أيام انتخابات الديمقراطية الثالثة في السودان كنت في بواكير الطفولة، أركض مع أطفال القرية خلف عربات “البكاسي” التي كانت تروج لكل حزب.نهتف للبعض ونشتم البعض الآخر، دون أن ندرك عمق ما نفعل.
أذكر أن أحدهم حرضنا أن نقول عن أي حزب يخالفه إنهم ليسوا (بمسلمين) بحجة أنهم يريدون أن يشغلوا الشباب بالحفلات وتدخين التبغ وترك الصلاة. حتى قريبي، الذي كان حينها في المرحلة الثانوية، أخبرني أنهم كانوا يتعرضون لتحريض مشابه، بل ويرددون أن الفتيات التابعات لحزب معين حوامات ومطلوقات وكأن التدين يمكن أن يقاس بالانتماء الحزبي.
تأملت لاحقًا… بأي حق يحكم أحد على تدين الآخر وعلاقته بربه؟ومتى صار الإيمان والتقوى دليلاً على النجاح السياسي؟ ألم يرفض النبي الأعظم صل الله عليه وسلم أن يولي أبا ذر الغفاري الإمارة رغم ورعه وتقواه؟ لم يكن ذلك تشكيكًا في صلاحه، بل لأن السياسة تحتاج إلى قائد ببرنامج علمي وعملي وخطط ومحاسبة، لا إلى مظهر تعبدي فقط.
(٢)
في المرحلة الإعدادية كانت لي صديقة أسمها مريم من أقباط مصر،كنت مهووسة بدعوتها إلى الإسلام، مقتنعة أن هذه مسؤوليتي لإنقاذها من النار،كنت أستشهد بالآيات والأحاديث،وأكرر ما تعلمناه من أن (لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم).لكن لم يغرسوا فينا مفهوم حرية الاعتقاد كما جاء في قوله تعالى:فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر)ولم يذكّرونا بآية:أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.
حكوا لنا عن هجرة الحبشة، لكنهم لم يشرحوا لنا كيف أحب النجاشي الدين الجديد عبر الحوار الأخلاقي الرصين لسيدنا جعفر الطيار، حين عقد مقارنة صادقة بين حياة العرب قبل الإسلام وبعده. لم يعلمونا أن أفضل وسيلة للدعوة هي الأخلاق، وأن النبي صل الله عليه وسلم قال:إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
(٣)
عندما التحقت بالجامعة، لم يكن لي نمط محدد في ملابسي. أحيانًا البس العباءة، وأحيانًا ارتدي الفستان،وأحيانًا القميص مع البنطال.ولم أكن أنتمي إلى شلة بعينها بعد شهر تقريبًا،سألني أحدهم:إلى أي حزب تنتمين؟وحين استفسرت عن السبب قال إنه عجز عن (تصنيفي)بسبب عدم التزامي بمظهر أو جماعة محددة.
أدركت وقتها أننا ما زلنا أسرى البحث عن هوية الآخر من شكله الخارجي أو انتمائه، لا من أفكاره. فإذا قال شخص ما كلامًا، بحثنا عن تصنيفه أولًا: هل هو معنا” أم “ضدنا”؟ فإن كان معنا فهو الحق، وإن كان مخالفًا فهو الباطل.وبدل أن نقارع الفكر بالفكر، نبدأ بالبحث عن أخطائه وحياته الخاصة.
ونسينا أن سنة الله في الكون أن نختلف لنتكامل، لا لنتصارع. قال تعالى:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
كسرة:-
بأخلاقنا وإنسانيتنا سنرتقي إلى الإنسان الذي أراده الله
hibasatti77@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم