منبر نور البحثي مقالات
من بطون الكتب ونبض الواقع
اختياري لموضوع هذا المقال رغم انني اناقشه من خلال كتابين من فلاسفة علم الاقتصاد كما درجت علي ذلك في كل مقالاتي السابقه التي تبني علي بطون الكتب لكن موضوع هذا المقال يجد في نفسي اطلاله خاصه بسبب ارتباطه بمكنونات ومكونات الخبره الشخصيه ألتي حظيت خلالها ان اكون مايزيد عن ربع قرن ضمن أسرة المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا هذه المؤسسه الإقليميه والدوليه في ذات الاطار التي دعمت افاق التعاون العربي الافريقي منذ منتصف سبعينات القرن الماضي وقد تم تمويل مشروعات ناجحه في كثير من الدول الافريقيه المرتبطه بالاقتصاد القومي لكل دوله ومن هذا المنظور تتضافر خبرتي الشخصيه مع محاور الكتابين المختارين لمناقشة دور المصارف في المجال الاقتصاد والتنميه بشكل عام و لأهمية الموضوع افردنا جانبا منه لمناقشة واقع المصارف في السودان
في الصورة التقليدية للبنك، تبدو المسألة بسيطة: الناس يودعون أموالهم، والبنك يحتفظ بها أو يعيد إقراض جزء منها، ثم يحصل على عائد من عمليات التمويل.
لكن هذه الصورة، على بساطتها، تخفي وراءها وظيفة أكبر بكثير.
فالبنك ليس مستودعًا للنقود، كما أن النقود ليست الغاية النهائية للعمل المصرفي.
البنك في الاقتصاد الحديث هو أحد الجسور التي تصل المدخرات بالإنتاج، والسيولة بالاستثمار، والفكرة برأس المال، والمشروع بالسوق، والمستهلك بالسلعة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي مختلفًا:
هل تقوم المصارف بدورها في تحريك الاقتصاد، أم أنها تكتفي بإدارة المال الموجود أصلًا؟
هذه ليست مسألة مصرفية فنية تخص المصرفيين وحدهم؛ إنها مسألة تخص كل اقتصاد يريد أن ينتقل من استهلاك الثروة إلى إنتاجها.
الكتاب الأول:
المصرف القوي ليس المصرف الأكثر اقتراضًا
في كتابهما المهم The Bankers’ New Clothes: What’s Wrong with Banking and What to Do about It، تضع أنات أدماتي ومارتن هيلفيغ أيديهما على مفارقة جوهرية في الصناعة المصرفية.
فالناس قد يتصورون أن البنك القوي هو البنك الذي يستطيع أن يقترض كثيرًا ويضاعف حجم عملياته، بينما يريان أن الإفراط في اعتماد البنوك على الديون يجعلها أكثر هشاشة ويزيد المخاطر التي يمكن أن تنتقل من البنك إلى الاقتصاد كله.
الطبعة الأولى من الكتاب صدرت عن Princeton University Press في 2013، والنسخة المراجعة في 2014 جاءت في 424 صفحة، ثم صدرت طبعة موسعة حديثة أضافت فصولًا حول هشاشة النظام المصرفي والسياسة المصرفية والإنقاذات الحكومية وعلاقة هيمنة المصارف بالقانون والديمقراطية.
وهنا تقدم لنا المؤلفة والمؤلف فكرة تستحق أن نتوقف عندها:
البنك ليس مؤسسة خاصة بالمساهمين وحدهم؛ لأن انهياره قد يحمل المجتمع كله تكلفة الانهيار
لماذا؟
لأن البنك يتعامل بأموال المودعين، ويرتبط بالشركات والأسر والحكومة والأسواق، ويشارك في حركة المدفوعات والائتمان.
فإذا أصيب البنك بخلل كبير، لا يبقى الخلل داخل جدرانه.
قد يتوقف تمويل شركة.
وتؤجل الشركة توسعها.
ثم تتراجع مشترياتها.
ثم يتأثر الموردون.
ثم تقل فرص العمل.
ثم ينخفض الإنفاق.
ثم يتراجع النشاط الاقتصادي.
هكذا يتحول الخلل المصرفي من مشكلة ميزانية إلى مشكلة اقتصاد.
البنك لا يبيع المال… بل يبيع الثقة
وهنا نصل إلى أصل أعمق من النقود نفسها.
البنك يبيع الثقة قبل أن يبيع التمويل.
المودع يضع أمواله في البنك لأنه يثق في قدرته على ردها.
ورجل الأعمال يذهب إلى البنك لأنه يثق أن المؤسسة المالية تستطيع أن توفر له التمويل عندما يحتاج إليه.
والاقتصاد كله يفترض وجود شبكة مصرفية يمكنها أن تنقل الأموال من مكان إلى آخر، ومن شخص إلى آخر، ومن زمن إلى زمن.
لذلك فإن انهيار الثقة المصرفية قد يكون أخطر من نقص السيولة في لحظة معينة.
والاقتصاد الذي يفقد الثقة في مصارفه قد يبدأ في العودة إلى النقد اليدوي، والادخار خارج الجهاز الرسمي، والاقتراض الشخصي، والأسواق غير المنظمة.
وهذا لا يعني فقط تراجع دور البنوك؛ بل يعني ارتفاع تكلفة الاقتصاد كله.
الكتاب الثاني:
عندما تتحول الديون من وقود إلى فرامل
أما أتيف ميان وأمير صوفي في كتابهما House of Debt فيأخذاننا إلى الجانب الآخر من الصورة.
فهما لا ينظران إلى الديونج باعتبارها مجرد أرقام في دفاتر البنوك، وإنما يتتبعان أثرها على الأسر والاستهلاك والاستثمار والطلب الكلي.
والفكرة المركزية التي يقدمانها شديدة الأهمية:
قد يبدو الاقتصاد في لحظة الازدهار قويًا لأن الاقتراض يتوسع، وأسعار الأصول ترتفع، والاستهلاك ينمو.
لكن إذا تراكمت الديون بدرجة كبيرة، فإن الصدمة التي تصيب أسعار الأصول أو الدخول يمكن أن تدفع الأسر إلى تقليص إنفاقها بشدة، فيتحول الائتمان الذي ساعد على التوسع في البداية إلى عامل يضغط على الاقتصاد في مرحلة الانكماش.
وهنا نكتشف شيئًا مهمًا:
ليست كل زيادة في التمويل زيادة في الثروة.
فالتمويل يصبح ثروة عندما يدخل في دورة إنتاجية تضيف قيمة جديدة.
أما إذا تحول إلى تضخم في أسعار الأصول، أو مضاربات، أو استهلاك لا يولد قدرة مستقبلية على السداد، فقد يتحول المال نفسه إلى عبء.
الفرق بين البنك الذي يمول الاقتصاد والبنك الذي يمول نفسه
وهذه ربما تكون أهم فكرة يمكن أن نخرج بها من الكتابين.
هناك بنك ينظر إلى الاقتصاد ويسأل:
أين توجد الفرصة الإنتاجية؟
وهناك بنك ينظر إلى ميزانيته ويسأل:
كيف أكبر محفظة التمويل؟
الفرق بين السؤالين هائل.
الأول
يبحث عن مصنع يمكن أن يعمل.
عن مزرعة يمكن أن تتوسع.
عن شركة يمكن أن تصدر.
عن مخزن يمكن أن يقلل فاقد الغذاء.
عن طريق أو وسيلة نقل يمكن أن تخفض تكلفة التجارة.
عن مشروع تقني يستطيع أن يخلق خدمة جديدة.
أما الثاني
فقد يكتفي بزيادة الأرقام على الورق.
والاقتصاد لا يعيش على الأرقام.
الاقتصاد يعيش على ما تنتجه الأرقام عندما تتحول إلى نشاط حقيقي.
التمويل ليس مجرد إعطاء المال
حين يطلب رجل أعمال تمويلًا، لا ينبغي أن يكون السؤال الوحيد:
«ما الضمان؟»
فالضمان مهم لحماية أموال المودعين والمصرف.
لكن السؤال الاقتصادي الأهم هو:
ماذا سيفعل المال؟
هل سيشتري آلة؟
هل سيزيد الإنتاج؟
هل سيوفر مخزونًا استراتيجيًا؟
هل سيدخل محصولًا إلى سلسلة تصنيع؟
هل سيزيد الصادرات؟
هل سيخفض تكلفة النقل؟
هل سيخلق وظائف؟
هل سيرفع إنتاجية العامل؟
إذا كانت الإجابة نعم، يصبح التمويل جزءًا من عملية خلق الثروة.
أما إذا كان التمويل يدور داخل دائرة شراء أصل ثم إعادة بيعه ثم تمويل الأصل مرة أخرى، فقد تكون حركة المال كبيرة، بينما تكون الزيادة الحقيقية في الثروة محدودة.
وهنا يظهر الفرق بين اقتصاد التمويل واقتصاد الإنتاج.
المصرف والمخاطرة: من يتحمل الثمن؟
يقدم كتاب أدماتي وهيلفيغ درسًا مهمًا في هذه النقطة.
المصرف الذي يستخدم قدرًا كبيرًا من الأموال المقترضة مقارنة برأس ماله يصبح أكثر حساسية للخسائر.
وقد يستفيد أصحاب المصرف من بعض المكاسب عندما تسير الأمور جيدًا، بينما يمكن أن يتحمل المجتمع جزءًا من التكلفة عندما تسير الأمور بصورة سيئة.
وهذه مشكلة ليست مصرفية فقط؛ إنها مشكلة حوافز.
إذا عرف صاحب القرار أن الخسارة المحتملة لن تقع كلها عليه، فقد يتشجع على المخاطرة أكثر مما ينبغي.
ومن هنا تأتي أهمية رأس المال المصرفي والرقابة والإدارة الرشيدة للمخاطر.
فالمصرف الجيد ليس الذي يهرب من المخاطرة.
بل الذي يعرف أي مخاطرة تستحق أن يتحملها، وأي مخاطرة يجب أن يرفضها.
ماذا تقول هذه الأفكار للسودان؟
هنا ينتقل الكتاب من الرف إلى الواقع.
في السودان، لا يمكن النظر إلى الجهاز المصرفي باعتباره مجرد قناة لتحويل النقود.
فالاقتصاد الذي يحتاج إلى إعادة بناء الإنتاج يحتاج بالضرورة إلى جهاز مالي قادر على إعادة توجيه المدخرات نحو القطاعات التي تستطيع أن تنتج.
وهذا ما يظهر بوضوح في توجيهات بنك السودان المركزي لعام 2025، التي أعطت الأولوية للقطاعات الإنتاجية، وسمحت بتمويل مجالات مثل تطوير الأراضي الزراعية وتجهيزات الري، وطحن القمح، وبعض الأنشطة المرتبطة بالبنية التحتية والمشروعات الحيوية في المناطق الآمنة.
وهذا الاتجاه مهم؛ لأنه يعكس إدراكًا بأن التمويل المصرفي لا ينبغي أن يكون محايدًا تجاه احتياجات الاقتصاد الحقيقية.
والأرقام الحديثة تعطي صورة أكثر وضوحًا.
وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال:
كم موّل الجهاز المصرفي؟
بل:
ماذا أنتج هذا التمويل؟
كم طنًا إضافيًا من القمح؟
كم مصنعًا عاد إلى العمل؟
كم فدانًا دخل دورة الإنتاج؟
كم طنًا من المحاصيل انتقل من الزراعة الخام إلى التصنيع؟
كم فرصة عمل نشأت؟
وكم دولارًا دخل البلاد نتيجة زيادة الصادرات؟
هذه هي الأسئلة التي تحول التقرير المصرفي إلى تقرير اقتصادي.
ال
بنك الزراعي لا ينبغي أن يكون مجرد ممول للموسم
خذ الزراعة مثالًا.
إذا مول البنك المزارع لشراء المدخلات، ثم انتهى دوره عند لحظة الحصاد، فقد ساهم في الإنتاج لكنه لم يمول السلسلة الاقتصادية الكاملة.
المزارع يحتاج إلى تمويل.
لكنه يحتاج أيضًا إلى التخزين.
والتصنيع.
والنقل.
والتسويق.
والتصدير.
والتأمين.
والمعلومات عن الأسعار.
والتمويل المناسب لكل مرحلة.
وهنا يمكن للمصرف أن يتحول من «ممَوِّل» إلى شريك في سلسلة القيمة.
ليس بمعنى أن يمتلك المزرعة أو المصنع، وإنما بمعنى أن يفهم دورة النشاط الاقتصادي التي يمولها
وهذا تحول مهم جدًا في التفكير المصرفي.
المصرف والصناعة: المال الذي يشتري آلة أهم من المال الذي يشتري أصلًا خاملاً
إذا أرادت دولة أن تعيد بناء صناعتها، فإن السؤال المصرفي لا ينبغي أن يكون:
«كم تبلغ قيمة الضمان؟»
فقط.
بل ينبغي أن يكون:
«ما مقدار الإنتاج الذي ستضيفه الآلة؟»
و«ما السوق الذي ستخدمه؟»
و«ما تكلفة الوحدة قبل التمويل وبعده؟»
و«هل المشروع قادر على توليد التدفقات النقدية اللازمة للسداد؟»
وهنا تصبح دراسة الجدوى ليست ورقة للحصول على التمويل، وإنما لغة مشتركة بين المصرف والمستثمر.
المصرف الجيد لا يمول الورق.
إنه يمول التدفقات الاقتصادية التي يستطيع المشروع خلقها.
من خزينة النقود إلى مصنع القيمة
هذه هي النقلة التي نريدها.
المصرف التقليدي في صورته الضيقة يقول:
«لديك ضمان؟ إذن يمكن أن أعطيك تمويلًا.»
أما المصرف الذي يريد أن يكون شريكًا في التنمية فيقول:
«لديك مشروع قادر على خلق قيمة؟ دعنا نرى كيف نستطيع أن نموله بأمان.»
الفرق بين العبارتين هو الفرق بين تمويل الضمان وتمويل الاقتصاد.
وبالطبع لا يعني ذلك إلغاء الضمانات أو قواعد الائتمان؛ فالبنك في النهاية يدير أموال مودعين، وليس أموالًا مجانية.
لكن الضمان ينبغي ألا يصبح البديل عن دراسة المشروع.
فقد يمتلك شخص أرضًا أو عقارًا قيمته كبيرة، لكنه لا يملك مشروعًا منتجًا.
وقد يمتلك شاب مشروعًا صغيرًا ممتازًا، لكنه لا يملك عقارًا كبيرًا يرهنه.
إذا جعلنا الضمان هو البوابة الوحيدة للتمويل، فقد نحرم الاقتصاد من أفضل الأفكار ونمول أفضل الضمانات.
وهنا تظهر أهمية المعلومات
المشكلة المصرفية العميقة في الاقتصادات النامية ليست دائمًا نقص المال.
قد تكون نقص المعلومات.
المصرف لا يعرف كل شيء عن طالب التمويل.
وطالب التمويل لا يعرف دائمًا كل شيء عن شروط السوق.
والمصرف يخشى التعثر.
والعميل يخشى الرفض.
فتنشأ فجوة بين الطرفين.
وهنا يصبح بناء قواعد البيانات الائتمانية، والتصنيف الائتماني، والسجلات التجارية، وأنظمة الدفع، والتوثيق، والشفافية، والحوكمة، جزءًا من البنية التحتية للاقتصاد.
إنها أشياء تبدو جافة على الورق، لكنها في الحقيقة قد تحدد من يحصل على التمويل ومن يبقى خارجه.
الشمول المالي
ليس فتح حسابات فقط
وفي هذا السياق، تصبح قضية الشمول المالي أكثر عمقًا.
فبنك السودان المركزي نفسه يربط الشمول المالي بتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية، ويرى أن الاعتماد الواسع على النقد والادخار غير الرسمي والإقراض غير المنظم يحد من الكفاءة والنمو.
إذن فتح الحساب المصرفي خطوة أولى فقط.
الهدف الحقيقي هو أن يصبح المواطن قادرًا على:
الادخار بأمان،
والحصول على تمويل مناسب،
وتلقي أمواله،
ودفع التزاماته،
وإدارة مشروعه،
وبناء سجل مالي يمكنه من الوصول إلى خدمات أكبر مستقبلًا.
عندها يتحول البنك من مكان يذهب إليه الناس لإيداع النقود إلى بنية تحتية للحياة الاقتصادية نفسها.
المصرف بعد الحرب: السؤال أكبر من استئناف العمل
في الاقتصادات التي تمر بصدمة كبيرة، قد يكون استئناف عمل المصارف ضروريًا، لكنه ليس كافيًا.
المطلوب هو أن يعود الجهاز المصرفي وهو يحمل معه سؤالًا جديدًا:
ما الاقتصاد الذي نريد أن نموله؟
هل نريد اقتصادًا يستورد معظم ما يستهلك؟
أم اقتصادًا ينتج؟
هل نمول التجارة فقط؟
أم نمول الصناعة التي ستنتج السلع التي كانت التجارة تستوردها؟
هل نمول شراء السلعة النهائية؟
أم نمول الآلة التي ستنتج السلعة غدًا؟
هل نمول النشاط الذي يستهلك النقد الأجنبي؟
أم النشاط الذي يولد النقد الأجنبي؟
هذه ليست أسئلة مصرفية فحسب.
إنها أسئلة عن مستقبل الدولة.
السودان يحتاج إلى بنك يرى سلسلة القيمة لا طلب التمويل
لنأخذ مثالًا سودانيًا بسيطًا.
قد يأتي مستثمر ويقول:
«أريد تمويل مصنع للعصائر.»
المصرف التقليدي قد يدرس المصنع وحده.
لكن المصرف الذي يرى الاقتصاد كاملًا يسأل:
من أين سيأتي المانجو؟
هل هناك مزارعون منتجون؟
هل توجد سلسلة تبريد؟
هل توجد عبوات محلية؟
هل هناك نقل مناسب؟
هل يمكن تصنيع جزء من المدخلات محليًا؟
هل يوجد سوق داخلي؟
هل توجد فرصة للتصدير؟
هل يستطيع المصنع شراء المحصول وقت الوفرة وتخزينه أو تصنيعه؟
هنا يتحول التمويل من قرض لمصنع إلى تمويل لمنظومة اقتصادية كاملة.
وهذه هي الشراكة الحقيقية.
المصرف شريك… ولكن ليس وصيًا
وهنا يجب أن نضع حدًا مهمًا.
لا ينبغي أن يتحول المصرف إلى وزارة تخطيط.
ولا إلى مستثمر يدير مشروعات العملاء.
ولا إلى جهاز يقرر وحده القطاعات التي يجب أن تنمو.
دور المصرف هو أن يوفر التمويل، ويقيم المخاطر، ويساعد في توجيه رأس المال نحو المشروعات القادرة على خلق قيمة، ضمن سياسة اقتصادية واضحة وقواعد عادلة.
أما الدولة، فعليها أن توفر البيئة.
والقطاع الخاص عليه أن ينتج.
والبنوك عليها أن تمول بحكمة.
والسوق عليه أن يكشف الكفاءة.
هذه العلاقة المتوازنة أفضل من أن يتحول المصرف إلى خزينة حكومية، أو أن يتحول إلى مؤسسة تبحث فقط عن الربح القصير.
من «كم ربحت؟» إلى «ماذا صنعت؟»
ربما نحتاج إلى تغيير بعض مؤشرات النجاح المصرفي نفسها.
لا يكفي أن نقول:
ارتفعت محفظة التمويل.
ارتفعت الأرباح.
زادت الودائع.
زاد عدد العملاء.
هذه مؤشرات مهمة، لكنها لا تخبرنا وحدها عن أثر المصرف في الاقتصاد.
نريد مؤشرات أخرى:
كم وظيفة خلق التمويل؟
كم وحدة إنتاجية جديدة دخلت الخدمة؟
كم زادت الصادرات؟
كم انخفضت تكلفة الإنتاج؟
كم ارتفعت إنتاجية المزارع؟
كم مصنعًا عاد إلى العمل؟
كم مشروعًا صغيرًا نما إلى مشروع متوسط؟
كم امرأة أو شابًا انتقل من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي؟
هنا فقط نستطيع أن نقول إن المصرف أصبح شريكًا في الاقتصاد.
الدرس الكبير من الكتابين
إذا جمعنا أدماتي وهيلفيغ مع ميان وصوفي، خرجنا بفكرة شديدة الأهمية:
المصرف الجيد ليس الذي يخلق أكبر قدر من الديون، ولا الذي يهرب من المخاطر؛ وإنما الذي يحقق التوازن بين الاستقرار والتمويل والإنتاج.
أدماتي وهيلفيغ يحذراننا من المصرف الهش الذي يمكن أن تتحول مخاطره الخاصة إلى تكلفة عامة.
وميان وصوفي يذكراننا بأن الدين لا يعيش في دفاتر البنوك فقط؛ بل يصل في النهاية إلى مائدة الأسرة، وقرار المستهلك، واستثمار الشركة، ومستوى التشغيل.
وبين الكتابين تظهر صورة البنك التي نبحث عنها:
بنك آمن بما يكفي ليحمي المدخرات، وجريء بما يكفي ليمول الإنتاج، وحكيم بما يكفي ليميز بين التمويل الذي يصنع قيمة والتمويل الذي ينقل المخاطر من مكان إلى آخر.
السودان أمام فرصة لإعادة تعريف وظيفة المصرف
قد تبدو الحرب في ظاهرها كارثة اقتصادية، وهي كذلك بلا شك.
لكن مرحلة إعادة البناء تطرح فرصة نادرة لإعادة التفكير في العلاقة بين المال والإنتاج.
فالاقتصاد الذي سيُبنى بعد الحرب لن يحتاج فقط إلى أموال أكثر.
سيحتاج إلى أموال أذكى.
تمويل أطول أجلًا حيث يحتاج الاستثمار.
تمويلًا أصغر حجمًا وأكثر مرونة للمشروعات الصغيرة.
تمويلًا زراعيًا يرتبط بدورة الإنتاج.
تمويلًا صناعيًا يرتبط بالتحديث.
تمويلًا للصادرات وسلاسل القيمة.
رقمنة تقلل تكلفة المعاملات.
معلومات ائتمانية أفضل.
حوكمة مصرفية أقوى.
ووعيًا بأن أموال المودعين ليست وقودًا للمغامرة، وإنما أمانة اقتصادية.
وهنا يمكن أن يبدأ التحول الحقيقي:
من بنك ينتظر العميل الذي يملك ضمانًا كبيرًا…
إلى بنك يبحث عن المشروع الذي يستطيع أن يصنع قيمة حقيقية، ثم يبني حوله التمويل المناسب.
كلمة «منبر نور»
في نهاية المطاف، ليست المشكلة أن لدينا نقودًا قليلة أو كثيرة.
المشكلة الأهم هي:
إلى أين تذهب النقود؟
فالنقود التي تدخل في أرض منتجة، أو آلة، أو مصنع، أو مخزن، أو وسيلة نقل، أو تقنية، أو تعليم، ثم تعود إلى الاقتصاد في صورة إنتاج ودخل وفرص عمل، ليست مجرد نقود.
إنها رأس مال حي.
أما النقود التي تدور من ورقة إلى ورقة، ومن أصل إلى أصل، ومن مضاربة إلى مضاربة، دون أن تزيد القدرة الإنتاجية للمجتمع، فقد تجعل الاقتصاد يبدو أكبر على الورق بينما يظل ضعيفًا في الواقع.
ولذلك فإن مستقبل المصارف لا يقاس فقط بحجم أصولها.
بل بالسؤال الأبسط والأعمق:
كم من الثروة الجديدة ساعدت على خلقها؟
عندها فقط يصبح البنك شريكًا في الاقتصاد…
لا خزينةً للنقود.
مراجع المقال
Anat R. Admati & Martin Hellwig, The Bankers’ New Clothes: What’s Wrong with Banking and What to Do about It, Princeton University Press، 2013؛ النسخة المراجعة 2014، والطبعة الموسعة الحديثة 2023/2024.
Atif Mian & Amir Sufi, House of Debt: How They (and You) Caused the Great Recession, and How We Can Prevent It from Happening Again, University of Chicago Press، 2014.
بنك السودان المركزي، «موجهات منح التمويل المصرفي للعام 2025م».
بنك السودان المركزي، النشرة الاقتصادية الشهرية، العدد 02/2026.
بنك السودان المركزي، بيانات التمويل المصرفي القطاعي.
عبد العظيم الريح مدثر
متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثي
