فخّ الصراع في السودان: كيف تحوّلت الحرب إلى اقتصادٍ قائم… ولماذا يبدو الخروج منها أكثر كلفة رغم أنه الخيار الأقل خسارة

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو

في الحروب التقليدية، تُقاس الخسائر بما يُدمَّر. أما في السودان اليوم، فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير: ما يُدمَّر لا يقتصر على المدن والبنية التحتية، بل يمتد إلى منطق الاقتصاد نفسه. لم تعد الحرب حدثاً طارئاً على الاقتصاد، بل أصبحت جزءاً من بنيته، نظاماً موازياً يعيد توزيع الموارد، ويخلق مصالح، ويُنتج حوافز للاستمرار. هذه هي اللحظة التي تتحول فيها الحرب من مأساة إلى “فخّ”، بالمعنى الذي شرحه بول كوليير في The Bottom Billion: حين لا تعود الحرب مجرد خسارة، بل تصبح آلية لإعادة إنتاج ذاتها.

بهذا المعنى، فإن ما يجري في السودان لم يعد مجرد صراع مسلح، بل تحول تدريجياً إلى اقتصاد قائم بذاته، حيث تتراجع معايير الإنتاج، وتتصدر معايير السيطرة. لم تعد القيمة تُقاس بما يُنتج، بل بما يُستحوذ عليه؛ ولم تعد الكفاءة مرتبطة بالنمو، بل بالقدرة على البقاء داخل دائرة العنف. في مثل هذا السياق، لا يكون تدمير الاقتصاد نتيجة للحرب، بل أحد شروط استمرارها.

الأرقام، رغم قسوتها، لا تزال أقل من الحقيقة. تقديرات الخسائر المباشرة التي تجاوزت 90 مليار دولار تعكس فقط ما يمكن قياسه: مصانع توقفت، أسواق انهارت، بنية تحتية تعطلت. لكن ما لا يظهر في هذه الأرقام هو الأثر التراكمي لانقطاع سلاسل الإنتاج، وهروب رأس المال، وانهيار الثقة. وفق منهجيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فإن هذا النوع من الانهيار لا يُعد ركوداً اقتصادياً، بل خروجاً كاملاً من المسار التنموي، قد يستغرق التعافي منه جيلاً كاملاً.

غير أن التحول الأكثر دلالة لا يكمن فقط في حجم الخسارة، بل في طبيعة الإنفاق ذاته. فالحرب في السودان تشهد انتقالاً واضحاً من الاعتماد على الأصول العسكرية الثقيلة إلى استخدام مكثف ومتزايد للطائرات المسيّرة، ليس فقط كأداة مساندة، بل كوسيلة قتال رئيسية داخل المدن. هذا التحول، الذي يبدو في ظاهره تقنياً، يحمل في جوهره دلالة اقتصادية عميقة: الانتقال من “تكلفة رأسمالية مرتفعة” إلى “تكلفة تشغيلية مستمرة”.

تشير تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن أنماط التسليح في النزاعات الحديثة—والتي تنعكس بوضوح في الحالة السودانية—تعتمد على مزيج من ثلاث فئات من المسيّرات: مسيّرات تجارية معدّلة منخفضة الكلفة، وأخرى قتالية متوسطة المدى تُستخدم في الضربات الدقيقة، إضافة إلى الذخائر الجوالة التي تُستهلك بالكامل في كل هجوم. الكلفة الظاهرة لكل وحدة من هذه الأنظمة قد تبدو محدودة نسبياً—من بضعة آلاف من الدولارات إلى مئات الآلاف، أو بضعة ملايين في الحالات الأكثر تطوراً—لكن جوهر الكلفة لا يكمن في الوحدة، بل في التكرار.

في بيئة قتال حضرية مفتوحة، حيث تتكرر العمليات يومياً، تتحول هذه الأدوات إلى مصدر استنزاف مالي مستمر. عشرات المسيّرات الصغيرة يمكن أن تُستخدم في يوم واحد لأغراض الاستطلاع والتوجيه، إلى جانب ضربات متكررة باستخدام مسيّرات مسلحة أو ذخائر جوالة. ومع احتساب تكلفة الذخائر الذكية—التي قد تصل إلى مئات الآلاف لكل ضربة—فإن الإنفاق اليومي يمكن أن يتراوح بين نصف مليون ومليوني دولار. على مدار عام، يعني ذلك استنزافاً يتراوح بين 180 مليون و700 مليون دولار مخصصة للمسيّرات وحدها، دون احتساب تكاليف التدريب، وأنظمة التحكم، والحرب الإلكترونية، والخسائر الناتجة عن إسقاط هذه الأنظمة.

هنا تتجلى المفارقة الاقتصادية بوضوح: ما يبدو “حلاً منخفض الكلفة” يتحول، عبر التكرار، إلى أحد أكثر أشكال الإنفاق استنزافاً. إنها حرب منخفضة الكلفة للوحدة، مرتفعة الكلفة في الاستدامة. والأخطر أن هذا الإنفاق لا ينتج أي قيمة اقتصادية، بل يفعل العكس تماماً. كل ضربة ناجحة لا تضيف إلى الناتج المحلي، بل تخصم منه: تُدمّر أصلاً قائماً، وتعطّل نشاطاً إنتاجياً، وتضيف التزاماً مالياً مستقبلياً لإعادة الإعمار.

بهذا المعنى، فإن الموارد العسكرية في السودان لم تعد تمثل استثماراً في الأمن القومي، بل تحولت إلى شكل من أشكال الاستهلاك التدميري. الأصول التي كان يفترض أن تحمي الدولة تُستخدم الآن داخلها، ضد بنيتها ومجتمعها، ما يحولها من رأس مال سيادي إلى عبء اقتصادي. هذه ليست فقط خسارة في القيمة، بل في الوظيفة: انهيار في الغاية التي من أجلها وُجدت هذه الموارد.

لكن الخسارة الأعمق لا تظهر في الحاضر، بل في المستقبل. وفق تحليلات البنك الدولي حول مفهوم “الثروة بين الأجيال”، فإن إدارة الموارد الوطنية يجب أن تراعي حق الأجيال القادمة فيها. ما يحدث في السودان هو العكس تماماً: استهلاك مزدوج للزمن، حيث تُستنزف موارد الحاضر، ويُصادَر في الوقت نفسه حق المستقبل. كل مليار دولار يُنفق على الحرب اليوم هو تحويل مباشر من حساب لم يُفتح بعد: تعليم لن يحدث، صحة لن تُبنى، نمو لن يتحقق.

وإذا كانت النماذج الاقتصادية، كما بيّن غاري بيكر، تؤكد أن تآكل رأس المال البشري يخلّف آثاراً طويلة الأمد، فإن النزوح الواسع، وتعطّل التعليم، وتفكك المؤسسات، تعني أن كلفة الحرب في السودان لن تتوقف عند حدودها الزمنية، بل ستستمر كفجوة إنتاجية تمتد لعقود. عند جمع هذه الخسائر مع الإنفاق العسكري المباشر—المقدّر بين 2 و4 مليارات دولار سنوياً—والخسائر الاقتصادية الكلية التي قد تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، فإن الكلفة التراكمية خلال سنوات قليلة قد تتجاوز 200 مليار دولار. ومع ذلك، يبقى هذا الرقم أقل من الحقيقة، لأنه لا يحتسب ما لا يمكن قياسه: فقدان الثقة، انهيار التماسك الاجتماعي، وتآكل القيمة الإنسانية.

في هذا السياق، يصبح من الواضح أن الحرب لم تعد فقط مكلفة، بل أصبحت مُنتجة لحوافز الاستمرار. اقتصاد الظل، شبكات التهريب، السيطرة على الموارد—كلها تشكل بنية اقتصادية بديلة تمنح أطراف الصراع أسباباً إضافية للبقاء داخل هذا النظام. هنا يتجسد “فخّ الصراع” بأوضح صوره: حين يصبح الخروج من الحرب مكلفاً سياسياً واقتصادياً على المدى القصير، رغم أنه الخيار الأقل كلفة على المدى الطويل.

وقد أشار جون ماينارد كينز في The Economic Consequences of the Peace إلى أن تجاهل الكلفة الاقتصادية للنزاعات لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى أزمات أكثر عمقاً. لكن ما يواجهه السودان اليوم يتجاوز هذا التحذير: إنه اقتصاد تكيّف مع الحرب، وأعاد تعريف الخسارة كجزء من توازنه الداخلي.

ومع ذلك، تظل الأرقام—على دقتها—قاصرة عن الإحاطة بالمأساة الكاملة. تقارير الأمم المتحدة، إلى جانب ما وثقته هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، تشير إلى انتهاكات واسعة النطاق وتدمير ممنهج للبنية المدنية. هذه ليست مجرد تكلفة خارج الحسابات، بل هي الكلفة التي تفقد الأرقام معناها.

في النهاية، إذا كان الاقتصاد يجيد شيئاً، فهو كشف التناقضات. كيف يمكن تبرير إنفاق مليارات الدولارات سنوياً على أدوات قتال تُستخدم داخل المدن، بينما يُحرم ملايين الأطفال من التعليم؟ كيف يمكن الدفاع عن استنزاف موارد سيادية في صراع داخلي، بينما تتآكل مقومات الدولة نفسها؟ وكيف يمكن لنظام اقتصادي أن يستمر في إنتاج الخسارة دون أن ينهار؟

في السودان، لم تعد الحرب مجرد حدث، بل أصبحت نموذجاً. نموذج لا يُنتج، بل يستنزف؛ لا يبني، بل يعيد توزيع الدمار. وكسر هذا النموذج لا يتطلب فقط قراراً سياسياً بوقف القتال، بل تحولاً أعمق: إعادة تعريف ما يُعتبر “مصلحة اقتصادية”، وإعادة توجيه الموارد من منطق الاستنزاف إلى منطق الإنتاج.

لأن السؤال الحقيقي لم يعد كم خسر السودان، بل كيف سمح لنفسه—وهو يرى الأرقام بوضوح—أن يستمر في دفع ثمن يعرف مسبقاً أنه لا يمكن تحمّله.

وفي ختام هذا المسار الذي يكشف كيف تحوّلت الحرب إلى اقتصاد قائم بذاته، يصبح من الضروري التفكير خارج الأطر التقليدية التي أثبتت محدوديتها. فالسودان لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار، بل إلى ما يمكن تسميته—بمنهج اقتصادي خالص—“صفقة سودانية داخلية” تعيد تعريف الحوافز نفسها التي أبقت الصراع مستمراً. صفقة لا تُبنى على توازنات القوة العسكرية، بل على إعادة توزيع المنافع الاقتصادية بشكل يجعل السلام أكثر ربحاً من الحرب، ويحوّل الفاعلين من مستفيدين من الاستنزاف إلى شركاء في الإنتاج.

هذه المقاربة ليست مثالية، بل واقعية بامتياز: إذ إن تفكيك اقتصاد الحرب يتطلب خلق بديل اقتصادي قابل للحياة، يعيد دمج الموارد والشبكات التي نشأت داخل الصراع في إطار مشروع وطني منتج. وهنا يمكن الاسترشاد—دون استنساخ—بتجارب دول خرجت من فخاخ مشابهة، حيث لم يكن السلام نتيجة حسم، بل نتيجة إعادة تصميم الاقتصاد السياسي للنزاع، بحيث يصبح الاستمرار فيه عبئاً لا ميزة.

لكن خصوصية الحالة السودانية تفرض ما هو أبعد من الاقتباس: تفرض الابتكار. وهذا يفتح الباب أمام مسؤولية جديدة تقع على عاتق المفكرين والاقتصاديين وصنّاع الرأي، ليس فقط في توصيف الأزمة، بل في ابتكار أدوات جديدة للحل—أدوات تنطلق من فهم عميق لاقتصاد الصراع، وتُخاطب جذوره لا مظاهره.

إن السودان اليوم لا يرزح فقط تحت وطأة حرب، بل داخل فخّ معقّد من الحوافز الاقتصادية المختلّة. والخروج من هذا الفخ لن يكون بقرار واحد، بل برؤية جديدة تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والموارد والمجتمع. رؤية تُدرك أن السلام ليس شعاراً أخلاقياً فحسب، بل هو—في جوهره—أذكى استثمار اقتصادي ممكن.

وحين يُعاد طرح السؤال بهذه الطريقة، قد لا يكون التحدي هو كيف نوقف الحرب، بل كيف نصنع سلاماً يُقنع الجميع—بالأرقام قبل الشعارات—أنه الخيار الوحيد القابل للاستمرار.

المراجع (توثيق إرشادي):

كوليير، بول. المليار الأدنى: لماذا تفشل الدول الأشد فقراً.

كينز، جون ماينارد. الآثار الاقتصادية للسلام.

البنك الدولي. تغير ثروة الأمم (2021)؛ وتقارير الهشاشة والصراع.

صندوق النقد الدولي. تقارير الدول الهشة (2023–2024).

معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). تقارير الإنفاق العسكري وأنظمة الطائرات المسيّرة.

المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS). التوازن العسكري (2023–2024).

الأمم المتحدة. تقارير الوضع الإنساني في السودان.

هيومن رايتس ووتش. تقارير النزاع في السودان.

منظمة العفو الدولية. تقارير حقوق الإنسان في السودان

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في الفصل الخامس “المفاهيم المؤسسة لعمليات صنع السلام والحفاظ عليه” من كتاب نورالدين ساتي

وعيٌ يصنع السلام: قراءة نقدية في الفصل الخامس “المفاهيم المؤسسة لعمليات صنع السلام والحفاظ عليه” …