بقلم: السر جميل
قي غياهب العتمة التي تخيم على واقعنا، يقف المواطن السوداني شامخا كشجرة نخيل قاومت الجفاف، لكن جذورها تئن من قسوة الأرواح قبل جفاف الأرض. ليس الأمر وليد اليوم، ولا نتيجة لحظة عابرة من التعثر، بل هو امتداد لمرارات تراكمت منذ فجر الاستقلال، ذلك الاستقلال الذي حرر التراب من المحتل الغريب، لكنه حبس المواطن في متاريس البيروقراطية المقيتة، وحول كل حق طبيعي إلى معجزة تستوجب العناء.
تبدأ القصة منذ الساعات الأولى لولادة طفل في هذا الوطن، فرحة القدوم تجهض سريعا عند عتبات مكاتب التسجيل. استخراج شهادة الميلاد ليس مجرد إجراء إداري، بل رحلة عذاب تبدأ بصفوف لا تنتهي، وأوراق تتطاير في أروقة متهالكة، وكأن الولادة ذنب يتوجب الاستغفار عنه بالصبر الجميل. وإذا ما كبر هذا الطفل وأراد الاستظلال بظلال العلم، وجد نفسه أمام أسوار أشد عتوا، فتخرجك من الجامعة لا يعني حيازتك لشهادتك، بل يعني دخولك في امتحان جديد يقتضي صبر أيوب. إجراء روتيني لا يستغرق في أدبيات الإدارة الحديثة بضع دقائق، يتحول هنا إلى مأساة تتطلب البحث عن وساطات بين أروقة العمادات ومكاتب الأستاذية، لتصبح المعرفة بالدكاترة والبروفيسورات هي المعيار الأساسي لنيل حقك المستحق.
أما إذا حلمت بالتحليق بعيدا، أو سعت بك الحاجة لاستخراج جواز سفر يربطك بالعالم، فإنك تصطدم بصخرة وبحقيقة مرة التي لا تغطى بغربال، فالجواز لمن يملك “الواسطة” أو لمن يستطيع دفع المزيد تحت مسميات شتى، وكذلك الرخصة وكل المعاملات. وحتى الأرض، ذلك الحلم البسيط بامتلاك مأوى تحت سماء الوطن عبر الخطة السكنية، يطرق الباب فيها جيل بعد جيل، تبدأ الإجراءات وأنت في زهرة الشباب، لتكتمل الأوراق -إن اكتملت- وأنت تحت التراب!
ولعل الأشد إيلاما للسخرية يكمن في تفاصيل الحياة اليومية، فلو أردت نقل أثاث بيتك البسيط من حي إلى حي، تحول الأمر إلى مظاهرة قضائية! تعقيدات تشترط شهودا، وقسما، وتحريات في أقسام الشرطة، وإثباتات تعجيزية لفاتورة صينية القهوة أو السرير القديم. والمفارقة الفاجعة تدق مضاجع العقل: أين كانت هذه العين الساهرة والشدة التنظيمية عندما سرق ذلك الأثاث عينه في وضح النهار؟ لماذا تغيب الأسئلة عن السارق، وتتجسد في وجه الضحية الذي يحاول نقل بقايا حياته؟
لكن، ولنكن صادقين مع أنفسنا قبل أن نلقي اللوم على غياهب النظام، إننا جميعا نحمل قبسا من هذا الخراب. حين نرتد إلى ذواتنا، نكتشف أننا لسنا مجرد ضحايا، بل نسهم -بقصد أو بغير قصد- في غزل هذه الشبكة المعتمة.
تأمل معي ذلك الضابط الشاب حين يتخرج موشحا بالنجمات، لا تقاس فرحة الأسرة به بكونه حاميا للوطن، بل بكونه “المخلص” الذي سيتجاوز القانون لأجله؛ يستخرج جواز أخيه دون أن يمسه نصب الصفوف، ويمنح خالته أو ابن حيه بطاقة المرور السريع. وفي تلك اللحظة ذاتها، يقف مزارع قادم من أقاصي البلاد، رجل أغبر جفت يداه وهو يفلح الأرض ليزرع قمحنا، ويصنع عجين عصيدتنا وكسرتنا، يقف في الشارع تدفعه الأيادي، وتزجره الألسن، وتهال عليه الإهانة من قبل شرطي ينظم الصفوف ويدخل آخرين بالوصايا.
إنها الدوامة الخبيثة كلما تبوأ أحدنا وظيفة أو مسؤولية، اعتبرها أهل بيته ودائرته المقربة “غنيمة” تمنحهم حق القفز فوق القانون، والتعالي على خيار الناس. نستعين بالواسطة حين تفيدنا، ونلعن البيروقراطية حين تكوينا.
إن هذا المآل المتدني الذي وصلنا إليه ليس مجرد سوء إدارة، بل هو انكسار في المنظومة الأخلاقية والاجتماعية. لن يصلح هذا الوطن مجرد تغيير القوانين، بل نحتاج إلى ثورة في المفاهيم، ثورة تجعل من احترام الصف فضيلة، ومن رفض الواسطة شرفا، ومن خدمة المواطن البسيط واجبا مقدسا. إن الخروج من هذا المستحيل يبدأ حين ندرك أن القانون إذا لم يطبق على الجميع بالعدل، تحول الوطن إلى غابة يستوي فيها الظالم والمظلوم في المعاناة.
elsir90@hotmail.com
