بقلم: إدوارد كورنيليو
في مساءٍ ثقيلٍ من مساءات الخراب، وقف أبو عركي البخيت على خشبة المسرح القومي بأم درمان، يغني وحيدًا. لا تصفيق، لا وجوه، لا جمهور. فقط مقاعد فارغة، وصدى صوته يتردد في قاعةٍ كانت يومًا تعج بالحياة. كان ذلك في ذكرى الاستقلال، لكن المشهد بدا وكأن الوطن نفسه قد غادر، أو اختبأ في ركنٍ بعيد، يراقب بصمتٍ ما آل إليه حاله. في هذا المشهد، لا يمكن الاكتفاء بوصف الغناء كفعل فني، بل يجب النظر إليه كفعل وجودي، كصرخة في وجه العدم، كإصرار على أن الحياة لا تزال ممكنة، حتى في غياب كل شيء.
حين يغني فنان في مسرح خاوٍ، فإن ما يُقال ليس مجرد كلمات، بل هو استدعاء للغائبين، للذين سقطوا، للذين هُجّروا، للذين لم يعودوا قادرين على الحضور. الغناء هنا لا يخاطب الأذن، بل يخاطب الذاكرة. إنه يوقظ ما حاولت الحرب أن تطمره: الحنين، والكرامة، والانتماء. أبو عركي لم يكن يؤدي أغنية، بل كان يُقيم طقسًا، يُحيي به أرواحًا، ويُعلن من خلاله أن الخراب، مهما اتسع، لا يستطيع أن يبتلع الصوت.
في لحظةٍ كهذه، يصبح الغناء فعلًا سياسيًا، لا لأنه يرفع شعارات، بل لأنه يرفض الصمت. لأن الفنان، حين يصر على الغناء في الفراغ، يعلن أن هذا الفراغ ليس نهاية، بل بداية. بداية لوعيٍ جديد، لزمنٍ لا يُقاس بعدد الحاضرين، بل بصدق الحضور. في زمنٍ تُقصف فيه المدن، وتُهدم البيوت، وتُغتال الأحلام، يصبح الغناء مقاومة. مقاومة ضد النسيان، ضد التلاشي، ضد تحويل الإنسان إلى رقمٍ في نشرة أخبار.
أبو عركي لم يكن يغني لنفسه، ولا حتى لجمهورٍ غائب. كان يغني لشعبٍ مُشتت، لشبابٍ في العراء، لأمهاتٍ ينتظرن أبناءهن، لأطفالٍ لا يعرفون معنى الاستقلال إلا من خلال صورٍ باهتة في كتب المدرسة. كان يغني ليقول إن الوطن ليس فقط أرضًا، بل ذاكرة، وإن هذه الذاكرة لا تموت ما دام هناك من يغني لها. في لحظةٍ كهذه، يصبح الفنان حاملًا لرسالةٍ أكبر من صوته، أكبر من لحنه، أكبر من حضوره الجسدي. يصبح شاهدًا على زمنٍ يتداعى، وعلى وطنٍ يُعاد تشكيله تحت القصف.
المسرح القومي، الذي كان يومًا رمزًا للهوية الثقافية، أصبح الآن شاهدًا على الغياب. لكن هذا الغياب، في مفارقةٍ مؤلمة، هو ما يمنح الحضور معناه. فكل مقعدٍ فارغ هو شهادة على من كان يجب أن يكون هناك. وكل صدى يتردد في القاعة هو تذكيرٌ بأن الصوت لا يحتاج إلى آذانٍ ليسمع، بل إلى ذاكرةٍ تحفظه. في هذا السياق، يصبح الغناء فعلًا من أفعال التوثيق، لا بالكلمات فقط، بل بالإصرار على أن ما يحدث يستحق أن يُغنى له، أن يُروى، أن يُخلّد.
حين قال أبو عركي: “كنت بغنيها لحبيبتي… الليلة بغنيها لشعبي”، لم يكن يعيد توجيه الأغنية فقط، بل كان يعيد تعريف الحب. الحب، في زمن الحرب، لم يعد علاقةً فردية، بل صار علاقةً جماعية. صار التزامًا تجاه من لا صوت لهم، تجاه من لا يستطيعون أن يغنوا، تجاه من فقدوا القدرة على الحلم. في هذه الجملة، تتجلى عبقرية الفنان الذي يفهم أن صوته ليس ملكًا له، بل أمانة في عنقه، وأن عليه أن يستخدمه حين يصمت الجميع.
الغناء في زمن الحرب ليس ترفًا، بل ضرورة. إنه الشكل الوحيد المتبقي من الإنتاج حين تتوقف المصانع، وتُقصف الحقول، وتُغلق المدارس. إنه إنتاجٌ للمعنى، في زمنٍ فقد معناه. حين يغني أبو عركي، فإنه لا يُنتج فقط لحنًا، بل يُنتج ذاكرة، يُنتج أملًا، يُنتج وطنًا بديلًا، ولو مؤقتًا، في داخل كل من يسمعه. في هذا المعنى، يصبح الغناء شكلًا من أشكال البناء، لا الهدم. إنه يرمم ما تهدم، لا بالحجارة، بل بالمعنى.
لكن هذا الغناء لا يمكن فصله عن السياق الذي وُلد فيه. فالحرب ليست فقط قصفًا ودمارًا، بل هي أيضًا تفكيكٌ للنسيج الاجتماعي، تدميرٌ للروابط، تحويلٌ للناس إلى لاجئين، إلى أرقام، إلى ضحايا. في هذا السياق، يصبح الغناء محاولةً لإعادة تشكيل الجماعة، لإعادة ربط ما انقطع، لإعادة تعريف من نحن، وماذا نريد، ولماذا لا زلنا هنا. إنه سؤالٌ وجودي، لا إجابة له إلا بالصوت، بالصدى، بالحنين.
أبو عركي لم يكن يغني من أجل الماضي، بل من أجل المستقبل. لم يكن يُرثي ما فُقد، بل يُنشد ما يمكن أن يُبنى. في صوته، كانت هناك مرارة، نعم، لكن أيضًا كان هناك إصرار. إصرار على أن هذا الوطن، رغم كل شيء، لا يزال يستحق أن يُغنى له. أن يُحتفل به، لا لأنه كامل، بل لأنه جريح. أن يُحتضن، لا لأنه منتصر، بل لأنه منكسر. في هذا المعنى، يصبح الغناء شكلًا من أشكال الحنان، من أشكال الرعاية، من أشكال التضميد.
وحده، في المسرح، بدا أبو عركي وكأنه يُقيم عزاءً واحتفالًا في آنٍ واحد. عزاءً على ما فُقد، واحتفالًا بما تبقى. لم يكن بحاجة إلى جمهورٍ ليُصدق أن صوته يصل. كان يعرف أن هناك من يسمعه، حتى لو لم يكن حاضرًا. أن هناك من يحتاج إلى هذا الصوت، حتى لو لم يستطع أن يصفق له. في هذا المعنى، يصبح الغناء شكلًا من أشكال التواصل، من أشكال التضامن، من أشكال التواطؤ الجميل بين من يغني ومن يسمع، حتى لو كان بعيدًا، حتى لو كان في خندق، أو في مخيم، أو في منفى.
الغناء، في لحظة كهذه، لا يُقاس بجودة الصوت، ولا بدقة العزف، بل بصدق النبرة. والنبرة، في صوت أبو عركي، كانت مشبعة بكل ما لا يُقال: بالحزن، بالغضب، بالحب، بالخسارة، بالأمل. كانت نبرة رجلٍ يعرف أن صوته قد لا يُغير شيئًا، لكنه مع ذلك لا يستطيع أن يصمت. لأن الصمت، في زمن الحرب، خيانة. لأن الصمت، في حضرة الغياب، اعترافٌ بالهزيمة. ولأن الغناء، حتى لو لم يُسمع، هو إعلانٌ بأننا لا زلنا هنا، لا زلنا نحب، لا زلنا نحلم.
عند تخوم هذا الصمت، لا يمكن النظر إلى هذا المشهد كحدثٍ عابر. إنه لحظةٌ مفصلية، تُجسد ما يعنيه أن تكون فنانًا في زمنٍ يتآكل فيه كل شيء. أن تكون فنانًا لا يعني أن تُطرب، بل أن تُقاوم. أن تُصر على أن الجمال لا يزال ممكنًا، حتى حين ينهار كل شيء. أن تُغني، لا لأن هناك من يسمع، بل لأن هناك من يحتاج إلى أن يسمع. أن تُغني، لا لأنك تملك الأمل، بل لأنك تصنعه. أبو عركي البخيت، في تلك الليلة، لم يكن مجرد مغنٍ. كان شاهدًا، وراويًا، وضميرًا. كان يُعيد تعريف الفن، لا كترفٍ، بل كضرورة. لا كزينة، بل كصرخة. لا كمتعة، بل كواجب. في صوته، كانت هناك كل التناقضات: الحنين والغضب، الحب والفقد، الأمل واليأس. لكنه، رغم كل شيء، غنى. وهذا وحده كافٍ لنقول إن الوطن، رغم كل شيء، لا يزال يتنفس.
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم