عم إدريس البنا الذي عرفت

وليد محجوب – جدة
kairi.2win@gmail.com

طرقت الباب المكتوب بجوار زر الجرس الخارجي الخاص به (out of order) – وهي عبارة تعني أن “الجرس لا يعمل”، تلك إحدى “حركات” ابن دفعتي “الفاتح” أصغر أبناء الدكتور إدريس البنا. قلَّما وجدت الفاتح في البيت كلما حضرت زائراً. وربما لم أتوقف عن محاولات زيارتي له رغم غيابه في أحايين كثيرة لأنني دوماً كنت على وعد بمؤانسة دسمة ومختلفة في كل مرة مع عم إدريس. هي مزيج أدبي فريد مثل رحيق أقلام أرتوي من كؤوسه المعبأة بفنون الشعر العربي الفصيح وطلاوة الشعر الدارجي وجرس مربعات الدوبيت الشجي. سياحة أدبية تأخذني إلى فضاءات يدزونها صوت عم إدريس. ثم أغوص معه في بحور الشعر الإنقليزي الذي بدأنا نتلمس طرائقه من خلال كورسات الجامعة لأول مرة، فأضاء لي دروباً معتمة فيه. وزين جلساتي مع عم إدريس حكي مختلف عن التاريخ السياسي والاجتماعي للسودان ممزوجاً بمعرفة لا مَذْقَ فيها، تخرُج كمزج المَسَرَّةِ بالفرح.

لم أكَدْ أطرُق طرقتين على عجل حتى انفتح الباب وأضاءتني إبتسامة عم إدريس، ضحك ضحكة صغيرة معبأة بالترحاب كعادته معي وقال لي:

أدخل يا وليد، الفاتح مافي
“أنا زاتي عايزه مافي”، جذب كرسياً وضعه قرب سريره الموضوع عند جدار غرفة مكتبته من الخارج وبقربه طاولة صغيرة، عليها بعض أوراق ترقد خاشعة وقلم متحفز وكتاب يحتضن علامة فاصلة (bookmark) بين صفحاته. تذكرت أمي وهي تعاتب أختي على جمعها كُتبي المنثورة تحت المراتب وعلى طاولات تشهد على مروري بها وترتيبها كما لا اشتهي، فلكل كتاب – في تلك الفوضى العابثة – قصة في مكانه.

ها هي كُتب عم إدريس تنتصر لشغفي دون فوضتي. فتح لي الباب وهو يرتدي “عراقي” ينصع بياضاً مثل الابتسامة التي لا تكاد تفارق وجهه كلما رآني.

دعاني للجلوس بقربه وسألني عن حالي وعن أهلي في بضع دقائق ثم نهض واقفاً. أعرف سيناريو الخطوات القادمة والمتكرر كلما زرت بيته، وأدَّعي جهلي بما يريد القيام إحتراماً لقامةٍ حباني الله بالنهل من أنهار معرفتها الواسعة. فتح باب الشارع وخرج لبضع دقائق زار فيها البقالة القريبة من بيته وعاد يخفي زجاجة الميرندا في كم “العراقي” ودخل مباشرةً إلى داخل البيت. عاد بعدها يحمل كوباً أنيقاً باهر المنظر معبأ بذلك العصير الأصفر، ويقف في وسط صينية لا تخرج إلا عند قدوم الضيوف. لم أدرِ سر اختياره للميرندا دون غيرها من المشروبات الغازية، ربما أدرك بطريقة ما أنه المفضل عندي.

مرت قرابة الساعتين كمر السُحُب العَجْلى، ثم طَرَق النداء لصلاة المغرب أبواب سمري مع عم إدريس فطلبت الإذن بالانصراف. تكررت هذه الجلسات مرات عديدة، زادت فيها حدود معرفتي بويليام ووردورث ولورد بايرون وشكسبير وهنريك إبسن وغيرهم من أعمدة الأدب الإنقليزي الذي تخصصت في دراسة لغته وآدابه. واتسعت بونسة عم إدريس حدود معرفتي بالسودان الذي كشفت لنا حرب الجنجويد مدى جهلنا به وببعضنا البعض. طاف بي في ربوع السودان من خلال مناظير مختلفة أدهشتني مثلما أدهشتني في طفولتي لعبة كاميرا الحج التي كانت تعرض لنا من خلال عدستها صور الأماكن المقدسة فتُشعِل شوقنا إليها. حاك لي حديث عم إدريس فسيفساء السودان البهية فأصابتني الدهشة، والحسرة فيما بعد على جهل الكثيرين بهذا الوطن الغني بأهله وعاداته وتقاليده وموارده.

لكن أزهى لقاءاتي بعم إدريس كانت حين أعطيته نسخة من رسالة الماجستير في الترجمة والتي كانت ترجمة لكتاب الدكتور عبداللطيف البوني “نميري والطرق الصوفية”. خرجت من عنده مزهواً كالطاؤوس بعد مَدْحِ من ترجم أشعار فطاحلة الحقيبة بلغة إنقليزية موزونة القوافي والموسيقى لترجمة طالب مثلي يتلمس أولى خطواته في درب شائك. كيف لا يصيبني الزهو بثناء من يترجم للعبادي:

“يا موفورة النفل يا الهيبة الكست الحفل ليك فى الجمع الحفل نسبة رادما إنطفل إتمايح غصنك رفلميل سندو الكفل”

وعندما ترجم أشعار فطاحلة الشعر الإنقليزي الكلاسيكي خرجت لنا كمربعات الحاردلو كاشفةً عن حسٍ مشترك بين شاعرين فصلت بينهما حدود شاسعة وثقافة بينوتها واسعة ولكن جمعهما الحس الإنساني تجاه الطبيعة.

أكثر ما ساءني في هذه الدنيا صورة قاتمة رسمتها صحيفة “ألوان”، التي كنت مداوماً على قراءتها لاختلاف لغتها المنحازة للسياقات الأدبية التي أهوى حتى في مقالاتها السياسية، لرجل ناصع السيرة والسريرة. أصابتني صورة” ألوان” القاتمة بالدوار حين قابلت عم إدريس، فحقيقة الرجل لابد لها أن تمحي في لحظات قليلة ما اقترفته “ألوان” في حقه زمناً طويلاً. عندها دعتني نفسي لحضور محاكمة عم إدريس ليس بحثاً عن حقيقة رأيتها في زجاجة الميرندا المخبأة في كم جلبابه وهو يدخل بيتاً غير مكتمل البناء ويطل على شارع ضَيِّق ضِيق نفوس من تعمدوا إشانة سمعته وهم يعلمون أن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال إن العبد يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في نار جهنم. فما بالك بمن تعمَّد ذلك.

ثم ضاعف حزني على رحيله عن دنيانا وأنا في مغتَربٍ بعيد، أن العالم لا يعرف الدكتور العالم إدريس البنا. فلو وُلِدَ في مكان آخر لسارت بسيرته الركبان، ولخرجت للعالم مآثره العديدة ولفاخروا به الأمم.

ألا رحم الله عم إدريس رحمةً واسعة وجعله في أعلى الجنان.

عن وليد محجوب

وليد محجوب