باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 26 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد عرض كل المقالات

غابة السنط: ذاكرة الخرطوم الخضراء ومحجّ الطير الغائب

اخر تحديث: 26 أغسطس, 2026 11:43 صباحًا
شارك

د. عبدالرحيم عبد الحليم محمد
ثمة أماكن لا تسكنها الأشجار وحدها بل تسكنها أعمارنا وحين تختفي تلك الأماكن لا نفقد رقعة من الأرض فحسب بل نفقد شيئًا من طفولتنا وشبابنا ومن وجوه الذين أحببناهم ومن أيام حسبنا في غفلة جميلة من الزمن أنها لن تنتهي. وغابة السنط في الخرطوم واحدة من تلك الأماكن بل لعلها من أكثرها التصاقًا بذاكرة المدينة. كانت هناك على ضفة النيل الأبيض خضراء باسقة تتشابك أغصانها فوق رؤوس العابرين ويهب عليها هواء النهر فتتحرك الأوراق كأن الغابة تتنفس وكان النيل يمر بمحاذاتها في هدوء وكانت الطيور تعرف طريقها إليها وكانت الخرطوم حين تبلغها تخفف قليلًا من صخبها وحرارتها وغبارها ثم تجلس عند الماء. أقول كانت ويؤلمني أن أقولها فما كان خضرة وظلًا ومحجًّا للطير صار في أجزاء واسعة منه أرضًا عارية وما كان رئة من رئات الخرطوم أصابه القطع الجائر حتى بدا المشهد في بعض جوانبه أقرب إلى صحراء حزينة نشأت حيث كانت الأشجار تصنع معنى المكان.
ولأبناء جيلي ذاكرة أخرى لغابة السنط. كانت الرحلة إليها جزءًا من ثقافة الخرطوم الاجتماعية ففي أيام الجمع والعطلات كانت الأسر تحمل ما تيسر من الطعام والشاي والحصير ويتقدم الأطفال نحو الفضاء الرحب كأنهم يدخلون إلى مملكة خاصة بهم. لم تكن الأسرة تحتاج إلى منتجع فاخر فكانت الشجرة هي المنتجع وكانت الأرض مجلسًا وكان النيل هو المشهد وكان الطير هو الموسيقى وكان الهواء القادم من الماء مروحة الفقراء والأغنياء معًا. وهنا تكمن إحدى أجمل خصال الطبيعة فهي ديمقراطية في عطائها فلا يسأل الشجر من يجلس تحته عن طبقته الاجتماعية ولا يسأل النيل من يتأمله عن رصيده في البنك ولا تطلب الطيور من الطفل تذكرة لكي يسمع غناءها. كانت الغابة تمنح الجميع ظلها ولهذا لم تكن غابة السنط مجرد غطاء نباتي بل كانت مؤسسة اجتماعية بلا جدران. كانت الأسرة تدخل إليها مثقلة بحر المدينة وتخرج منها أخف روحًا وكان الأطفال يركضون بين الجذوع بينما يستلقي الكبار في الظلال وتغلي أباريق الشاي ويبرق النيل من بين الأغصان ويأتي الغروب هادئًا كأنه آخر فقرة في احتفال يومي بسيط لا يحتاج إلى مقدم ولا منصة.
لكن غابة السنط لم تكن مكانًا للنزهة وحدها فقد كانت أيضًا فضاءً للإلهام وأذكر بوصفى واحدًا ممن عاصروا تلك السنوات أن بعض مصممي المنتجات والثياب السودانية كانوا يؤمون مثل هذه البيئات بحثًا عن اللون والخط والشكل والزخرفة وكانت الطبيعة يومها تدخل إلى التصميم بدل أن يبقى التصميم منفصلًا عنها. وأذكراثناء عملي في السبعينات في مؤسسة الاسواق الحرة كيف أن شركة عالمية بريطانية اسمها توتال فابركس ارسلت مصمميها لايجاد تصاميم للثيتب السودانية فظهر ذلك الثوب الجميل ذي الاطراف التي حملت عناقيد القرض وهو ثوب “أبو قجيجة”ز ولم يكن غريبا اذن أن يستخم شاعرنا الراحل سيد أحمد الحردلو كلمة غابة منسوبة الى ازدحام الوطن بغابات القمح:
يا غابة قمحية
ومشرورة فوق البلود
زي الصباحية.
وما أغنى غابة السنط بهذا كله. الأخضر بدرجاته والبني في الجذوع والطين بعد انحسار الماء وزرقة السماء وبياض الطيور ولون الغروب على سطح النيل وضوء الشمس حين يتسلل بين الأغصان فيترك على الأرض شبكة من الظلال. ورقة السنط نفسها تصميم والغصن خط وسرب الطير تكوين بصري وتموج الماء زخرفة لا تنتهي وكان المصمم يستطيع أن يدخل الغابة بعينيه ثم يخرج منها بثوب. ومن يدري كم من لون في ثوب سوداني وكم من خط في زخرفة وكم من صورة في ذاكرة فنان بدأت شرارتها هناك. كانت الغابة مرسمًا مفتوحًا لا جدران له وهكذا كانت الطبيعة تدخل الثقافة ويصبح المنتج المحلي امتدادًا للمكان السوداني بدل أن يكون نسخة مستوردة من مكان آخر.
ولأن الشجرة في السودان ليست نباتًا فحسب فقد دخلت مبكرًا إلى الشعر ودخل السنط والسدر والطلح والنخيل والنيم والأبنوس والبان لا بوصفها مفردات نباتية وإنما بوصفها أجزاء من الذاكرة الجمالية للبلاد. وفي الشعر السوداني حضور واضح للغابة نفسها فنجد عند خليل فرح صورة الغابة بوصفها مكانًا للذكرى والحركة والحياة وقد ناقش بعض الباحثين نسبة بعض أبياته إلى غابة السنط نفسها وإن كان السياق الشعري لا يسمح بالجزم بذلك وهذه الملاحظة مهمة لأن جمال الاستشهاد لا ينبغي أن يدفعنا إلى تحميل النص ما لا يحتمله. أما العلامة عبدالله الطيب فنجد عنده صورة سودانية آسرة تجمع النيل والسنط والنسيم وكأنها تستعيد الجو الذي كانت تصنعه غابة السنط في الخرطوم ماء في الأسفل وأغصان فوقه وهواء يتحرك بينهما. ثم نأتي إلى محمد المكي إبراهيم أحد أكثر الشعراء السودانيين قدرة على تحويل النبات والجغرافيا إلى شعر ففي قوله «في غابة الطلح أو غابة الخيزران» تصبح الغابة جزءًا من خريطة وجدانية للسودان فلا تعود الشجرة شجرة فقط ولا القمري طائرًا فقط ولا الغابة مجرد مساحة على الأرض بل تدخل كلها في بناء معنى الوطن وهكذا كانت الغابة تدخل الشعر كما يدخل الشعر الغابة.
ولكلمة الغابة في الثقافة السودانية الحديثة دلالة تتجاوز المعنى الطبيعي بكثير فقد أصبحت عنوانًا لأحد أهم التيارات الفكرية والشعرية السودانية الحديثة وهو تيار الغابة والصحراء وهناك تحولت الغابة إلى رمز للمكوّن الإفريقي في الشخصية السودانية بينما حملت الصحراء دلالة المكوّن العربي وهكذا لم يعد السؤال أين الغابة بل ما الغابة التي فينا وما الصحراء التي فينا وكيف يصنع الاثنان هذا الإنسان السوداني. ومن المفارقات ذات الدلالة أن تكون الخرطوم نفسها المدينة التي شهدت ازدهار ذلك الحوار الثقافي حول الغابة والصحراء محتضنة لغابة حقيقية على ضفة النيل وكأن الجغرافيا كانت تكتب استعارتها قبل الشعراء.
والغابة ليست سودانية الهوى وحدها فمنذ أقدم الآداب ظهرت الغابة بوصفها مكانًا للغموض والخوف والاكتشاف والتحول. يدخل الإنسان الغابة في الحكايات فلا يخرج منها كما دخل فهي مكان التيه ومكان الاختبار ومكان العودة إلى الطبيعة ومكان مواجهة الذات. وفي الشعر الإنجليزي الحديث تقف غابة روبرت فروست مثالًا واضحًا على هذا المعنى ففي قصيدته الشهيرة Stopping by Woods on a Snowy Evening يقف الشاعر أمام الغابة مأخوذًا بجمالها وصمتها وعمقها ثم يواصل طريقه لأن أمامه وعودًا ومسافات. الغابة عند فروست ليست ديكورًا طبيعيًا بل لحظة توقف خارج سباق الحياة وهذا في جوهره ما كانت تمنحه غابة السنط لأهل الخرطوم. لم يكن عندنا ثلج فروست بل كانت عندنا شمس الخرطوم ولم تكن أشجارنا مغطاة بالبياض بل كانت تستحم بضوء النيل لكن الحاجة الإنسانية واحدة وهي أن يجد الإنسان مكانًا يتوقف فيه قليلًا. وفي قصيدته الأخرى The Road Not Taken تبدأ التجربة أيضًا داخل غابة حين يتفرع طريقان أمام المسافر فتصبح الغابة مسرحًا للاختيار ومجازًا لمسارات الحياة وهكذا تتحول الغابة في الشعر العالمي من جغرافيا إلى سؤال وجودي.
لكن أجمل زوار السنط لم يكونوا يحملون حقائب نزهة بل كانوا يأتون من السماء أسرابًا وراء أسراب. طيور قطعت آلاف الكيلومترات وعبرت صحارى وبحارًا وبلادًا لا تعرف أسماءها ثم قادتها البوصلة الغامضة المودعة في أجسادها إلى النيل الأبيض وإلى الخرطوم وإلى السنط. وكانت الغابة تستقبل طيورًا مستوطنة ومهاجرة عديدة فتغدو في مواسم الهجرة محطة من محطات الأجنحة القادمة من بعيد. ولعل هذه هي أكثر صور الغابة شاعرية في الذاكرة أن يكون للطائر القادم من وراء القارات عنوان في الخرطوم. فالطائر لا يحمل خريطة ولا يقف عند نقطة حدود ولا يعرف أن هذه الأرض اسمها السودان لكنه يعرف الماء ويعرف الشجرة ويعرف الظل ويعرف بغريزة أودعها الخالق فيه أن ثمة مكانًا يصلح لأن يستريح فيه بعد رحلة طويلة وكانت السنط ذلك المكان. كان الطير يأتي إليها ضيفًا عامًا بعد عام حتى أصبح الضيف واحدًا من أهل الدار.
ثم حدث ما حدث فالحرب لا تقتل البشر وحدهم بل تقتل المكان أيضًا وتقطع الشجرة وتلوث الماء وتهجّر الحيوان وتحرق الحقول وتجعل الإنسان تحت ضغط الحاجة وانهيار الخدمات يأكل من رصيد المستقبل لكي يعيش يومه. ولهذا فإن عبارة فقدان الغطاء الشجري باردة أكثر مما ينبغي لأن الذي فقدناه أكبر من الغطاء. لقد ضاع بيت للإنسان والطائر معًا وتحولت مساحات كانت تضج بالأوراق والأجنحة والظلال إلى أرض جرداء. ومنظر جذع الشجرة المقطوعة لا يخبرك بعمرها وهذه هي المأساة فقد تمر بجوار جذع فلا ترى سوى خشبة يابسة لكنها ربما كانت شجرة جلس تحتها أب مع أطفاله قبل أربعين عامًا وربما بنى طائر عشه بين أغصانها وربما احتمى بها عاشقان من شمس الخرطوم وربما وقف أمامها مصمم يرسم شكل ورقة ليعيدها بعد أسابيع زخرفة في ثوب وربما جلس شاعر تحتها وكتب سطرًا لا نعرف أنه وُلد هناك. الفأس لا تعرف شيئًا من هذا فهي تقطع الجذع في دقائق لكنها تقطع معه زمنًا كاملًا.
وقد تغير مفهوم الغابة داخل المدينة في كثير من بلدان العالم فلم تعد أرضًا تنتظر التنمية لأن الغابة نفسها أصبحت تنمية. فالشجرة تخفض الحرارة وتحمي التربة وتدعم دورة المياه وتوفر الموائل للكائنات الحية وتمنح الإنسان مكانًا للمشي والرياضة والراحة والتأمل ولهذا أصبحت الغابات الحضرية جزءًا من التخطيط الحديث للمدن والأمر في مدينة حارة كالخرطوم أكثر إلحاحًا فالظل في السودان ليس ترفًا جماليًا بل هو جزء من جودة الحياة وهو راحة وصحة وماء أقل هدرًا وهواء ألطف ومدينة أكثر احتمالًا.
ولا ينبغي أن نذهب دائمًا إلى أوروبا وأمريكا لكي نتعلم حماية الغابات ففي نيروبي تقف غابة كارورا مثالًا إفريقيًا مهمًا على إمكان حماية غابة كبيرة داخل مدينة حديثة مع إتاحتها للمشي والجري وركوب الدراجات ومراقبة الطيور والتعليم والبحث والترفيه. والفكرة شديدة البساطة وهي ألا نقطع الغابة لكي نستثمر أرضها بل نجعل بقاء الغابة هو الاستثمار. وهذا ما يمكن أن يحدث في السنط.
ونخطئ حين نضع الاقتصاد والبيئة في طرفين متناقضين فغابة السنط يمكن أن تكون ثروة دون أن نقطع شجرة واحدة منها. يمكن أن يأتي السائح لمشاهدة الطيور والمصور لالتقاط الصور والباحث لدراسة التنوع الحيوي والطالب ليتعلم والأسرة لتتنزه والشاعر ليكتب والرسام ليرسم والمصمم ليعود كما كان يفعل من قبل باحثًا في أوراق السنط وألوان الطيور ومياه النيل عن فكرة لثوب سوداني جديد. ولماذا لا تصبح السنط حديقة وطنية للفن والطبيعة ولماذا لا يقام فيها موسم سنوي بعنوان عودة الطيور ولماذا لا يأتي الأطفال في رحلات مدرسية يحمل كل واحد منهم اسم طائر مهاجر ويتعلم من أين جاء وإلى أين سيذهب ولماذا لا تكون هناك منصات بسيطة لمراقبة الطيور ومركز صغير للتنوع الحيوي ومتحف لذاكرة الغابة ومسارات تحمل أسماء الأشجار والطيور والشعراء. هكذا تصنع الأمم الذاكرة.
وأخشى ما أخشاه أن تتحول إعادة السنط إلى مناسبة احتفالية عابرة فيها مسؤولون وكاميرات وخطب وألف شتلة تغرس في صباح واحد ثم ينصرف الجميع وتبقى الشتلات وحدها تواجه الشمس والعطش والإهمال. إحياء غابة السنط ليس يوم تشجير بل هو مشروع طويل المدى. نحن لا نريد غرس شتول بل نريد صناعة غابة والفرق هائل فالشتلة يمكن غرسها في دقيقة أما الغابة فتحتاج إلى عقود. نحتاج أولًا إلى حماية الأرض حماية قانونية صارمة من أي تحويل عقاري أو تجاري ونحتاج إلى دراسة التربة والمياه وما بقي من الأشجار والجذور والبذور ونحتاج إلى علماء الغابات والطيور والمياه والتربة لا إلى السياسيين وحدهم ثم نزرع الأنواع المحلية المناسبة ونرعاها ونراقبها ونعيد إليها الطير فالهدف ليس أن نرى اللون الأخضر فقط بل أن يعود النظام البيئي والنجاح لا ينبغي أن يقاس بعدد الشتلات التي غرست وإنما بعدد الأشجار التي بقيت حية بعد عشر سنوات.
ومن هنا يمكن أن تنشأ مبادرة وطنية باسم أصدقاء غابة السنط تضم الهيئة القومية للغابات والجامعات وخبراء البيئة والمياه والطيور والفنانين والشعراء والمصممين والمدارس ومنظمات المجتمع المدني والسودانيين في المهجر وتكون مهمتها ألا تترك الغابة وحيدة مرة أخرى. ويمكن أن تطلق مشروعًا باسم شجرة باسمك في غابة السنط لكن بشرط مهم وهو ألا يدفع المتبرع ثمن الشتلة فقط بل تكلفة رعايتها لسنوات لأن السؤال الحقيقي ليس كم شجرة زرعنا بل كم شجرة بقيت حية بعد عشر سنوات. ويمكن للمدارس أن تتبنى مساحات صغيرة وتعود الجامعات إلى البحث العلمي داخلها ويعود الفنانون ويعود المصممون وتعود الأسر وقبل هؤلاء جميعًا يعود الطير.
إن قضية غابة السنط ينبغي ألا تنتهي عند حدود الخرطوم فالسودان بلد عظيم التنوع البيئي ولكنه يواجه التصحر وتدهور الغطاء النباتي وضغوط المناخ والحرب والفقر ولهذا نحتاج إلى مشروع قومي للشجرة يشمل الغابات والأحزمة الخضراء حول المدن وتشجير القرى وحماية ضفاف الأنهار وإعادة تأهيل المناطق المتدهورة وتعليمًا بيئيًا يبدأ من المدرسة. وينبغي أن يعرف الطفل السوداني أسماء أشجار بلاده كما يعرف أسماء لاعبي كرة القدم السنط والطلح والهشاب والسدر والتبلدي والنيم والنخيل والأبنوس فهذه ليست مفردات في كتاب نبات بل هذه أبجدية الوطن. إن إعادة بناء السودان بعد الحرب لا ينبغي أن تعني بناء الوزارات والجسور والبيوت وحدها فعلينا أن نعيد بناء علاقتنا بالأرض وأن نفهم أن الشجرة ليست حطبًا مؤجلًا بل هي ظل وماء وهواء وطائر وذاكرة واقتصاد وجمال.
وأخيرًا دعوني أغادر لغة البيئة والاقتصاد والخطط قليلًا وأتخيل طائرًا صغيرًا ولد بعيدًا عن السودان لكنه ورث من أسلافه طريقًا قديمًا في السماء. حل الشتاء ففتح جناحيه ورحل وقطع آلاف الأميال وعبر فوق مدن لا يعرف أسماءها ثم رأى النيل فعرف أنه اقترب وواصل الطيران حتى بلغ الخرطوم وكان في ذاكرته القديمة عنوان غابة على النيل الأبيض. دار فوق المكان مرة ثم مرة أخرى ولم يجد الشجر فهبط قليلًا ثم ارتفع ولعله سأل بغريزته هل الغابة في مكان آخر وهل النيل أخطأ مجراه وهل ذاكرة أجداده خدعته. لا. النيل هو النيل لكن الغابة غابت.
أيها الطائر القادم من وراء القارات سامحنا لقد أضعنا عنوانك وقطعنا الشجرة التي كنت تعرفها قبل أن نولد وأضعنا الغصن الذي كان أجدادك يحطون عليه لكننا نرجو ألا يكون الغياب أبديًا. سنزرع السنط من جديد ليس لكي نقيم احتفالًا ولا لكي نحصي الشتلات بل لكي يأتي يوم ربما بعد عشرين أو ثلاثين عامًا تحلق فيه ذريتك فوق النيل الأبيض وترى من بعيد بقعة خضراء فتهبط وتجد شجرة ثم أخرى ثم ألف شجرة وتجد تحتها أطفالًا يركضون كما كنا نركض وأسرة تفترش الأرض كما كانت أسر الخرطوم تفعل ومصممًا يتأمل ورقة سنط ليحولها إلى زخرفة في ثوب وشاعرًا يحمل دفتره وعاشقًا ينظر إلى النيل وعالم طيور يرفع منظاره نحو السماء. ثم يحل المساء فتعود الأسر إلى بيوتها ويبقى النيل وتسكن الريح قليلًا وتمتلئ الأغصان بأسراب الطيور. عندها لن نحتاج إلى لافتة تقول هنا غابة السنط فستقولها الأشجار وسيقولها الظل وسيقولها النيل وستقولها الأجنحة وستقولها الخرطوم نفسها وحينئذ فقط نستطيع أن نقول إننا لم نعد زراعة الأشجار فحسب وإنما استعدنا شيئًا من أنفسنا. استعدنا الغابة واستعدنا الطير واستعدنا الظل واستعادت الخرطوم بعضًا من روحها.

abdelrmohd@hotmail.com

Author

د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
وقف الحرب واستعادة المسار المدني .. ماذا نريد من العالم… وماذا يريد العالم منا؟
منبر الرأي
معارك كردفان.. حرب داخل الحرب
منبر الرأي
الانفلات الأمني في الخرطوم: حوادث أم تهيئة مسرح؟ .. بقلم: د. إبراهيم الصديق علي
حين زفوا إليه صحة الخبر .. بقلم: صديق صالح ضرار
منبر الرأي
وزارة العدل الأمريكية تهدد باستخدام القانون ضد جواسيس الانترنت .. بقلم: محمد فضل علي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

رسالة سودانية مؤثِّرة .. بقلم: نور الدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

ما نتفه النتيفة .. بقلم: الفاضل عباس محمد علي

الفاضل عباس محمد علي
منبر الرأي

حكاوي عبد الزمبار: بيت الجرورة .. بقلم: عمر عبدالله محمدعلي

طارق الجزولي
منبر الرأي

استقبال العام .. شعر/ حسن إبراهيم حسن الأفندي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss