عودة الإمام الصادق لسياسة الجنوب، 1930 .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
4 أغسطس, 2015
د.عبد الله علي ابراهيم, منبر الرأي
120 زيارة
أعاد الإمام الصادق المهدي في لقائه الأخير مع أحمد منصور بالجزيرة مسألة سياسة الجنوب الإنجليزية التي وضعها هرولد ماكمايكل، السكرتير الإداري للحاكم العام، في 1930. وهي السياسة التي هدفت إلى فصل الجنوب بغير مواربة. ولم يكن هذا عن حب للجنوب بالذات من مكمايكل الذي هو “شمالي” جوه وبره. فسمَى الجنوب مملكة “القرود” ولم يكن يريد أن ينشغل به. أعرف أن هناك من صار لا يطيق العودة إلى سياسة الجنوب تلك لتفسير الانفصال الفاجع الذي وقع. وبالطبع لا يمكن لها أن تكون شماعة نعلق عليها أخطاء نصف قرن من بؤس سياسات السودان المستقل حيال الجنوب. ولكن لا مناص من العلم الوثيق بها لنحسن فهم الانفصال ما يزال. ويقع كثير من كتابنا في خطأ الاعتقاد أننا بالاستقلال صرنا سادة أنفسنا وأن الاستعمار ولى وراح، ونبش ما فعله حيلة عاجزة. وهذا القول على نقيض ما تقوله مدرسة ما بعد الاستعمار (إدورد سعيد وصحبه) التي قام نهجها على أن الاستعمار لم يبرحنا مطلقاً وأن التحرر منه ما يزال مشروعاً لم يكتمل. وأردت في مناسبة تجديد الإمام لذكرى سياسة الجنوب أن أنشر هنا تعريباً لنص من المذكرة التفسيرية (1928) التي انبنت عليها تلك السياسة في 1930. فسأل ماكمايكل: : المسألة هي: هل نشجع اللغة العربية في الجنوب كلغة تخاطب ووسيط بين الحاكمين والمحكومين أم نقاوم ذلك على أسس سياسية. فنشرها خطة غير راجحة أساساً وتبدو مقاومتها هي المطلوب الصحيح لسياستنا . . . فديانة المسلمين هي ثمرة 13 قرن من الضبط والتنطع. ويبدو أنها قد بلغت الآن، وعلى النطاق العالمي، مرحلة من الجمود لا توقظها من سباتها سوى نوبات من القلق أحياناً. فليس في الإسلام حرية للعقل أو الضمير ولامستقبل لأهله في الفكر إلا عن طريق الزندقة. ولكنه صح مع ذلك القول بأن الإسلام أرفع مقاماً نسبياً من ديانات الزنج التي تعذر نموها بالنظر إلى قدمه وانتشاره وتبنيه للعقائد التوحيدية القديمة وشرائعها الخلقية. . . وبالنظر إلى درجة الحضارة النسبية للمسلمين. ولكن ثقافة المسلمين عقيم مهما قلنا عنها. وسنسيء خدمة الزنج إساءة كبرى متى فتحنا لهم طريق الإسلام السهل المضلل ونحن بصدد تنشئتهم سلماً واستقراراً. علاوة على أن طريق الإسلام الكاسد سيقود سالكيه من الزنج إلى أخطار كبيرة. وأكثر تلك الأخطار شدة هي توسع الدين بصورة آلية وتأصله في جهات أكبر مساحة وأغزر عدداً خلت منه إلى تاريخه. ويمكن للمرء ان يراوح على المجاز ليقول بأن تشجيع نشر العربية في الجنوب بمثابة صب للزيت على النار. وللخطر الناتج عن ذلك حدان. فالعرب لن يستنجدوا بالجنوب، الذي اعتنق الإسلام، باسم الديانة المشتركة متى هبوا هبتهم (الوطنية) فحسب بل أن عرب الشمال وصفوتهم في المدن لن يدخروا وسعاً في التضامن مع الجنوبيين متى ساءت العلاقة بين الحكومة والجنوبيين. وسيكون في ذلك حرجاً ما بعده للحكومة. إنه لمن عزم الأمور أن نتبع الطريق المصابر بتشجيع موظفينا بكل سبيل متاح أن يحصلوا على معرفة وثيقة وأشمل بكل ما يتصل بقبائل الزنج الكبرى وأن يظهروا حماسة قلبية لتنمية لغاتهم وحفظ وتوقير كل ذات نفع وقيمة من عاداتهم ومؤسساتهم بالنزول عند كل معيار للحق احتوته. وبهذا السبيل سنعرض أنفسنا عليهم كأصدقاء خلص بدلاً عن دفعهم إلى جرف خطر هار. وبالزمن سنحصد ثمرة غرسنا: ستتطور سلسلة من الوحدات العرقية مكتفية تستمد هيكلها وتنظيمها من مأثور تقاليد الزنج وعقائدهم الراسخة. وستنتظم حياة العائلة اليومية والأفراد على الأعراف التي تواتيهم طبعاً. وسيزدهر الحس بالعزة القبلية. وخلال ذلك كله سينشأ حائط عظيم بوجه الفتن السياسية التي تفخخ طريق إدارتنا في الشمال. انتهى.
ورد المقتطف عند روبرت كولنز في كتاب “ظلال على القش”، صفحة 172 وأسمع أكثر هذا القول المكمايكلي من أفواه معاصرة. فالجنوبيون اعتقدوا أن سياسة الجنوب حمتهم من غول الشمال في حين كانت محض وصاية وسوء ظن بسعة الجنوبي للاختلاط بالآخرين. أما كلام الإسلام الخالف فهو سعر سوق الحداثيين. لم نكسر قلم مكميك: طق، بالأناة والحكمة والموعظة خلافاً لما فعل ود جاد الله ود بليلو.