همهم محتار ساخطاً: إذا كانت دول العالم الأول تعتبر الأمي هو من لا يجيد التعامل مع التكنولوجيا الحديثة ، فهذا يعني أننا شعوب تعاني من الأمية التكنولوجية! طف بمنازلنا ستكتشف أنها تعج بالكثير من الأجهزة المتعددة التي نستوردها من الغرب والشرق ، فهناك أفران كهربائية ، بوتوجازات ، ثلاجات ، عجانات، خلاطات، سحانات كهربائية في المطبخ، هناك مكيفات ، وتلفزيونات، وكمبيوترات ومسجلات في كل غرفة وهناك غسالات وشفاطات في الحمامات وأمام كل بيت أو بداخله هناك سيارات ودراجات هوائية أو بخارية ، باختصار إن وجودنا الطبيعي محاط بحشد كثيف من الأجهزة والالآت!
أما المفارقة الكبرى فهي أننا لا نعرف كيف تعمل هذه الأشياء أو كيف يتم إصلاحها إذا تعطلت ، فإذا تعرضت لأي عطل بسيط، فإننا نسارع إلى رميها في القمامة واستبدالها بطرازات أحدث إذا كنا أثرياء أو نستعين بناس صديق القادمين من الهند وبنغلاديش لاصلاحها إذا كنا محدوي الدخل! أليس من الغريب مثلاً أن يقود معظمنا سيارته دون أن يكشف غطائها الأمامي ويلقي نظرة عابرة على محركها وبطاريتها وفراملها؟ أليس من غير المفهوم أن نعجز عن تغيير إطار السيارة إذا انفجر رغم أنها مزودة بعفريتة وعجل اسبير ومفاتيح فك وربط يستطيع أي إنسان استخدامها بسهولة بالغة إذا رغب في ذلك؟ أليس من المخجل ألا نعرف كيف نستعمل طفايات الحريق القابعة في منازلنا وأماكن عملنا ولا نعرف حالات استخدام الطفايات الحمراء والسوداء رغم أن الحرائق الكربونية أو الكهربائية قد تندلع في أي لحظة؟!
تأمل محتار حال أسرته الممتدة والمباشرة فلم يلمح صورة الميكانيكي أو الفني لا في والده ولا في اعمامه ولا في أخواله ، القدوة التكنولوجية غائبة في عائلته ولهذا تتكاثر في عائلته المهن الكلامية بمختلف أشكالها ومسمياتها!
دمدم محتار متسائلاً: هل نحن مصابون بالتكنوفوبيا ؟! أم أننا نحتقر العمل اليدوي ولا نرغب في تلطيخ أيادينا النظيفة بأوساخ التكنولوجيا؟! هل هناك مخرج من هذه التبعية التكنولوجية للغرب والشرق ولو بعد مائة سنة بحيث يمكننا توطين التكنولوجيا في أدمغتنا ونفوسنا؟ لماذا لا يُكرس الاعلام لبثّ الفضول العلمي وتمجيد العمل اليدوي ونشر الثقافة الصناعية في المجتمع بشكل عام؟ لماذا لا نتبنى استراتجية توفير ألعاب الفك والتركيب للناشئة والتركيز على التعليم المهني والصناعي للشباب؟ لماذا لا نقلد صناعات الغرب والشرق بدلاً من الانهماك في تقليد الأزياء والافلام والأغاني ؟ لماذا لا نجرب الإطلاع على الكتالوجات بدلاً من الانغماس في قراءة الجرائد والمجلات؟! ألا يؤكد الواقع العملي بجلاء أن الثقافة النظرية والأدب الكلامي لم يعودا كافيين لمواجهات التحديات العملية في هذا العصر الصناعي؟! همس محتار لنفسه: حقاً نحن بحاجة ماسة إلى ثقافة ميكانيكية وأدب تكنولوجي ونحتاج بشدة إلى معرفة مماذا تتركب الأشياء؟ وكيف تعمل الأشياء؟ وكيف يمكننا إصلاح الأشياء؟ وإلا فسوف نظل مجرد مستهلكين لسلع تكنولوجية لا نعرف عن كنهها شيئا على الإطلاق!
فيصل علي سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
fsuliman1@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم