طقوس الغيبوبة

ذات مرة خاطبتُ زميلي في السكن الجامعي في المدخل باء للمبنى رقم 42 الكائن في مدينة الطلاب بصوفيا بدمايان داميانوف، الشاعر البلغاري المعروف، فلم يستطب التشبيه، بل استهجنه، ثم ذهب أبعد من ذلك إذ وجدته لدهشتي الشديدة قد قطَّب الجبين وزرَّ العينين اللتين اربد صفاؤهما وزمَّ الشفتين ثم انتفض غاضباً وكانت الجعة التي دلقها في جوفه بغير حساب قد فعلت فعلها آنئذ وسرى في أوصاله خدرها واخذت بنواصيه وتمكنت من لسانه فاثقلته:” ارجو ألاتشبهني بدمايان داميانوف فإنَّي لا أحب أن أُشبَّه بأحد من هؤلاء البيض فلست منهم. وهم أصلاً لايحبوننا كأفارقة ولايطيقون رؤيتنا إلاَّ كصورٍ تبث على شاشة التلفاز”.
ختم داميان قولته بقهقهة عالية، وبعدها استلقى على فراشه ونام.

إنه داميان، المنحدر من أصول أنغولية. متوسط القامة، أسمر اللون، دقيق الأنف، خشن شعر الراس، تدلُّ مشيته على عيب طفيف يصعب ملاحظته إلاّ لمدقق في النظر. خدم في الجندية إبان تولي الحركة الشعبية لتحرير أنغولا لزمام الحكم في بلاده. ثم أُبتعِثَ إلى هافانا في دورة عسكرية تلقى فيها تدريبات وعندما اشتد وطيس الحرب الأهليه في بلده عاد اليها وأُرسِل في الحال إلى جبهات القتال ضد متمردي يونيتا. شهد فظائع الحرب الاهلية وأُصيب في إحدى المعارك بطلق ناري نفذ عميقاً واستقر في عظمة ساقه اليمنى. تلقى اسعافاً ثم أُجريت له عملية جراحية لكن الطبيب اخبره أن من الخير له أن يُبقي الطلق الناري في مكانه وإلاَّ فانه مهدَّد بالجلوس مدى الحياة على كرسي الاعاقة. كشف لي داميان عن مكان الطلق فرأيت حفرة مخيفة غائرة العمق في لحم الساق حيث أشار باصبعه إلى موضع الطلق المدفون كذكرى مشؤومة مغروزة تخلد أيام الحرب، كقطعة من سلاح العدو اللدود قطعت إليه المسافات الملتهبة بالعداء تريد اصابته في مقتل لكنها لم تقتله بل التحمت ببدنه وصارت جزء لايتجزء من عظمة الساق ستلازمه حتى آخر الانفاس. وبما أن داميان لم يعد صالحاً للجندية بعد تلك الاصابة فقد تقرَّر إعادة تأهيله فاختار اكمال تعليمه الجامعي في أي بلد من المعسكر الاشتراكي. وهكذا منحته بلغاريا فرصة لدراسة علم النفس في جامعة صوفيا.

لست ادري بكم من الزمن سبقني داميان إلى الاقامة في ذلك المبنى، لكن المهم في الامر انني حين دخلت المسكن وجدت أن داميان قد رتبه ليكون له أنغولا بديلة ومزاراً مشرَع الباب لأبناء جلدته من الطلاب وغير الطلاب. يدخلون ويخرجون منه ليل نهار. يستيقظ داميان بعد انتصاف النهار، ثم يخرج ليعود من المتجر محملاً بأكياس الطعام والشراب والبيرة. حين يخرج داميان من المسكن فإنه لايعود إلا وبرفقته ثلة من أبناء بلده وعدد من النساء البلغاريات المشردات. الوجه الأبرز والثابت بين أصحاب داميان هو بيدرو الذي يجسد مأساة تمشي على قدمين. فهو مشرد بعد أن طردته زوجته البلغارية من بيتها فآواه داميان ريثما يجد مسكناً. جاءت ببيدرو زوجته البلغارية من بلده أنغولا حيث كانت تعمل على ايام توثقت فيها العلائق بين دول المعسكر الاشتراكي والنظام ” التقدمي” في أنغولا، لكن نشوة الحب الذي نشأ بينهما كالأعجوبة أثناء الحرب في أنغولا، كل ذلك تبخر في أجواء السلام في بلغاريا عندما استفحلت الخلافات وتضخمت حتى انتهت بالطلاق. ومن يومها صار بيدرو تائهاً بلاعنوان. يكدح سحابة يومه مؤدياً للمهام الشاقة في مجال البناء، وفي المساء يذهب منهكاً إلى مقهى صالة خريستو بوتيف في مدبنة الطلاب ليروِّح عن نفسه بين جموع من الطلاب الأفارقة طلباً للبيرة والنساء المشردات مثله.

كان داميان شديد الميل إلى معاقرة الخمر وقد بلغ في ذلك الشغف شأواً بعيداً حتى لتحسبنه قرين أنيس زكي ذلك الموظف المحبط المهمل الذي ادمن تدخين الجوزة الملغومة بالحشيش في جوف تلك العوامة الساكنة على شاطيء النهر في رواية نجيب محفوظ ثرثرة على النيل. فكل يوم عند داميان هو عيد لباخوس يقدم فيه للاله أنخاباً جدبدة. ولم يكن يعوزه المال ليحيا تلك الحياة الطليقة في ظلال الخمور. فالمال الذي أغدقته سفارة بلده عليه وعلى غيره من الطلاب في منحة شهرية كان كفيلاً باشباع كل رغباته في العيش المريح والانفاق بسخاء من لايخشى الفقر.

مكثتُ في ذاك المسكن قرابة نصف العام أصارع محاصراً بعالم داميان المحاط بالأصدقاء والنساء يؤدون جميعاً طقوس الغيبوبة لإله الخمر، عالم خانق للأنفاس، عالم الدوَّامة المخمورة في ذلك السكن الجامعي كعالم العوَّامة المربوطة على شاطيء النيل، قوامه الخمر والموسيقى الصاخبة وأطباق يعلو الدجاج المشوي فيها تلاً من الأرز وختامه الراتب جدال عنيف في آخر المساء.

عثمان محمد صالح
تلبرخ، هولندا
18.03.2026

osmanmsalih@hotmail.com

عن عثمان محمد صالح

شاهد أيضاً

شذرات من مقامي في بلاد البلغار

بئر الغنم : أثناء تصفحي لأخبار متصلة بقضايا الهجرة غير القانونية عبر الصحراء الكبرى تكرر …