فقه مواكب الردع: دا تضرببو ودا .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
16 يناير, 2019
د.عبد الله علي ابراهيم, منبر الرأي
161 زيارة
لو كان لعمر البشير شعرة من يقين الدين الذي “يتدراق” به في محافل “الردع” لراعته فدائية لشباب الذين غمروا مدن السودان حتى لو طلبوا الخلاص منه. ففي خطابه في “موكب الردع” بالساحة الخضراء تعزى بجهاد شباب الإسلاميين واستشهادهم للحق في الغابة. ولو تأمل وفكر كما ينبغي لرجل في سنه ومسؤولياته لما فرز بين الجماعتين من الشباب. فكلاهما مقطوع من قماشة شعب تربى في طلب الحق مهما كان رأينا فيه.
وأضرب لكم مثلاً: كنت مدعواً للحديث في مسألة الهوية في جامعة القرآن الكريم. وبعد نهاية الندوة جلست في غرفة صغيرة بمثابة المدخل إلى قاعة المحاضرة. ولما نظرت للحائط الذي أمامي وجدت معلقاً عليها قائمة تعج بصفوف من شهداء الجامعة في الغابة الجنوبية. وهالني ذلك العدد الغزير لقي ربه من جامعة واحدة. وساءني أن وجدت أنهم رصوا كنبة عند الحائط غطت الجزء الأسفل من القائمة. وتميزت غيظاً على الإزراء بشهداء حق لم اتفق معهم فيه. وتحدثت إلى مسؤول قلت له:” يا فلان استشهد من على هذه القائمة رحمهم الله لقضية لم تتفق لي. ولكن لا أحتكر الحق ومن مات في سبيل حق اتفق له فهو عندي شهيد واجب التكريم. وحجبكم أسفل القائمة هكذا فيه استهانة، إن لم اقل تدنيس، لخدمة هؤلاء الشباب للإسلام كما دعوتموهم”. وآمل من الله إلا تكون مؤسسة الشهيد في الدولة ما تزال تحسن إلى أيتامهم وأراملهم والوالدين.
من العيب على البشير أن يظل يعير شباب الشارع ب”التخريب” لوقائع جرت في أيام الثورة الأولى لم تخل منها هبة احتجاج عندنا أو عند غيرنا. أسأل لوس أنجلس وفيرغسون والعدد في الليمون. فمثل هذا الاعتداء الموجه إلى رموز النظام ومرتاحيه بمثابة قدح لشرارة الغضب والثورة.
ومن المؤسف أن طائفة من الكتاب الموالين للنظام عابوا الشباب على إشعال النار في مبان وسيارت حكومية بما وصفوه خروجاً على الخلق السوداني كما تجلى في خلو ثورتي أكتوبر 1964 وإبريل 1985 منه. وكذباً كاذب. فانقدحت كلا الثورتين بشرار تلظى غاب عن كتاب الحيرة هؤلاء. فبعد العودة من موكب تشييع الشهيد القرشي يوم 22 أكتوبر 1964 جرى “تخريب” لرموز الحياة الغربية في الخرطوم وطال ما أعتقده الناس رموزاً للنظام. فأشعل متظاهرون النار في صالة ملهى غردون التي في نهاية السوق الأفرنجي على شارع الجامعة احتلت “كايرو جلابية” مكانها في وقت مـاخر. وزادوا بأن أحرقوا بار بريطانيا العظمي على شارع القصر ومحلات لامعة على جهته. وهاجم آخرون مبنى جريدة الرأي العام متهمة بميولها مع نظام عبود. وحطم المتظاهرون سيارات على طول شارع الجمهورية وأحسنوا التدريب على حريقها خلال العملية نفسها. وتواصل حريق البارات في الخرطوم وغيرها من المدن ليتضح أنه كان عملاً منظماً من جماعات إسلامية استنكرت طويلاً استمرار وجود البارات وحَلّال البغاء بعد استقلالنا وامتلاكنا لقرارنا الأخلاقي.
ولم تخل ثورة أبريل 1985 من التخريب أيضاً. فانتهت مظاهرة بدأها طلاب الجامعة الإسلامية، وتعززت بآخرين، إلى حريق مكاتب جمعية ود نميري التعاونية بأم درمان. وهاجم متظاهرون آخرون مباني الاتحاد الاشتراكي، وهشموا واجهات فندق مريديان وآراك والخطوط الجوية الفرنسية، وأضرموا النار في ثلاث محطات بنزين وعدد من السيارات.
وسبق الاتحاد الاشتراكي البشير في كل حرف مما يجتره الآن في “مواكب ردعه”. وكأنه يقرأ صفحة من كتابهم الوضيع. فوصف الاتحاد الاشتراكي المظاهرات بالشغب والتخريب للمنشآت العامة وممتلكات المواطنين. واتهم الإخوان المسلمين والشيوعيين بالتحريض عليها ليقوم بها “المشردون والمتبطلون والفلاتة”. وأعلنت السلطات أنها قبضت وكراً لمجموعة من المخربين بجامعة الخرطوم تقوم بطباعة المنشورات بأجهزة مكتملة.
ولم يفط البشير سطراً من خطابات موكب ردع نظام نميري صعوداً إلى التعذر عن الغلاء بكيد العالم ورد كيد المتظاهرين إلى نحرهم. ففي موكب الردع الاشتراكي خاطب الرشيد الطاهر، وزير العدل، الحضور مبرراً الغلاء في البلاد بالظروف التي يمر بها الاقتصاد العالمي. وخطب اللواء بابكر عبد الرحيم، الأمين العام بالنيابة للاتحاد الاشتراكي، مؤكداً أن جماهير حزبه قادرة على الرد الحاسم على كل معتد في كل زمان ومكان، ولن تسمح بأية تنظيمات أخرى موازية للاتحاد الاشتراكي.
وإغراء أن استشهد بعبارة عربية ذائعة بعد التعديل لا يقاوم: “وهل غادر الديكتاتوريون من متردم”.
وسنتناول في كلمة قادمة ما وجب على البشير أن يراع له من شباب الشارع حتى طالبوا بتنحيته على ضوء مفهوم لغاندي هو “الساتياقراها Satyagraha أي الإصرار على الحق.
جريدة الأيام تحمل تصريحات نميري من واشنطون عن ثورة إبريل 1985وعليها المانشتات:
نميري من واشنطون: المؤامرة بالسودان دبرها العقائديون وتدعمها ليبيا
المسئولون ومؤسسات الثورة وأجهزتها قادرون على التصدي للموقف بالقوة والحكمة
IbrahimA@missouri.edu