فلسفة التعليم (4/7)

التعليم (4)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
جان جاك روسو (Rousseau)
لو كنا ندرس تاريخ التعليم، لكان من الغريب ومن العجب العجاب أن نتجاهل العصر المسيحي المبكر والعصور الوسطى بأكملها. ولكننا نبحث عن أسئلة ونبحث عن أفكار نشأت وترعرعت في الفكر الفلسفي ولا تزال تُثير فضولنا أو ما زالت تُقلقنا حتى أيامنا الحاليات. وتندرج بعض أفكار جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau) التربوية أو التعليمية (1712-1778) بالتأكيد ضمن هذه الفئة أو ضمن هذه العينة.
وغالباً ما يُشار إلى روسو على أنه فيلسوف “الحرية”، لماذا؟ لأنه بدأ، وكأنه يمجد الحالة الطبيعية أو تلك البدائية للبشر على الحالة المتحضرة. وفي الطبيعة، دائماً يكون البشر -مثل الحيوانات- أحراراً من ضغوط ومن فساد الدولة السياسية.
في الواقع، قد لعبت آراء روسو حول الطبيعة وحول الطبيعي دوراً محورياً ودوراً هاماً في فلسفته. لقد اعتقد أن “الإنسان” وُلد حراً ووُلد صالحاً نبيلاً، ويمكن أن يظل كذلك وهكذا في حالة طبيعية مثالية طوال الزمان. وإن الاضطرار إلى العيش مع الآخرين وتلبية احتياجاتهم يكون بمثابة بداية عملية “فساد” في الإنسان، تبلغ ذروتها وتصل قمتها في المجتمع المميز لزمان روسو.
وفي الفلسفة الاجتماعية، يُنسب إلى روسو العمل الأساسي والمثير للإعجاب في “نظرية العقد الاجتماعي”. وعلى الجانب السلبي، يتم انتقاده وانتقاد جميع العقديين لترويجهم لأسطورة الفرد ما قبل الاجتماعي. ويقول النقاد (مثل أتباع نظرية الجماعة المعاصرة، وأتباع أرسطو، وأتباع جون ديوي) إنه من السخافة افتراض وجود أفراد حقيقيين -أشخاص يتمتعون بالقدرة العقلانية على إبرام العقود- قبل وجود مجتمعات وقبل وجود نواة ثقافية راسخة.
ومع ذلك، فقد أقرّ روسو بأن البحث عن حالة طبيعية مثالية لا يعدو أن يكون مجرد تجربة فكرية أو تجربة نظرية، ولكنها غير عملية بصورة حرفية. فقد عرف وأدرك أن البشر لا يستطيعون بلوغ أقصى إمكاناتهم كحيوانات برية. لقد اجتهد ساعياً إلى حالة حضارية تُحسّن الاعتماد على الذات، والرحمة، والواجب المدني، وحب الطبيعة، والتواصل مع الله. وكانت تتركز محاولاته في محاولته من أجل الموازنة بين احتياجات العيش المشترك وبين متطلبات تحقيق الذات.
مع وضع هذا المشروع الفلسفي في الاعتبار، كان على روسو التفكير في التعليم، وكيف ينبغي تعليم الناس للحفاظ على فطرتهم السليمة وعلى غرس شعور إيجابي بالمسؤولية المدنية؟ وعند دراسة برنامج روسو التعليمي، يجب أن نتوقف عن استخدام لغة محايدة بين الجنسين لوصف “الإنسان” ولوصف “الناس”، فقد أوصى روسو بتعليم مختلف تماماً للبنين وآخر مختلف تماماً للبنات.
ومعظم ما نعتبره اليوم مساهمات روسو في التعليم التقدمي كان موجهاً نحو التعليم الذي يؤمن بالحرية للذكور دون الإناث. مع ذلك، وللإنصاف، تجدر الإشارة إلى أنه كان يعتقد أن كلا الموقفين -حرية الذكور والإكراه المحمي للإناث- ضروريان ومبرران لأنهما “طبيعيان”.
وقد اعتقد روسو أن كلا الموقفين متوافقان مع الطبيعة الجوهرية للكائنات قيد المناقشة، وهذا الاعتماد على مفهوم الطبيعة هو ما يحفظ فلسفته التعليمية من التناقض، وليس من عدم العدل أن نقول عنه أنه “فيلسوف الحرية”.
وقد وصف روسو تعليم الرجال الأحرار في روايته “إميل” (تربية الطفل من المهد الي الرشد). ولأنه كان يؤمن بأن الأطفال صالحون بطبيعتهم، أراد روسو أن يُربى إميل (Emile) (ننصح بقراءة رواية إميل) ويُعلّمه بأقل قدر ممكن من القيود. ولم يكن من الضروري إخضاع “إميل” لتعليم أخلاقي صارم؛ فهو صالح بالفعل، ومهمة معلميه هي الحفاظ على هذا الصلاح مع تسهيل نمو مختلف الكفاءات اللازمة للحياة البالغة.
وكان يعتقد أن البيئة الريفية أفضل بكثير من البيئة الحضرية، وذلك لأن فساد الآخرين يمكن الحد منه. ولم يكن من المفترض أن يُجبر “إميل” على التفكير المجرد أو التعلّم من الكتب في مراحله المبكرة، بل كان علي إميل أن يتعلم وفقاً لاهتماماته الخاصة ومن خلال التجربة العملية.
وقد كانت الحواس وكانت المشاعر هي الأساس؛ وكان الفكر والتجريد في خدمتهما. وقد تطلب تعليم إميل حساسية فائقة من معلمه أو من مدرسه. ولم يكن على المعلم أن يفرض أهدافه التعليمية على إميل، بل كان عليه أن يُسهّل عليه استفساراته وتساؤلاته. وهذا يعني أن على المعلم أن يتوقع إلى أين قد تقود اهتمامات “إميل”، وأن يكون مستعداً لتوجيهه في اتجاه سليم. وسوف نرى أصداء هذا الرأي في أعمال الفيلسوف العظيم جون ديوي.
وإذا كنت طالباً في مجال التعليم ولو لفترة قصيرة، فقد تبدو هذه الأفكار مألوفة لك، نعم قد تكون مألوفة لك. ففي عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت، كانت هناك حركة تعليمية تُسمى “التعليم المفتوح”. وقد أوصت هذه الحركة، أيضاً، ببناء التعليم على اهتمامات الأطفال وعلى منحهم الكثير من الخبرة العملية. وأكدت على الفعل وأكدت على الشعور وأكدت على الملاحظة، وقللت من أهمية الدروس الرسمية.
ولا يزال هذا التعليم المفتوح ذا أهمية عظيمة للمعلمين وللمدرسين، وخاصةً للفلاسفة وللمؤرخين التربويين التعليميين. ودائماً يبحث المؤرخون في صعود وفي سقوط الحركات التعليمية و”الإصلاحات”. ولماذا تستمر بعض الأفكار، كأفكار أو كفكرة روسو، في التكرار؟ هل تحدث الإصلاحات التعليمية في شكل دورات؟ هل يجب أن تحدث في دورات، أم أن هناك طريقة لتجنب التقلبات الأيديولوجية؟ يدرس الفلاسفة المفاهيم الرئيسية أو الأساسية، باحثين عن أوجه التشابه وعن أوجه الاختلاف بين المظاهر القديمة وتلك الجديدة للأفكار الدائمة.
تجد بعض أفكار روسو صدىً في كتابات عالم النفس والمربي أ. س. نيل (A. S. Neill. Neill) ، الذي عاش وفكر في القرن العشرين. وقد أصرّ “نيل” أيضاً على أن الأطفال طيبون بطبيعتهم وصالحون، وأن الضغوط هي التي تُجبرهم على النمو بسرعة تُفسدهم.
وأدان “نيل”، على وجه الخصوص، الدروس الرسمية (إلا إذا طلبها الأطفال بنفسهم) وأيضاً أدان التعليم الديني والتعليم الأخلاقي. وفي مدرسته، سمرهيل (Summerhill)، كان للأطفال حرية اللعب الي أن يرتادوا الفصول الدراسية، وكان لهم رأي، أي الأطفال كان لهم راي، في كيفية إدارة المدرسة، باستثناء مسائل السلامة. ولم يكن “لنيل” سوى صوت واحد، مثله مثل الطلاب، فقد كان لكل طالب من طلابه صوت واحد مثله. حتى لو اختلفتَ مع “نيل” في أمور كثيرة، فقد تُعجب بوصيته للمعلمين.. “كونوا في صف الطفل!”.
وعند دراسة أعمال جون ديوي، سنرى بعض أوجه التشابه بين أفكاره التربوية التعليمية وأفكار روسو، ولكننا سنرى أيضاً بعض الاختلافات الرئيسية بينهما. وعلى سبيل المثال، لم يؤمن جون ديوي بأن الأطفال يولدون صالحين جيدين. وكما لم يعتقد، كما يعتقد العديد من المربين الدينيين، أن الأطفال يولدون خاطئين (يحملون الخطيئة معهم الي الخارج وهم يتحررون من رحم أمهاتهم) وهم في أشد الحاجة إلى الخلاص.
بل اعتقد أن الأطفال يولدون مع إمكانية الخير والشر، وأن التعامل مع بيئة تعليمية سليمة أو بيئة تعليمية خاطئة سيوجههم نحو أحدهما أو أحدهما الآخر. ويتمثل التشابه الرئيسي بين توصيات روسو وتوصيات “ديوي” في تركيزهما المشترك على دوافع الطفل الذاتية وفعله المباشر. ودائماً يجدد المربون دورياً حجج روسو وديوي بشأن الأنشطة العملية، وعندما يحدث ذلك، يكون هناك اهتمام عظيم “بالوسائل التعليمية” في الفصل الدراسي.
وقبل أن ننتقل إلى تناوله للفتيات وللنساء، تجدر الإشارة إلى سمة أخرى من سمات فكر روسو التربوي التعليمي. وهي أن روسو قد شدد على أهمية التوقيت في التعليم، فالأطفال يكونون مستعدين في أوقات معينة لتعلم أشياء معينة، وعلى المعلمين مراقبة تلاميذهم باهتمام وبعناية لإتاحة الفرص المناسبة والملائمة لهم. ولا تزال فكرتا الاستعداد والتوقيت ضروريتين ومهمتين حتى اليوم. فإذا كنت قد درست علم النفس التنموي، فأنت تدرك مدى أهمية هذه الأفكار لدى علماء النمو.
وقد كان بعض أبرز دعاة التعليم المفتوح من علماء النمو وبصفتهم من أتباع “جان بياجيه” (Jean Piaget)، فقد اعتقدوا وقد رأوا أن التعلم يجب أن يساعد وأن يخدم النمو. لذلك، يجب على المعلمين معرفة ما يكون طلابهم مستعدين لتعلمه ولتوفير الأنشطة التي تشجع والتي تُحفز النمو.
ويعتقد “بياجيه” تحديداً، أن النمو المعرفي يمر من خلال مراحل، وأن كل مرحلة تتفرد وتتميز ببنية معرفية مميزة ومتفردة. وتعمل هذه البنية الرئيسية أو الأساسية كآلية لاستيعاب المعرفة ولبناء البنى الفرعية. وتتغير هذه البنية -أي تخضع للتكيف وللتأقلم- عندما يواجه الطفل (في سن مناسبة) مواقف إشكالية لا تخضع لتوجيهاته.
ويُركز أتباع ل. س. فيجوتسكي (L. S. Vygotsky) المعاصرون على التفاعل الاجتماعي، كبديل للتفاعل بين الذات والموضوع أو بين الذات وبين المادة، وهو أمرٌ بارزٌ جداً وواضح جداً في أعمال بياجيه (Piaget’s work)، إلا أن مفهومي التوقيت والاستعداد لا يزالان بالغي الأهمية.
وقد أشار فيجوتسكي إلى أن كل وظيفة في النمو الثقافي للأطفال تظهر أولًا على المستوى الاجتماعي؛ أي أن الأطفال يستطيعون ولهم القدرة على أداء مهام معينة في بيئات اجتماعية بمساعدة الآخرين. ثم تظهر هذه الوظائف نفسها لاحقاً على المستوى النفسي، ويمكن لكل طفل تفعيلها. ويُولي مُعلمو الرياضيات، وخاصةً أولئك الذين يتبنون منظور البنائية الاجتماعية، اهتماماً خاصاً بأعمال فيجوتسكي (The work of Vygotsky).
وقد ذهبت مفكرة تربوية تعليمية أخرى باهتمام روسو بالتوقيت إلى أبعد من ذلك. حيث أدركت وعلّمت وعرفت ماريا مونتيسوري (Maria Montessori) أن الأطفال يمرون “بفترات حرجة” يمكن خلالها، بل ويجب، تطوير قدرات معينة أو فقدانها الي الأبد.
وقد كانت مونتيسوري طبيبة وكانت متمرسة في علم وظائف الأعضاء. ومن المرجح أن أفكارها حول الفترات الحرجة استقتها واستلفتها من دراستها لعلم وظائف الأعضاء الحيوانية؛ فالقطط الصغيرة، مثالاً، لن تتطور لديها حاسة البصر نهائياً إذا حُرمت من الضوء خلال الفترة الحرجة والدقيقة لنمو العين.
وبناءً على هذا المثال الفسيولوجي، ذكرت مونتيسوري أن الأطفال قد يفقدون القدرة على التنظيم إذا لم يتم الاهتمام بهذه القدرة ويتم رعايتها من قبل الآباء والمعلمون عند ظهور أولى علاماتها. وينبع إصرارها على وضع جميع الأدوات واستخدامها بشكل صحيح في الفصل الدراسي من هذا الاعتقاد.
واليوم، إما أن معظم المعلمين يتجاهلون وجهة نظر ماريا مونتيسوري حول الفترات الدقيقة أو الفترات الحرجة أو يعدلونها بشكل كبير، لكن الكثيرون يشاركون روسو ومونتيسوري وبياجيه وأيضاً فيجوتسكي اعتقادهم بضرورة التوقيت وأهميته في التعليم وفي التعلم.
باختصار، يبدأ طفل روسو بداية جيدة وسليمة، إذا تلقى تعليماً سليماً وتعليماً مناسباً وسينمو ليصبح بالغاً حراً، وليكون محباً وليصير مسؤولًا. ومن المهم ومن الأهم أن يُسمح له بتوجيه تعليمه بنفسه. وعلى معلمه أن يسهل ويُيسّر له عملية التعليم -أن يوفر له الأدوات المناسبة وأيضاً التجارب المحتملة، وأن يتوقع احتياجاته ومسار نموه، وأن يتجنب أساليب الإكراه التي تُفسد أغلب الأطفال. وتُعدّ رؤية روسو للتعليم، من نواحٍ عديدة، رؤيةً رائعة ومفيدة.
وننتقل لنسأل السؤال التالي.. كيف يجب أن يكون تعليم “صوفي”، نظيرة “إميل”؟ لن أكشف قصتهما لكم كاملة هنا ولا ينبغي على ذلك. لكن عليك أن تعلم -لئلا تغادر هذه الصفحات بحماسة غير نقدية تجاه روسو- أن توصياته لصوفي اختلفت اختلافاً جذرياً عن توصياته لإميل. فبينما تعلّم إميل التفكير بنفسه، تعلّمت صوفي حماية سمعتها واتباع ما يمليه عليها العرف الشائع والسائد. وبينما أُعدّ إميل لحياة عامة مسؤولة، حُبست أو سجنت صوفي في البيت خوفاً عليها، فهي قارورة من القوارير.
ويجب أن يكون تعليم المرأة، بصورة كلية، متناسباً مع تعليم الرجل. إرضاءها، ونفعها، ونيل حبّها وتقديرها، وتربيتها في صغرها، ورعايتها في كبرها، وتقديم النصح والمواساة لها، وجعل حياتها ممتعة وجعلها جذابة، هذه هي واجبات المرأة دائماً وأبداً، ويجب تعليمها إياها منذ نعومة أظفارها. إن امتنعنا أو رفضنا العودة إلى هذا المبدأ، سنحيد عن هدفنا، ولن تُفضي جميع المبادئ التي تُعطى للنساء إلى سعادتهن أو سعادتنا.
يناقش ويجادل البعض بأنه يجب تبرير كراهية روسو للنساء. فهو -كما هو الحال مع الجميع- كان نتاجاً لزمان ولمكان محددين. ولكن رداً على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن روسو كان على دراية بأفلاطون، وكذلك بالكتابات المعاصرة التي اعتبرت المرأة مساوية للرجل ولا تقل عنه بشيء.
علاوة على ذلك، هناك أدلة على أن روسو نفسه كان أكثر سخاءً في تفكيره بشأن المرأة في شبابه مما كان عليه عندما كتب “إميل”. وبصفتكم طلاباً في مجال التعليم، قد تشعرون بمزيد من الدهشة ومن الارتباك عندما تجدون أن معظم نصوص فلسفة التعليم القديمة التي تتناول روسو تتجاهل أو لا تذكر حتى الكتاب الخامس من “إميل”، وهو الكتاب الخاص بصوفي. وقد تم تجاهل تعليم صوفي بشكل شبه كامل حتى وقت قريب وقريب جداً.
…….. نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …