من المعروف لكل من هبّ ودبّ أن الذهب ، سواء أكان عيار 24 أو عيار 18 وسواء أكان في شكل قطع نقدية أو حلي أو سبائك ، هو من أنفس المعادن ، ويُقال إن كل كمية الذهب الموجودة في العالم لا تملأ سوى ست غرف فقط لا غير علماً بأن أكبر الدول المنتجة للذهب في العالم هي جنوب أفريقيا، الصين والولايات المتحدة الأمريكية ، وقد زاد من قيمة الذهب حديثاً الاتجار به في بورصات الذهب واستخدامه من قبل صندوق النقد الدولي كتغطية مادية آمنة تكفل الاستقرار المالي في أوقات الأزمات المالية العالمية حيث يخزن صندوق النقد ما يجاوز 3,217 طناً من السبائك الذهبية في مخازنه الحصينة أما الأمريكان الذين يملكون أكبر احتياطي من ذهب العالم، فيخزنون ذهبهم تحت الأرض في منطقة فورت نوكس بولاية كنتاكي تحت أشد حراسة أمنية في العالم!
لا أحد في العالم يستطيع أن يجزم متى ، أين وكيف اكتشف الذهب وما هي أسبق أمة في اكتشاف الذهب ، ذلك الفلز الشديد الليونة واللمعان والإصفرار الذي يحمل الرمز ايه يو والعدد الذري 79، وبشكل عام فإن كل الشعوب القديمة كالأشوريين ، اليونان ، الرومان والفرس قد اكتشفوا معدن الذهب وقاموا باستخدامه كحلي وكعملات نقدية ولعل منطقة ليديا بالأناضول (تركيا حالياً) قد اشتهرت بثرائها الذهبي الذي أدى إلى شيوع اسطورة الملك ميداس ملك ليديا الذي كان يحول كل شيء تلمسه يداه إلى ذهب وقد بلغ به الطمع أن لمس ابنته الجميلة فحولها إلى تمثال من الذهب الخالص! أما الفراعنة المصريين فقد كانوا يصنعون منه أقنعة الملوك ولعل أكبر العجائب الذهبية العالمية هو قناع الفرعون توت عنخ آمون المصنوع من الذهب الخالص ، وإذا انتقلنا جنوباً فإن ممالك شمال السودان القديم قد اشتهرت بصناعة واستخدام الذهب أيضاً بل أن إسم بلاد النوبة المرادف لشمال السودان يعني بلاد الذهب باللغة الفرعونية ! أما المصادر التاريخية الحديثة فتخبرنا بأن محمد على باشا قد غزا السودان بحثاً عن الذهب بعد أن اعتقد أن أرض السودان من ذهب وأن سمائه من فضة! فهل لهذه الفذلكة التاريخية ولتلك الأحلام الباشوية القديمة أي علاقة بحمى البحث عن الذهب التي ارتفعت في الأيام الماضية في السودان وعمت ولاية نهر النيل (بلاد النوبة/الذهب قديماً) إلى درجة أن الكاوبويات السودانيين أو الدهابة قد انهمكوا في التنقيب العشوائي عن الذهب في صحاري العبيدية وبربر وحتى في محطة سكة حديد أبو حمد بالكواريك والطواري التي لا يتجاوز سعرها الملالين وجهاز كشف الذهب «gbx45..» الذي يستخدم في دول العالم الأول من قبل لصوص المنازل والذي يبلغ سعره الملايين ولسان حال كل واحد منهم يقول: الذهب الذهب ! يكاد عقلي يذهب! ويًقال أن بعض المغتربين السودانيين في الرياض والدوحة ودبي قد أصيبوا بحمى الذهب أيضاً بعد أن إطلعوا على اعلانات تجارية نشرت في صحف سيارة مفادها (البحث عن شريك تجاري للبحث عن ذهب السودان!) وأن بعضهم قد قرر شراء جهاز كشف الذهب (الذي تحظر الحكومة استخدامه) والعودة إلى السودان على جناح السرعة للمشاركة في مغامرة البحث عن الذهب السوداني الذي يُقال إنه يوجد على سطح الأرض ولا يحتاج إلى حفارات ولا يحزنون!
ولعل ما يثير الغرابة في موضوع الذهب السوداني هو أن عدداً من السودانيين من رجال الشرطة والمواطنين قد قتلوا في اشتباك مسلح وقع بمنطقة قبقبة بولاية نهر النيل بسبب قيام بعض المواطنين السودانيين بالتنقيب العشوائي عن الذهب في منطقة تمتلك امتياز استخراج ذهبها شركة مغربية!
فلماذا لا تقوم حكومة السودان بتوضيح الأمور حول هذه الهوجة الذهبية السودانية المجنونة؟! ولماذا لا تقوم أحزاب المعارضة بطرح مسألة الذهب كموضوع انتخابي إذ ينبغي في كل الأحوال تعديل القوانين وتغيير السياسيات المتعلقة باستخراج الذهب السوداني وتمكين السودانيين من أهالي شمال السودان الفقراء من الاستفادة من مواردهم المحلية بطريقة قانونية وبشكل علمي لأن الذهب السوداني إذ لم يكف أهل السودان فهو حرمان على الجيران حتى لو كانوا أخوان وفي الختام لا نملك إلا أن نترحم على شهداء جمهورية قبقبة الذهبية وندعوا الله أن يعين أهل السودان على اكتشاف واستخراج ذهبهم بسلام آمين يا رب العالمين!
فيصل علي سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
fsuliman1@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم