا نكتشف أن لدينا قواعد ومرتكزات لمشروع وطني للتنمية، طرحه الأستاذ محمود”.
وكتب البروفيسور ديفيد فاسكيز غوزمان، أستاذ اقتصاديات التنمية والباحث الاقتصادي بجامعة مدينة خواريز المستقلة في المكسيك، مقالاً باللغة الإنجليزية، وقد تمت ترجمته ونشره باللغة العربية. كتب غوزمان، قائلاً: “بالنسبة للمتخصص في اقتصاد التنمية، فإن الكتاب التفسيري للدكتور عبد الله الفكي البشير حول مقارنة وجهات نظر السيد محمود محمد طه والبروفيسور أمارتيا كومار سن، هو قراءة منعشة تجعلنا نفكر في أساسيات علمنا في التنمية الاقتصادية”. وأضاف، قائلاً: “يدرس البشير كتابات أمارتيا سن بعمق ويربط بعضًا من تفكيره مع تفكير السيد طه، لذلك يترك أجندة مفتوحة لما يسميه بفكرة Intellectual Convergence التقارب الفكري”. أما البروفيسور جمعة رشيدي كيدوانجا، أستاذ التنمية بمعهد دراسات التنمية في جامعة دار السلام بتنزانيا، فقد كتب، قائلاً: “قدم المؤلفان مساهمة جديرة بالثناء في مجال التنمية. لكن طه ذهب إلى أبعد من ذلك” في عدد من القضايا، ومنها ربط الفهم الجديد للإسلام بالمعرفة، ودعوة الإنسان إلى اكتشاف بيئته ومعرفتها، إلى جانب “دعوة الناس ليصبح لديهم المعرفة الكاملة عن بيئتهم من خلال الاكتشاف، والإدراك بأن الله هو مصدر المعرفة”، فضلاً عن تحديد غرض التنمية في “إنتاج أفراد أحرار”.
وهذه الشهادات لا تثبت، بطبيعة الحال، صحة كل استنتاج في المقارنة، لكنها تؤكد أن الدراسة تطرح سؤالًا جادًا أمام المتخصصين: هل جرى بالفعل استبعاد جانب تنموي مهم من طرح محمود محمد طه من الدراسات السودانية والعربية، بسبب عدم قراءة كتاباته في مجموعها؟

من “لم يشرح التخلف” إلى سؤال القراءة واستيفاء استحقاق النقد

هنا نعود إلى الحكم الذي بدأنا به: قول الدكتور أمين إن محمود محمد طه “لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية الإسلامية”. إن استعراض موضوع التنمية وحده يجعل حكم الدكتور أمين بحاجة إلى مراجعة دقيقة. كما يجعلنا أمام الحاجة للقراءة والاطلاع على طرح طه، ومن ثم استيفاء استحقاق النقد. فالتنمية عند طه ليست موضوعًا عابرًا، ولا تظهر في كتاب واحد منعزل، وإنما تتوزع على تصور أوسع للإنسان والمجتمع والاقتصاد والدولة والحرية والتعليم والمرأة والديمقراطية. بل إن المقارنة مع أمارتيا سن تكشف أن بعض الأسئلة التي جعلها الفكر التنموي الحديث في صدارة اهتمامه ــ وعلى رأسها سؤال العلاقة بين الحرية والتنمية ــ كانت حاضرة في كتابات طه قبل ذلك بعقود. ولا يعني هذا أن سن استقى أفكاره من طه. وقد خاطب البروفيسور غوزمان هذا المعنى، قائلاً: “يدرس البشير كتابات أمارتيا سن بعمق ويربط بعضًا من تفكيره مع تفكير السيد طه، لذلك يترك أجندة مفتوحة لما يسميه بفكرة Intellectual Convergence التقارب الفكري”. ويكتسب مفهوم “التقارب الفكري أو لقاء العقول الكبيرة” أهميته هنا لأنه لا يفترض التطابق أو التأثر المباشر بين طه وسن، وإنما يلفت إلى وصول مفكرين، انطلاقًا من مرجعيات وسياقات مختلفة، إلى عدد من الرؤى المتقاربة حول الحرية والإنسان والتنمية. ومن ثم، فإن المقارنة تفتح مجالًا لدراسة موقع أفكار طه ضمن تاريخ الفكر التنموي. الأمر الذي يفيد، على نحو أكثر تحفظًا ودقة، أن التراث الفكري لطه يحتوي على مادة تنموية إنسانية واسعة ومتقدمة زمنيًا، تستحق أن تُقرأ وتُحلل وتقارن بجدية ضمن تاريخ الفكر التنموي. وهذا هو جوهر المسألة. فإذا كان من حق الباحث أن يختلف مع طه في مرجعياته أو منهجه أو تصوراته النهائية، فليس من حقه، في المقابل، أن ينفي عنه ما تثبته نصوصه، أو أن يصدر حكمًا تقريريًا على طرحه من دون فحص مجموع كتاباته وأحاديثه.
إن المشكلة، إذن، قد لا تكون في غياب رؤية للتنمية عند محمود محمد طه، بقدر ما قد تكون في غياب القراءة الشاملة والمنهجية لهذه الرؤية. ولعل عبارة البروفيسور علي عبد القادر تلخص المفارقة بصورة بالغة الدلالة:
“إذا كان كل دارس يمكن أن يعرف تنمية، هل من المعقول أن يكون محمود محمد طه لا يعرف تنمية؟.. محمود محمد طه يعرف بدقة وعمق وشمول، بينما نحن الذين لا نعرف”.
وهنا تتحول المسألة من الدفاع عن مفكر إلى سؤال أوسع عن مسؤولية القراءة والبحث العلمي: هل قرأنا محمود محمد طه بما يكفي قبل أن نحكم على طرحه الفهم الجديد للإسلام؟ وهل جرى وضع أفكاره، في الاقتصاد والتنمية والديمقراطية والمرأة والتعليم والحرية، ضمن سياقها التاريخي والفكري والسياسي الصحيح؟
إن إعادة اكتشاف هذا الجانب من فكره لا ينبغي أن تكون مناسبة لإحلال حكم تمجيدي محل حكم نقدي؛ وإنما لتصحيح ميزان البحث: نقرأ النصوص أولًا، نؤرخ لها، نقارنها بغيرها، نثبت وجوه الاتفاق والاختلاف، ثم نصدر الحكم. وعندها فقط يمكن أن نجيب، على أساس علمي، عن السؤال الذي يطرحه هذا المحور: هل كان محمود محمد طه غائبًا عن سؤال التنمية، أم أن بعض الكتابات عنه هي التي غابت عن فكره؟

خاتمة

تكشف هذه القراءة أن اختزال فكر محمود محمد طه، فيما يتصل بالتنمية والتخلف، في الحكم بأنه “لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية الإسلامية” لا يستقيم مع مراجعة كتاباته مراجعة واسعة ومتأنية. فقد تناول طه، منذ خمسينيات القرن العشرين، قضايا الاقتصاد والتعليم والمرأة والديمقراطية والحرية ودور الدولة والمجتمع، وربطها جميعًا بسؤال أعمق هو: كيف يتحرر الإنسان، وكيف يُبنى المجتمع الذي يتيح له أن ينمو ويحقق قدراته؟
وتكشف المقارنة مع أمارتيا سن أن عددًا من المفاهيم التي أصبحت لاحقًا محورية في الفكر التنموي الحديث، وعلى رأسها العلاقة الوثيقة بين الحرية والتنمية، والإنسان بوصفه غاية التنمية، وأهمية القدرات والتعليم والديمقراطية والفاعلية الاجتماعية للمرأة، كانت حاضرة في كتابات طه قبل عقود من صدور كتاب سن التنمية حرية. ولا تعني هذه التقاطعات تطابق الطرحين، ولا تثبت علاقة تأثير بينهما؛ لكنها تجعل من الضروري إعادة النظر في موقع طه ضمن تاريخ الفكر التنموي، وفتح الباب أمام دراسات مقارنة أكثر دقة واتساعًا. ومن ثم، فإن القضية ليست في استبدال حكم نقدي بحكم تمجيدي، ولا في إثبات أسبقية طه لمجرد الأسبقية، وإنما في تصحيح منهج القراءة نفسه. فالحكم على طرح فكري كبير مثل الفهم الجديد للإسلام، لا ينبغي أن يُبنى على غياب فكرة في نص لم يُراجع، أو على قراءة جزئية لمجموعة واسعة من الكتب والمقالات والمحاضرات. الطريق الأجدر بالبحث العلمي هو العودة إلى النصوص، وتحديد تواريخها، وفهم سياقاتها، ومقارنتها بما سبقها وما جاء بعدها، ثم التمييز بين السبق والتشابه والتأثير والتطابق. وعلى هذا الأساس، فإن أعمال المفكر محمود محمد طه في مجال التنمية لا تقدم مجرد شواهد متفرقة يمكن الاستناد إليها للرد على حكم الدكتور أمين؛ وإنما تفتح بابًا أوسع لإعادة اكتشاف جانب مهم من طرحه الفكري، جانب ظل، فيما يبدو، أقل حضورًا في الكتابات السودانية والعربية عنه من حضوره في نصوصه نفسها.
ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يحكم هذه السلسلة كلها: ليس ماذا قيل عن المفكر محمود محمد طه، وإنما ماذا قال المفكر محمود محمد طه فعلًا؟
نلتقي في الجزء الثاني (2-3) من هذه الحلقة الثامنة (8- 9) مع محور: “نحو مفهوم جديد للآخر انطلاقاً من الفهم الإنساني للإسلام: من قبول الآخر إلى محبته”

abdallaelbashir@gmail.com

Author

عبدالله الفكي البشير

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
لا يحاكمون إلا الصغار في قضية شركات الأدوية الوهمية ؟ .. بقلم: عثمان محمد حسن
منبر الرأي
أين القضية في برادو شيخ الزين!!
منبر الرأي
الأطباء وظلم ذوي القربي إلي متي؟ … بقلم: د. سيد عبد القادر قنات
الأخبار
النائب الأول: لن نُصدِّر لحوماً حية إلا للهدي فقط
منبر الرأي
مؤامرة ادعاء استخدام الثوار العنف لاجهاض الثورةً .. بقلم: عبدالغفار سعيد

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

تجاهل دور المكتبات العامة فى تنمية المجتمع السودانى … بقلم : محمود عثمان رزق

محمود عثمان رزق
منبر الرأي

من كتابات سامى سالم فى النقد الأدبى حول كتاب الاستاذ على ابوسن

أحلام إسماعيل حسن
منبر الرأي

فطانة شيخ محمد الجزولي وخبط عبد الحي يوسف .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

الحملة الشعبية السودانية لرفع العقوبات الامريكية على السودان .. بقلم: وليد معروف

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss