فشل الحكم العسكري في إدارة المجتمع- أم درمان نموذجاً لإفلاس “منطق البندقية”

زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com

لم يكن حراك أم درمان الأخير مجرد ذكرى عابرة لثورة مختطفة، بل كان إعلاناً صريحاً عن سقوط ورقة التوت عن ادعاءات السلطة العسكرية بتمثيل “الاستقرار”. ففي مدينة تمزقها أحشاء الحرب، خرج المواطنون بصدور
عارية ليواجهوا حقيقة هيكلية واحدة؛ وهي أن العقلية التي تدير الدولة حالياً لا تملك سوى “الأمن” كأداة وحيدة للتعامل مع تعقيدات المجتمع، وهو ما يمثل الفشل الذريع في أبسط قواعد الحكم والإدارة.
منذ اللحظة التي قررت فيها المؤسسة العسكرية احتكار القرار، أعادت تعريف السياسة بوصفها “خيانة”، والشارع بوصفه “خلايا نائمة”. وحراك أم درمان كشف أن هذا الحكم يرى في المواطن مشروع مشكلة يجب تصفيتها، لا شريكاً يجب الاستماع إليه
إن الرد بالغاز المسيل للدموع والقمع على مطالب سلمية في ذروة أزمة وطنية وجودية، ليس مجرد إجراء أمني ظرفي، بل هو عقيدة حكم فاشلة تعجز عن إنتاج أي خطاب مدني، فتلجأ لغريزة القمع الفطرية كلما عجزت عن تقديم الحلول
ويصر الجيش اليوم على مخاطبة مجتمع أعزل بلغة “التعليمات”، متناسياً أن القوة العسكرية وإن حسمت معارك الميدان، فهي عاجزة تماماً عن إنتاج شرعية حكم أو صياغة عقد اجتماعي مستدام. إن ما جرى في أم درمان يفضح حدود الرهان العسكري
فلا يمكن إدارة بلد يتفتت عبر “غرف العمليات” وخطابات “الصبر الاستراتيجي” الجوفاء التي لا تقدم أفقاً للنجاة، بل تراكِم الغضب وتعمق الفجوة بين المؤسسة وبين المجتمع الذي تدعي حمايته
إن السلطة العسكرية، بإنكارها للطابع الاجتماعي الواسع لهذا الحراك، تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع الشعب، ويتجسد هذا الفشل في العجز عن تقديم إجابات لأسئلة وجودية يهرب منها الجنرالات- إلى متى ستظل الحرب هي الأفق الوحيد؟
وما هو شكل الحكم الذي سيعقب هذا الخراب؟ ومن الذي يمنحكم التفويض لتقرير مصير جيل بأكمله؟ في غياب هذه الإجابات، يتحول كل هتاف في زقاق ضيق إلى فضيحة سياسية لسلطة تخشى الكلمة أكثر مما تخشى الرصاص.
لقد دمر حراك أم درمان السردية الرسمية التي تحاول تصوير الجيش كـ “منقذ وحيد”. فالمنقذ الحقيقي لا يقابل الجوعى والمفجوعين بالترهيب، ولا يترك المدن بلا خدمات أساسية بينما يسخر كل موارد الدولة لآلة القمع والسيطرة
ما يطلبه الناس ليس معجزات، بل إنهاء عسكرة المجال العام والعودة إلى مسار مدني يحترم كرامة الإنسان وحقه في التعبير عن مصيره بعيداً عن فوهات البنادق
إن الرسالة التي لم تستوعبها السلطة بعد هي أن الوطن ليس ثكنة، والمواطنين ليسوا جنوداً في طابور الصباح
حراك أم درمان أثبت أن شرعية إدارة المجتمع لا تُنتزع بـ “التفويض الموهوم” أو بقوة السلاح، بل بقدرة الحكم على الاستجابة لتطلعات الناس. لقد خرج الشارع بلا سلاح، وردت السلطة بعنف المعارك

  • وهذا هو الدليل القاطع على فشل الحكم العسكري؛ فالسلطة التي ترتجف من هتاف سلمي هي سلطة تدرك في قرارة نفسها أنها تحكم بالقهر، لا بالرضا، وبالبندقية لا بالسياسة

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

بين الأمس وبكرة – الحزب الشيوعي السوداني.. الرسالة تمت ولا الحكاية يادوب بدت؟

زهير عثمانzuhair.osman@aol.com ثمانين سنة في “سكة” السياسة السودانية ما رقم ساهل ولا كلام ساكت , …