السفير د. حيدر بدوي صادق
الإداري خالد إدريس أحمد
من القاهرة وباريس
٧ سبتمبر ٢٠٢٦
جوهر عمل وزارة الخارجية يتمثل في أداء البعثة الدبلوماسية. فهي تعتبر المضمار الحقيقي لممارسة العمل الدبلوماسي بواسطة الكوادر المؤهلة، التي يتم إعدادها على مدار عقود (تدريباً، ثم خبرة تتراكم في تصاريف العمل الخارجي بتخصصاته المتنوعة). وذلك من أجل إحداث اختراقات، و فتح قنوات مع دول العالم، لتحقيق مصالح البلد الذي تمثله البعثة.
وقيادة البعثة الدبلوماسية لا يتولاها بحقها إلا من يصل الي مقام السفير. وهي أعلى مقام في الترقي في العمل الدبلوماسي. وداخل هذا المقام هناك ثلاث طبقات هي سفراء الدرجة الثالثة، يعلوهم سفراء الدرجة الثانية، ثم يعلوا هؤلاء سفراء الدرجة الأولى. وفي سلك الدرجة الأولى نفسها نجد درجاتٍ خاصة، لا يصلها إلا قلة قليلة جداً من الخواص، يشكل كلٌ منهم استثناءً فريداً.
ويصل الدبلوماسي لمقام السفير بعد أن يكون قد عمل لسنوات طوال، متدرجاً في سلم السلك الدبلوماسي؛ ومتلقياً العديد من الدورات، ومجرياً البحوث للترقي؛ ومكتسباً خبرات ومهارات جديدة، يثري بها تخصصه الدراسي الأساسي الذي أهله لدخول الوزارة في مدخل الخدمة.
و هذا التمحيص قبل أن يصل من يكون في درجة الوزير المفوض — وهي الدرجة السابقة لمقام السفير — يؤكد أهمية وحساسية العمل الخارجي الذي يحتاج الي مواصفات معينة لا تتوفر لدي أي موظف خدمة مدنية آخر إلا لماماً.
كان لابد من سوق هذه المقدمة للحديث عن ما يحدث الآن من دمار لتقاليد الدبلوماسية السودانية الراسخة. مؤخراً، تحولت بعض أهم البعثات الدبلوماسية إلى ما يشبه الثكنات العسكرية؛ حيث يكون السفير أحد الضباط المتقاعدين. يمنح هذا الرجل — وهو دوماً رجل! — لقب السفير بجرة قلم مما يعني الاستهانة البالغة بالتقاليد الدبلوماسية. وتقف القيادات المدنية في وزارة الخارجية عاجزة تماماً ومستسلمة أمام جبروت العسكر، المتحكمين في الدولة السودانية بغير وجه حق.
وفي هذا الإطار تم التغول على عدد من البعثات الدبلوماسية ذات الأهمية البالغة بالنسبة لمصالح السودان. وتصبح السفارة في هذه الحالة خارج سيطرة وزارة الخارجية وتصبح تحت رحمة الأجهزة الأمنية ذات الطبيعة المختلفة عن الجهاز الدبلوماسي. وتتزايد البعثات التي تم التغول عليها من العسكر. ومن هذه البعثات سفارات السودان بمصر، وليبيا، وتشاد، وجنوب السودان، والبحرين.
ومنذ بداية “الحرب العبثية” الراهنة بدأ التعامل مع البعثة الدبلوماسية كغنيمة حرب، يتم تحويلها إلى مشروع إعاشة ومكافأة نهاية خدمة للمتقاعد ذي الحظوة من كبار ضباط الجيش. وهذا التعامل الغنائمي مع العمل الدبلوماسي يفتح شهية العسكر للسعي لضم المزيد من البعثات الدبلوماسية لتكون جزءاً من تصاريف المؤسسات العسكرية والأمنية. ولا تكن لوزارة الخارجية كلمة فوق الضابط-السفير، غير المؤهل أصلاً للعمل كدبلوماسي ناشئ، خلي عنك أن يكون سفيراً.
إن ما يحدث في هذا الشأن الجلل هو تدمير وتشويه لدور وزارة الخارجية كمؤسسة سيادية معنية بالعمل الخارجي. في حقيقة الأمر ما يحدث يشبه عملية بتر الأطراف. وذلك بتعطيل دور القيادة المدنية للوزارة والعاملين بها وبسلب استحقاق الدبلوماسي المهني الوظيفي تحت بصر الجميع لصالح دخلاء علي مهنته بوضع البوت!
وهذا لا يجوز أبداً!
