على أعتاب الدولة المدنية (1 ـ 4)
ما بعد الإسلام السياسي: نافذة للتاريخ فُتحت أخيراً
نزار عثمان السمندل
يقف السودان اليوم على مفترق طرق حاسم. لحظةٌ لا تُختزل في تبديل الأسماء على لافتات القوى السياسية وصخب العساكر، ولا في صعود فريقٍ وهبوط آخر، وإنما في الامتحان الأشد قسوة؛ امتحان القدرة على تحويل الحلم المؤجل إلى مؤسسات، وعلى نقل الدولة من هشاشة الأشخاص إلى صلابة القواعد.
في هذه العتبة الضيقة بين الخراب الماثل والبناء الممكن، يُسأل السودان سؤالَه القديم المتجدد: هل تستطيع هذي البلاد أن تخرج من سيرة الانقلابات إلى سيرة الدولة، ومن إرث الغلبة إلى تقاليد القانون؟
كل مقال من هذه السلسلة يحاول أن يضيء زاوية من هذه الرحلة: من نافذة التاريخ المفتوحة، إلى ترتيب القوى السياسية، ووضع خريطة الطريق، وانتهاءً بالمعركة التي تُحسم في وعي الناس وإعلامهم.
قرار الولايات المتحدة بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيماً إرهابياً، لا يمكن النظر إليه كإجراء سياسي عديم الأثر، ولا كحدث يمكن وضعه في خانة المناكفات الدولية. إنه تطور يحمل دلالة أعمق: نهاية مرحلة كاملة من تاريخ السودان السياسي، وبداية سؤال جديد عن شكل الدولة التي ينبغي أن تولد من رمادها.
ثلاثة عقود من حكم الإسلاميين تركت البلاد مثقلة بجروحها. اقتصاد منهك، مجتمع ممزق، ومؤسسات دولة أُنهكت بفعل التسييس والفساد والحروب.
دفع السودانيون ثمناً فادحاً لذلك المسار؛ ثورات في الشوارع، دماء في الميادين، وبلد يتعثر كلما حاول الوقوف. وحين يضيق الخناق اليوم على ذلك المشروع السياسي الذي حكم باسم الدين، فإن المسألة لا تتعلق بسقوط تيار بقدر ما تتعلق بفرصة تاريخية لولادة فكرة أخرى للدولة.
لكن سقوط الخصم، في التجارب السياسية، لا يعني بالضرورة انتصار البديل. التاريخ مليء بلحظات أُزيح فيها نظام قديم دون أن ينجح القادمون في بناء نظام جديد. والسودان نفسه هو أبرز الأمثلة على ذلك.
هنا بالتحديد تبدأ المسؤولية الثقيلة التي تقع على عاتق القوى المدنية السودانية، التي تنبغي لها أن تشدّ عودها وتلمّ شملها وتلتزم مسارها. فاللحظة التي يفتحها تضييق الخناق على الإسلام السياسي لن تتحول تلقائياً إلى ديمقراطية. هي مجرد نافذة، وما إذا كانت ستقود إلى الضوء أو إلى فوضى جديدة يعتمد على قدرة القوى المدنية على التقاط اللحظة وتحويلها إلى مشروع وطني واضح.
المطلوب اليوم ليس خطاب شماتة في خصمٍ يتراجع، بل خطاب دولة تحاول أن تولد. فالسودان الذي أنهكته الصراعات لا يحتاج إلى جولة جديدة من الانتقام السياسي بقدر ما يحتاج إلى مشروع يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والحرية، وبين الدين والسياسة. دولة تقوم على المواطنة لا الولاء، وعلى القانون لا الشعارات، وعلى المؤسسات لا الأشخاص.
هذا هو التحدي الحقيقي أمام القوى المدنية: الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع البناء. المعارضة تستطيع أن تكتفي بالنقد، أما البناء فيحتاج إلى رؤية واضحة، وإلى قدرة على جمع القوى الاجتماعية حول فكرة مشتركة للوطن. فهذا البلد الذي خرجت جماهيره في ثوراته المتعاقبة بحثاً عن الحرية والسلام والعدالة، لا يريد مجرد تغيير في الأسماء، وإنما يصرّ شعبه على إحداث تغيير في طريقة إدارة الدولة نفسها.
من هنا تبدو اللحظة الراهنة أشبه بامتحان تاريخي للقوى المدنية. فإذا استطاعت أن تقدم مشروعاً سياسياً متماسكاً، وأن تبني جبهة وطنية واسعة حوله، فقد يتحول تضييق الخناق على الإسلاميين إلى بداية حقيقية لبناء الدولة المدنية التي حلم بها السودانيون طويلاً. أما إذا ضاعت اللحظة في خلافات النخب وصراعاتها الصغيرة، فإن نافذة التاريخ قد تُغلق مرة أخرى، تاركة البلاد في دائرة الانتقالات المجهضة التي عرفها السودان مراراً.
السودان لا يحتاج اليوم إلى انتصار طرف على آخر بقدر ما يحتاج إلى انتصار فكرة: فكرة الدولة التي تتسع لجميع أبنائها، وتحمي اختلافاتهم، وتمنحهم أخيراً حق العيش في وطن جدير بالحياة. تلك هي النافذة التي فُتحت الآن. والسؤال الذي سيطرحه التاريخ لاحقاً بسيط وقاسٍ في آن واحد: من الذي يمتلك الشجاعة لعبورها؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم