“فلتُرق كل الدماء”… عقيدة حرب تعمل بكفاءة

نزار عثمان السمندل

إصرارٌ يجرّ البلاد إلى الهاوية. هكذا يبدو المشهد السوداني اليوم: حربٌ تتقدّم كقدر مكتوب، ودولة تتراجع كظلٍّ مذعور. اتسعت رقعة الانهيار منذ سقوط دارفور كلّها بيد مليشيا الدعم السريع أواخر أكتوبر، ثم انسحاب الجيش من بابنوسة، وصولاً إلى فقدان حقول النفط في هجليج. وعلى خطوط النار تغيّر ميزان القوة، فيما ظلّ الجنرالات على ضفة واحدة: ضفة الحرب، مهما كان الثمن، ومهما بدا الانهيار قريبا. على وقع شعار الكيزان الأثير “فلترق كل الدماء”.

عشرات الآلاف قضوا قتلى، ونحو خمسة عشر مليونا تشتتوا نازحين ولاجئين، واقتصاد ينزف بلا توقف، واليد فوق الزناد مصيرٌ لا يُرتجف.

الجيش الذي أعرض عن أكثر من أربع عشرة مبادرة أُرسلت إليه كقوارب نجاة، صار بعض قادته وجنوده يبحثون عن مأوى. في كل انسحاب تتدفق موجة نزوح جديدة، وفي كل مدينة يُخليها الجنود تتعقّد فصول المأساة. آخر تلك الفصول مشهد الضباط والجنود وهم يعبرون حدود جنوب السودان بحثاً عن أمانٍ ضائع.

فكرة إطالة الحرب ليست سوء تقدير، بقدر ما هي عقيدة راسخة في بنية السلطة التي تتحكم فيها قيادة الجيش والحركة الإسلامية. أي مسار سلام جاد يعني إصلاحاً أمنياً موجعاً، وفتح ملفات يخشونها، وتفكيكاً لقبضة تمتدّ من السياسة إلى المال وميادين الرماية. لذلك تُرفع راية “الحسم العسكري” كأنها آخر أوراق حكمٍ يدرك أنه يقاتل الزمن أكثر مما يقاتل خصومه.

خطاب “الحفاظ على السيادة” صيغ بعناية ليصبح ستاراً يموّه الحرب ويجمّلها، ويخفي سلسلة متواصلة من الجرائم والانتهاكات. في الخلفية، تحالف واسع يجمع جنرالات وكتائب وحركات، يعمل بلا كلل لإقناع الداخل والخارج بأن الحرب قدرٌ إلهي، وأن البديل مؤامرة دولية.

في الظل، يتقدّم البرهان في لعبة محفوفة بالمخاطر: مقايضة الامتيازات التعدينية، خصوصاً الذهب، مقابل أنظمة دفاع جوي متطورة تُطلب من موسكو. محاولة يائسة لقلب ميزان القوة في لحظة تتآكل فيها قدرة الجيش على التحكم بالجبهات، رغم التحذيرات المتكررة بأن السلاح لا ينقذ مؤسسة تتصدع من الداخل.

تقارير “أخبار الدفاع” تحدثت عن محادثات تشمل منظومات “إس 300 بي إم يو 2 فافوريت”، و”إس 350 فيتياز”، و”بوك إم2إي”، و”بانتسير إس1”. أوراق تقنية لامعة، لكن واقع الأرض أكثر قسوة.
خبراء عسكريون يؤكدون أن المعضلة ليست في نوعية السلاح، بل في غياب القيادة والسيطرة، وتشتت المجموعات المتحالفة مع الجيش وتناقض أهدافها. بنية الجيش مُحطمة منذ انقلاب 1989، والأضرار طالت الأفراد والمعدات والمعنويات معا. هذا جيش منهك، وقيادته سقيمة، وأياديها التي تُحارب مرتعشة.
استمرار الحرب يعني مزيداً من الانهيار، وربما لحظة يتلاشى فيها مفهوم الجيش نفسه.

مسار المبادرات الدولية منذ اندلاع القتال في أبريل 2023 يقدّم دلالة أعمق: الرفض المتكرر ليس موقفاً سيادياً، هو امتداد لذهنية ترى في الحرب وسيلة للعودة للحكم، وتخشى من لحظة تُفتح فيها ملفات الانتهاكات وجرائم الحرب، أو يُفرض فيها انتقال سياسي يُطيح بالنظام القديم الوالغ في الدم. تعدد المبادرات جزء من حساب مدروس؛ وتشظّيه متعمّد لكي يُفقد كل مبادرة زخمها قبل أن تتحوّل إلى مسار مُلزم.

الصورة اليوم أكثر قتامة: هزائم متتابعة، مبادرات تُرفض، وجيش يقاتل فوق أرض تتآكل من تحته.
الحسم العسكري غدا وهماً معلّقاً في الهواء، فيما المأساة تتسع، والبلاد تُساق، مرة بعد مرة، نحو الحافة ذاتها.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

إرث الكيزان: البندقية في وجه الجميع

إرث الكيزان: البندقية في وجه الجميعفي مواجهة خطاب يشرعن اغتيال خالد سلكنزار عثمان السمندل لغةُ …