فلسفة “العشم” والبقاء.. كيف ينسج السودانيون من المسغبة خيوط العودة؟

محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com

في ملامح الكادح السوداني ثمة حكاية لا تقرأها الأرقام ولا تحيط بها التقارير الإخبارية؛ إنها فلسفة عميقة تتجاوز مفهوم “البقاء” المادي إلى “الخلود” المعنوي في تفاصيل الأرض. اليوم وبينما تئن البلاد تحت وطأة حربٍ نهشت الأخضر واليابس يبرز الإنسان السوداني بوصفه “فيلسوف الصبر” الذي يرى في الجوع (المسغبة) تطهيراً وفي فقدان الممتلكات تحرراً من ثقل المادة لإعلاء قيمة الروح.
إذا تأملت وجه عامل بسيط في أزقة النزوح أو بائعة شاي تفترش الرصيف في بلاد الشتات ستجد أن التجاعيد ليست علامات هرم بل هي “خارطة طريق” للعودة. هؤلاء الكادحون لا ينظرون إلى السلام كـ “اتفاقية سياسية” توقع بالأقلام بل كـ “طقس اجتماعي” يُستعاد فيه “النفير” و”الديوان” وصوت الأذان في الحلال البعيدة. السلام عندهم هو القدرة على بذر الأرض مرة أخرى حتى لو كانت جيوبهم خاوية.
يعيش السوداني اليوم حالة من “المسغبة” الشريفة؛ فقد خسر بيته الذي بناه “طوبة طوبة”، ومقتنياته التي اختصرت عمره لكنه لم يفقد “عزة النفس” هذه الفلسفة تجعله يبتسم في وجه الغريب ويتقاسم معه “كسرة الخبز” الأخيرة. هو يؤمن أن الممتلكات “عوارض” تذهب وتجيء وأن الوطن هو “الإنسان” لا الجدران هذا التجرد هو الذي يمنحه القوة للتفكير في “الإعمار” قبل أن تضع الحرب أوزارها.
إن سر الصمود السوداني يكمن في فكرة “العودة” التي لا تفارق الخيال الكادح الذي يعمل اليوم في مهن شاقة لا يفعل ذلك ليعيش يومه فحسب بل ليدخر “حلمًا” لإعادة طلاء بيته المنهوب أو لترميم مدرسة القرية هي فلسفة “النبت الشيطاني” الذي يخرج من بين صخور المحنة؛ حيث يصبح الهدم دافعاً للبناء والفقر وقوداً للكرامة.
السوداني لا يبحث عن جدرانه القديمة ليتحسس أثاثه بل ليبحث عن “روحه” التي تركها هناك السلام في منظوره هو “السكينة” التي تتيح له أن يشرب قهوته تحت شجرة “نيم” وارفة دون خوف من أزيز طائرة أو دوي رصاصة العودة للديار هي “حجٌّ أصغر” نحو الذات وإعمارها هو “صلاة” شكرٍ لله على النجاة.
سيظل الكادح السوداني بقميصه المنهك وابتسامته الواثقة الدرس الأهم في فلسفة الأمل إنه يثبت للعالم أن “المسغبة” قد تنهك الجسد لكنها لا تكسر الوجدان وأن الذي بنى حضارة “مروي” و”كوش” من الطين والنور قادر على أن يعيد بناء السودان من بين الركام متسلحاً بيقينٍ لا يتزعزع بأن “الخير باقٍ” وأن الأرض لا تخون من عشقها.

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

تحت ركام الذاكرة… أنتِ نبضٌ يأبى التفحم

محمد صالح محمدتتصاعدُ أعمدةُ الدخان لتطمس ملامح السماء وتتشقق الأرضُ تحت وطأة الحديد والنار حتى …