aloomar@gmail.com
كما الاعتراف سيد الأدلة في الدفوعات القضائية هو بمثابة التشخيص في علاج المعضلات السياسية. أكبر العقد في تفاقم المسألة السورية الحالية تتجسد في رفض اعتراف النظام بوجود أزمة سياسية. صلف النظام يدفع به لجهة رفض الإقرار بنهوض معارضة تنادي بمطالب مشروعة من شأن تلبيتها تحقيق تقدم في مسيرة الشعب والوطن.
لا مهرب من الاعتراف بالانزلاق إلى أتون أزمة اقتصادية. الذهاب على طريق الإنكار يفضي إلى استفحال الأزمة وإطباقها. الإقرار بها يستدعي بالضرورة استنفار أصحاب الكفاءات لإيجاد حلول عاجلة ناجعة بغية كبح التداعيات أولاً ومن ثم بلورة العلاجات الحاسمة لجذورها.
هذا جهد لا ينبغي بل لا يمكن حصره داخل دائرة المؤتمر الوطني وحده. الأفضل استدعاء الاختصاصيين من أبناء الشعب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار من داخل الوطن وخارجه.
تقديم الولاءات على الكفاءات أحد جذور الأزمة. التقاعس حين يتعلق الأمر بأقوات الشعب حجة باطلة تهبط أخلاقياً إلى مستوى الجريمة. قصور الرؤى والمكابرة تدفع الوطن لجهة هاوية بلا قرار.
الأزمة ليست فجائية إذ حذر من دنوها تكنوقراط وسياسيون قبل سنين عدة. البعض داخل المؤتمر لم ير في التحذيرات أكثر من المكايدة السياسية الممجوجة. البعض أخذها على محمل الجد غير أنه عاجز عن فرض بنيتها داخل دائرة صنع القرار الضيقة.
كما الأزمة لم تكن فجائية فإن ملامحها لم تكن خافية. التحذيرات في شأنها لم تكن خافتة أو متأخرة. منذ عهد ارتفعت أصوات تحذر من مغبة انشغال الدولة بالانقسام الرأسي فقط على خارطة الوطن مع إهمال الانقسامات الأفقية الحادة داخل المجتمع. هذه الانقسامات ظلت تعكس الاختلالات الفادحة في معالجة الشأن الاقتصادي.
حبر غزير جرى سكبه في مسألة النزوح القسري الجماعي من مناطق أضحت بؤراً طاردة بدوافع تتباين في التضاعيف وتتشابه في النسق العام. التحذيرات لم تركز فقط على تفريغ مناطق بعينها من قواها الانتاجية بل أشارت إلى الأعباء المتراكمة على بنى تحتية هزيلة في مدن محدودة. عوضاً عن المحاولات الفجة وسط النازحين طالب حكماء بالتركيز على جذور القضايا في البؤر الطاردة. خبراء حذروا من تجاهل تردي الشروط الصحية الملازمة لظاهرة النزوح الجماعي القسري.
ملامح الأزمة لم تكن خافية. شبكات الخدمات في المدن المحدودة تتعرض إلى أحمال فوق هزالها. البطالة تتكدس. مساحات الفقر تنداح. إيقاع الإعمار العشوائي يتصاعد بالتزامن مع اتساع رقعة أحزمة المهمشين حول مدن بعينها فتضيق فرص العيش الكريم والحياة الخلاقة. ذلك مشهد لم يكن يتطلب التحديق ملياً أو التأمل إذ هو واضح لكل مبصر.
تكنوقراط وسياسيون محترفون وهواة شددوا في التحذير من مغبة رهن الدخل القومي إلى صنبور النفط. اقتصاديون شددوا في التحريض ضد تهميش قطاع الزراعة وإهمال بناه. هؤلاء أكدوا على أهمية استثمار عائدات النفط العابرة في القطاع الزراعي الباقي بحقليه النباتي والحيواني.
نصائح عديدة صدرت في شأن تعجيل نفض الغبار عن مرافق السياحة المهملة عمداً وضخ الدم في عروقها الميبسة مع سبق الإصرار. خبراء حذروا مبكراً من تداعيات انفصال الجنوب عن الشمال ونصحوا بتحرير العملة وربطها فقط بمعادلة العرض والطلب.
ملامح الأزمة لم تكن خافية. ما أكثر الكلام المسكوب في شأن ظاهرة الاقتصاد الطفيلي المستفحلة وما صاحبها من شريحة فاسدة مفسدة. منذ عهد بعيد تحدث اختصاصيون مطالبين بتقليص الإنفاق الحكومي.
الأزمة ليست فجائية فدخول الشمال نفقاً ضيقاً عقب الانفصال لم يكن احتمالاً بل يقيناً في حسابات الخبراء المحترفين والهواة. ذلك حديث بدأ مع دخول اتفاق نيفاشا حيز التنفيذ. مع كل عقبة برزت إبان المرحلة الانتقالية ارتفعت أصوات وطنية تنادي بتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصلحة الحزبية الضيقة.
مع كل دعوة يتمترس غلاة متطرفون خلف شعار فليذهب الجنوب وليبق النظام. انقسام ثلث الوطن أضاع أكثر من ثلثي عائدات النقد الأجنبي. تحت غشاوة السلطة والثروة النافدتين فقد هؤلاء القدرة على القراءة في دفتر أحوال الغد. تلك نظرة عمشاء إلى مفهوم دور الدولة في التنمية. بعض القابضين على مفاصل ماكينة صنع القرار عجزوا عن إدارة عملية التحديث ونشر مظلة الخدمات وتحقيق العدالة في مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
الأزمة ليست فجائية. إذ هي وليد شرعي لغياب آليات الديمقراطية الكفيلة بمداواة الصراعات المناطقية والإثنية. هي نتاج حتمي في وضع يحجب ممارسات الشفافية والمساءلة. هي بنت الانغلاق حتى على الذات والمكابرة حد رفض العمل بالنصائح.
الأزمة لم تأت على نحو فجائي إذ بانت ملامحها في الاشتباك الداخلي مع تدافع قوى خارجية تكالبت في صراع محموم على الموارد المحلية مع تصاعد سعار العولمة.
السودان نموذج صارخ لتكالب الدول والشركات على موارده في مرحلة انجاز السلام الوطني. النفط فتح شهية دول وشركات متعطشة فألهب صراع الفرقاء السياسيين السودانيين. تلك حالة ليست استثنائية في إفريقيا. فمثلها حدث ويحدث في انغولا وتشاد ونيجيريا. المعالجة الاقتصادية تتطلب جرأة سياسية تقتضي الاعتراف بوجود أزمة والإقرار بأهمية الاستنفار الجماعي والإصغاء للآراء المغايرة للنهج الحكومي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم