فوضى التحقيقات في السودان: لجان التحقيق بين القانون والسياسة، ومنطق العدالة المؤجَّلة

بقلم: الأستاذ إسماعيل ع. مضوي

(1) فوضى التحقيقات في السودان: من الوعد بالعدالة إلى إدارتها:
تمهيد:
لم تكن لجان التحقيق في السودان استثناءً، بل أصبحت القاعدة. ومع الزمن، لم تعد أداة قانونية طارئة، بل ردًا تلقائيًا على كل جريمة سياسية أو انتهاك جسيم. هذا الجزء يضع الإطار العام لظاهرة تكاثر اللجان، ويكشف كيف تحوّل الإعلان عنها إلى بديل رمزي عن المساءلة الجنائية.
منذ عقود، ظلّ تشكيل لجان التحقيق في السودان يُقدَّم بوصفه الاستجابة الرسمية لأي انتهاك جسيم أو حدث مأساوي يهزّ الرأي العام. ومع تكرار هذه الممارسة، ترسّخ في الوعي العام افتراضٌ مضلِّل مفاده أن مجرّد الإعلان عن لجنة تحقيق يعني بالضرورة اقتراب العدالة، أو على الأقل الشروع في طريقها. غير أن التجربة العملية، وتراكم الوقائع، يُظهران صورة مغايرة تمامًا: لجان تتكاثر، وتقارير تُنجز، واحتفالات رسمية تُقام، لكن المساءلة الجنائية الحقيقية تظل غائبة، والضحايا بلا إنصاف، والجناة بمنأى عن المحاسبة.
تسعى هذه الورقة إلى تفكيك هذه المفارقة، عبر قراءة قانونية-تحليلية لظاهرة لجان التحقيق في السودان، لا بوصفها أدوات إجرائية محايدة، بل كجزء من بنية مؤسسية أوسع تُدار عند تقاطع القانون والسياسة، وتُستخدم – في كثير من الأحيان – لإدارة الأزمات لا لكشف الحقيقة، ولتأجيل العدالة لا لإنفاذها.
تنطلق الدراسة من مسلّمة أساسية في علم الجريمة ونُظم العقاب، وهي أن الجريمة لا تقتصر على الفعل الأصلي وحده، بل تمتد لتشمل كل الأفعال اللاحقة التي تُمارَس بقصد إخفائه، أو إعادة توصيفه، أو تفريغه من مضمونه الجنائي. وفي هذا السياق، تُعد أخطر صور الانتهاك هي تلك التي تُرتكب باسم القانون ذاته، حين تتحوّل أدوات العدالة إلى وسائل لتعطيلها، وتُفرَّغ الآليات القانونية من وظيفتها الأصلية لتصبح جزءًا من منظومة الإفلات من العقاب.
وتُعد لجان التحقيق، في هذا الإطار، من أكثر الآليات استخدامًا وخطورة. فعلى الرغم من أنها تُنشأ بقرارات سيادية، وتُكسى بلغة قانونية رسمية، وتُسوَّق باعتبارها وسيلة لكشف الحقيقة، إلا أن وظيفتها العملية في العديد من السياقات السلطوية لا تتجه نحو تحديد المسؤوليات الجنائية أو مساءلة المتورطين، بل نحو إدارة الحقيقة، أو تشويهها، أو دفنها زمنيًا إلى أن تفقد قدرتها القانونية والأخلاقية على الإدانة.
هل لجان التحقيق أدوات محايدة لتحقيق العدالة؟
الإجابة التي تقدّمها الدراسات المقارنة ليست مطلقة. ففي الدول التي تعاني من هشاشة مؤسسية أو غياب استقلال القضاء، تتحوّل لجان التحقيق إلى أدوات لامتصاص الغضب العام، وكسب الوقت السياسي، وإعادة ترتيب موازين القوة، وتفتيت المسؤولية، بل وأحيانًا إعادة توصيف الجريمة نفسها باعتبارها “خطأ إداريًا” أو “تجاوزًا فرديًا”، بدل التعامل معها كجريمة مكتملة الأركان.
وفي هذه الحالة، يصبح التأخير المنهجي في إنجاز التحقيق، أو في إعلان نتائجه، أو في إحالتها إلى القضاء، أداة بحد ذاتها. وهنا لا يكون التأجيل عارضًا إجرائيًا، بل سياسة مقصودة، تُستخدم لإهلاك الأدلة، وإنهاك الضحايا، وإطفاء الذاكرة العامة، إلى أن يفقد مطلب العدالة زخمه. هذه هي ما يمكن تسميته بـ منطق العدالة المؤجَّلة: عدالة لا تُلغى صراحة، لكنها لا تُنجز أبدًا.
ولا يقتصر هذا النمط على السودان وحده، إذ تُظهر تجارب العدالة الانتقالية في دول عديدة أن لجان التحقيق كثيرًا ما استُخدمت لإعادة صياغة الجريمة بدل محاسبة مرتكبيها، خاصة في البيئات التي تختلّ فيها العلاقة بين السلطات، وتخضع فيها المؤسسات القانونية لتأثير السلطة التنفيذية.
غير أن التجربة السودانية تظل نموذجًا بالغ الدلالة. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، راكمت الدولة السودانية سجلًا طويلًا من لجان التحقيق التي انتهت، في معظمها، إلى النتيجة ذاتها: غياب المساءلة الجنائية. من أحداث توريت، إلى عنبر جودة، إلى الانتهاكات الجسيمة في دارفور، وصولًا إلى مقتل المتظاهرين أمام القيادة العامة، تكرّر السيناريو نفسه: لجنة تُشكَّل، تحقيق يُدار، تقرير يُسلَّم، ثم يُطوى الملف دون أثر قانوني يُذكر.
ولا تعكس هذه السلسلة المتواصلة مسارًا إصلاحيًا أو تطورًا عدليًا، بقدر ما تكشف عن نمط مؤسسي مستقر، يقوم على استخدام لجان التحقيق كآليات للتسويف القانوني، وممرات شكلية للمساءلة، ووسائل لإعادة تدوير المتورطين داخل بنية الدولة، بما يكرّس الإفلات من العقاب كقاعدة لا كاستثناء.
ففي حين يقوم النموذج المثالي للجان التحقيق على الاستقلال، والخبرة، والحياد القابل للتحقق، تسير الممارسة الفعلية في الدول السلطوية في الاتجاه المعاكس تمامًا. إذ يُختار أعضاء اللجان غالبًا وفق معايير الولاء أو القابلية للضبط، لا على أساس الكفاءة أو الاستقلال. ويُستعاض عن الحياد الحقيقي بأداء شكلي له، وعن الاستقلال بتوازنات ظاهرية، فيما يُترك تضارب المصالح دون مساءلة أو إفصاح.
وفي هذا السياق، لا تعمل لجان التحقيق كهيئات قانونية مستقلة، بل كوسطاء بين العدالة والسياسة، يُنتظر منهم إنتاج سردية “مقبولة” لا حقيقة كاملة، وتقرير “متوازن” لا أثرًا ملزمًا. وهكذا، تصبح لجان التحقيق جزءًا من بنية إنكار العدالة، لا استثناءً عليها.
من هنا، لا تهدف هذه الورقة إلى إدانة فكرة لجان التحقيق في ذاتها، بل إلى نزع الغموض عنها، ووضعها في إطارها القانوني الصحيح: أداة استثنائية، محدودة، ومشروطة، لا تُقاس مشروعيتها بالنوايا أو الخطاب الرسمي، بل بقدرتها الفعلية على كسر حلقة الإفلات من العقاب، وإنتاج أثر قانوني قابل للتنفيذ.
فحين تُنشئ الدولة لجنة للتحقيق في أفعال ارتكبتها هي نفسها أو أجهزتها، لا يعود السؤال الجوهري: من ارتكب الجريمة؟ بل يصبح: من قرّر ألّا يُدان أحد؟
ومهما طال الزمن، تبقى العدالة التي لم تُنجز دينًا أخلاقيًا وقانونيًا في ذمة الدولة، لا يسقط بالتقادم، ولا يُمحى إلا بالمحاسبة.
2
(2) لماذا لا تقود لجان التحقيق إلى العدالة؟
في الدول ذات المؤسسات المستقرة، قد تكون لجان التحقيق خطوة أولى نحو المحاسبة. أما في السياقات السلطوية، والدول الهشه فغالبًا ما تؤدي وظيفة معاكسة. هنا نناقش الفرق بين النموذج المثالي والممارسة الواقعية، ولماذا تصبح “العدالة المؤجَّلة” سياسة غير معلنة.
تُعدّ لجان التحقيق من أكثر الأدوات التي تلجأ إليها الدول عند وقوع الانتهاكات الجسيمة أو الأزمات السياسية الكبرى، لا سيما في المراحل الانتقالية أو في ظل الضغوط الداخلية والخارجية. فمن حيث الأصل، يُفترض أن تؤدي هذه اللجان دورًا محوريًا في كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وتهيئة الطريق نحو المساءلة والإنصاف. غير أن التجربة السودانية، عبر تاريخ طويل ومتراكم، تكشف عن مفارقة مقلقة: إذ تحوّلت لجان التحقيق، في معظم الحالات، من وسيلة للعدالة إلى جزء من بنيتها المعطوبة.
فعلى امتداد ما يقارب سبعة عقود، نادرًا ما أفضت لجان التحقيق في السودان إلى محاسبة جنائية حقيقية أو جبرٍ منصفٍ للضرر. وغالبًا ما انتهت أعمالها إلى تقارير تُودَع في الأرشيف، أو تُستخدم بوصفها أدوات سياسية لإدارة الغضب العام، لا لمواجهة جذور الجريمة أو مساءلة مرتكبيها. وهكذا، تكرّس في الوعي الجمعي نمطٌ ثابت مفاده أن تشكيل لجنة تحقيق لا يعني اقتراب العدالة، بل تأجيلها.
منذ تمرد توريت عام 1955، حين أُحيل التحقيق إلى قاضٍ أجنبي وانتهى دون محاسبة، مرورًا بلجنة التحقيق في انقلاب هاشم العطا ومجزرة بيت الضيافة التي تحوّل تقريرها إلى “سر سيادي”، وصولًا إلى لجان دارفور التي أخفقت في مساءلة المسؤولين عن واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في تاريخ البلاد، ظل المسار واحدًا: تحقيق بلا نتائج، وحقيقة بلا أثر قانوني، وضحايا بلا إنصاف. وقد بلغ هذا النمط ذروته في لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة، التي امتد عملها لسنوات دون إعلان نتائج حاسمة، بما عزّز الإحساس العام بأن اللجنة لم تكن مدخلًا للعدالة، بل أداة لتبريدها.
تطرح هذه الورقة سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاوزه:
هل تمثل لجان التحقيق في السودان آلية لتحقيق العدالة، أم أداة لإدارتها سياسيًا؟
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الإشكال لا يكمن في فكرة لجان التحقيق في ذاتها، بل في الطريقة التي أُنشئت بها، وفي بنيتها القانونية، وفي علاقتها بالسلطة التنفيذية، وفي مآلات أعمالها. فبدل أن تكون هذه اللجان جسرًا نحو القضاء الجنائي، تحوّلت في الواقع السوداني إلى بديلٍ دائمٍ عنه، يُستدعى كلما تعذّر الاعتراف بالجريمة أو ترتّب على محاسبة مرتكبيها كلفة سياسية.
وتحاول الورقة تفكيك هذا الواقع عبر التمييز الصارم بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما اختلطت في الخطاب العام:
• الرأي بوصفه موقفًا أو انطباعًا،
• والوصف بوصفه رصدًا للوقائع،
• والتحليل القانوني بوصفه تقييمًا معياريًا يقوم على النصوص، والاختصاص، والأثر الملزم.
فالخلط بين هذه المستويات لم يكن مجرد خطأ منهجي، بل أحد الأسباب الرئيسة التي حوّلت لجان التحقيق من أدوات استقصاء قانوني إلى منصات خطابية، تُستبدل فيها المحاسبة بالسرد، والجزاء بالتوصية، والعدالة بالانتظار.
لا تنطلق هذه الورقة من خصومة سياسية، ولا من حكم أخلاقي مسبق، بل من محاولة بحثية لتشخيص اختلال بنيوي في منظومة لجان التحقيق في السودان: اختلال في التأسيس، وفي الاستقلال، وفي الوظيفة، وفي النتائج. وتفترض أن مشروعية أي لجنة تحقيق لا تُقاس بنوايا من أنشأها، ولا بجلالة أسمائها، بل بقدرتها الفعلية على تحويل الحقيقة إلى مسؤولية قانونية قابلة للتنفيذ.
وفي سياق فوضى التحقيقات التي عرفها السودان، يصبح من الضروري إعادة وضع لجان التحقيق في موقعها الصحيح داخل البناء العدلي: آلية استثنائية، محدودة، ومشروطة، لا بد أن تكون ممرًا نحو العدالة، لا حاجزًا دونها. فحين تتحول اللجنة إلى غاية في ذاتها، لا إلى وسيلة، تصبح جزءًا من منظومة الإفلات من العقاب، لا استثناءً عليها.
لجان التحقيق، في التجربة السودانية، وُظِّفت غالبًا كبديل عن العدالة لا كطريقٍ إليها؛ فهي تكشف الوقائع دون أن تملك سلطة الإلزام، وتُنتج تقارير لا تُلزم أحدًا بالمحاسبة، وتُدار ضمن سياق سياسي يجعل التأجيل جزءًا من وظيفتها. ومع غياب الربط الواضح بين التحقيق والقضاء، وغياب نشر النتائج وتنفيذ التوصيات، تتحول اللجنة من أداة لكشف الحقيقة إلى آلية لامتصاص الغضب العام وتبريد المسؤولية. فالعدالة لا تتحقق بمجرد معرفة ما حدث، بل حين يُسأل من ارتكب، ويُحاسَب وفق القانون، وهو ما تفشل فيه لجان التحقيق عندما تُستخدم لإدارة الأزمة لا لإنهائها.
3
(3) لجان التحقيق في مواجهة القضاء الجنائي: صراع الاختصاص أم هروب من المحاسبة؟
بين لجان التحقيق والقضاء الجنائي فجوة عميقة. هذا الجزء يقارن بين الآليتين، ويُظهر كيف جرى استخدام اللجان كبديل دائم عن القضاء، لا كمسار داعم له، خاصة في القضايا التي تمس السلطة وأجهزتها.
لجان التحقيق في مواجهة القضاء الجنائي: الدوافع السياسية وحدود العدالة:
العدالة والمساءلة بين لجان التحقيق والقضاء الجنائي: قراءة مقارنة:
تُشكّل العدالة والمساءلة حجر الأساس لأي نظام قانوني يسعى إلى حماية الحقوق، وردع الانتهاكات، ومنع الإفلات من العقاب. وعند التعامل مع الجرائم الجسيمة، خاصة في الدول الخارجة من نزاعات أو أزمات سياسية عميقة، تبرز آليتان رئيسيتان يفترض أن تقودا إلى هذه الغاية: لجان التحقيق والقضاء الجنائي.
ورغم اشتراكهما في الهدف المعلن، وهو كشف الحقيقة، فإن الفروق البنيوية والوظيفية بينهما تطرح أسئلة جوهرية حول الفعالية، والاستقلال، والنتائج العملية لكل منهما.
فالقضاء الجنائي يقوم، في جوهره، على مبدأ المحاسبة الفردية، ويستند إلى قواعد إجرائية صارمة تضمن حقوق المتهم والضحية معًا، وتنتهي – متى ما توفرت الإرادة والاستقلال – إلى أحكام ملزمة قابلة للتنفيذ. أما لجان التحقيق، فهي بطبيعتها آليات استثنائية، تُنشأ خارج البنية القضائية التقليدية، وغالبًا ما تُمنح ولاية مؤقتة للتحقيق في وقائع محددة، دون أن تملك سلطة الإدانة أو إصدار الأحكام.
لجان التحقيق: الطبيعة والوظيفة:
لجان التحقيق هي هيئات مؤقتة تُنشأ بقرارات تنفيذية أو تشريعية للتحقيق في أحداث معينة، مثل انتهاكات حقوق الإنسان، أو قضايا الفساد، أو الوقائع ذات الطابع السياسي والأمني. وغالبًا ما تُقدَّم للرأي العام بوصفها وسيلة مرنة وسريعة لتقصي الحقائق، وتقديم توصيات بالإصلاح أو الإنصاف.
ومن حيث المبدأ، تتمتع هذه اللجان بعدد من المزايا النظرية التي تجعلها جذابة في السياقات الانتقالية أو المعقدة.
مزايا لجان التحقيق:
أولاً، الخبرة والتخصص:
تُشكَّل لجان التحقيق – نظريًا – من خبراء قانونيين وفنيين، أو شخصيات مشهود لها بالنزاهة والاستقلال، ممن يمتلكون معرفة نوعية بموضوع التحقيق، كأنماط العنف المنظم، أو الجرائم المؤسسية، أو الطب العدلي، أو تحليل سلاسل القيادة والمسؤولية. وتكمن أهمية هذا التنوع في تمكين اللجنة من فهم القضايا المركبة التي قد تتجاوز قدرات التحقيق الجنائي التقليدي.
ثانيًا، المرونة الإجرائية:
لا تخضع لجان التحقيق، في الغالب، للقيود الصارمة لقانون الإجراءات الجنائية، ما يسمح لها بجمع المعلومات من مصادر متعددة، بما في ذلك الشهادات غير الرسمية، والتقارير الميدانية، والإفادات العامة، وهو ما يتيح بناء صورة شاملة للوقائع، وحفظ الذاكرة القانونية للأحداث.
ثالثًا، الطابع العلني:
عندما تُنشر تقارير لجان التحقيق، فإنها تسهم في تعزيز الشفافية، وكسر احتكار الدولة للمعلومة، وتمكين المجتمع من معرفة ما جرى. وهذا البعد العلني لا يخدم العدالة فحسب، بل يلبّي حق الضحايا والمجتمع في المعرفة، ويشكّل ضغطًا أخلاقيًا وسياسيًا باتجاه المساءلة.
رابعًا، الاستقلال الشكلي:
بحكم إنشائها خارج المؤسسات القضائية القائمة، يُفترض أن تتمتع لجان التحقيق بقدر من الاستقلال عن الأجهزة العدلية التقليدية، خاصة في الحالات التي تكون فيها هذه الأجهزة ضعيفة، أو فاقدة للثقة العامة، أو متأثرة بتضارب المصالح.
غير أن هذه المزايا تظل، في كثير من التجارب، مزايا نظرية أكثر منها واقعية، إذ سرعان ما تصطدم بالبيئة السياسية التي تُنشأ فيها اللجان.
لجان التحقيق كمساحات تمثيل سياسي:
في عدد كبير من التجارب، ومن بينها التجربة السودانية، لا تُشكَّل لجان التحقيق بوصفها هيئات محايدة تسعى إلى الحقيقة، بل تتحول إلى مساحات تمثيل سياسي ومؤسسي تعكس موازين القوة داخل الدولة. فتركيبة اللجنة ذاتها تصبح امتدادًا للصراع القائم، حيث يُختار الأعضاء على أساس القرب المؤسسي أو القابلية للضبط، لا على أساس الاستقلال والكفاءة.
وفي هذا السياق، يتحول كل عضو – ضمنيًا أو صراحة – إلى ممثل لمؤسسة أو تيار، لا باحثًا مستقلًا عن الحقيقة. وبدل أن تكون اللجنة أداة لكشف الوقائع، تُدار كمنصة تفاوضية لتوزيع المسؤولية، وحماية المتورطين، وتقليل الكلفة السياسية عن مراكز القوة. وهكذا، تُعاد صياغة الحقيقة داخل اللجنة وفق منطق التوازنات، لا وفق منطق الأدلة، لتغدو نتائج التحقيق انعكاسًا للتوافقات السياسية أكثر من كونها تعبيرًا عن حقيقة قانونية مستقلة.
أعضاء لجان التحقيق ومعايير اختيارهم:
الأصل في تكوين لجان التحقيق أن يقوم على الاختصاص والاستقلال، لا على التمثيل السياسي أو الرمزي. فعضوية هذه اللجان لا تُستمد من الانتماء الحزبي، ولا من المكانة العامة، بل من امتلاك خبرات نوعية يحتاجها التحقيق ولا تتوافر بالضرورة لدى القضاة أو المحققين التقليديين.
ويُفترض، من حيث المبدأ، أن يُختار أعضاء لجان التحقيق بوصفهم خبراء مستقلين، لا ممثلين للجهات التي رشحتهم، ولا مدافعين عن رؤى سياسية بعينها، ولا ناطقين باسم الدولة أو الضحايا، بل باحثين عن الحقيقة وفق معايير مهنية قابلة للتحقق.
الحياد هنا ليس شعارًا أخلاقيًا، بل شرطًا إجرائيًا يُقاس بآليات الاختيار، وشفافية التفويض، والإفصاح عن تضارب المصالح، وحدود الولاية، وقابلية أعمال اللجنة للمراجعة العامة. أما حين يُستعاض عن الخبرة بالرمزية، وعن الاستقلال بالتوازنات السياسية، تتحول اللجنة من أداة للتحقيق إلى أداة لإدارة الأزمة، ويغيب الهدف الأساسي الذي أُنشئت من أجله.
وهكذا، يصبح الفارق بين لجان التحقيق والقضاء الجنائي فارقًا حاسمًا في المآلات: فالأول قد ينتهي إلى توصيات مؤجلة، أو حقيقة منزوعة الأثر، بينما يفترض بالثاني – متى ما توفرت شروطه – أن يقود إلى محاسبة فعلية. وفي غياب هذا التمييز، تتحول لجان التحقيق من وسيلة استثنائية لدعم العدالة إلى بديل دائم يُستخدم لتجميدها.
ليست المشكلة في تداخل الاختصاصات، بل في اختيار الطريق الأسهل سياسيًا. فحين تقع جريمة تستدعي المساءلة الجنائية، يكون القضاء هو المسار الطبيعي، لا اللجان. غير أن اللجوء المتكرر إلى لجان التحقيق يعكس رغبة في تجميد القضية داخل إطار غير ملزم، بدل دفعها نحو محكمة تُسمي الجريمة جريمة، والمسؤول مسؤولًا.
قانون لجان التحقيق لسنة 1954 لم يُصمَّم ليحل محل القضاء، بل ليكشف الوقائع في القضايا العامة تمهيدًا للمساءلة. لكن في التطبيق السوداني، انقلب الترتيب: أصبح التحقيق نهاية المسار لا بدايته، وأُزيح القضاء جانبًا بحجة “انتظار النتائج”، حتى تفقد القضايا زخمها ويفقد الضحايا حقهم في العدالة.

في هذا الصراع غير المعلن، يخسر الضحايا مرتين: مرة حين تُنزَع قضاياهم من يد قاضٍ مستقل إلى لجنة مؤقتة، ومرة حين تنتهي اللجنة بلا محاكمة ولا إنصاف. فالعدالة الجنائية لا تُدار بالبيانات ولا بالتقارير، بل بالأحكام القابلة للتنفيذ.
ليس السؤال إذن عن تضارب الاختصاص، بل عن الإرادة. فالدولة التي تريد المحاسبة تحيل إلى القضاء، والدولة التي تخشاها تُنشئ لجنة. وبين الخيارين، يتحدد إن كانت العدالة قيمة حاكمة أم عبئًا سياسيًا يجب تأجيله.
4
(4) الاختلال البنيوي: لماذا تفشل لجان التحقيق حتى قبل أن تبدأ؟
ليست المشكلة في أداء بعض اللجان، بل في تصميمها نفسه. غياب السلطة الملزمة، الارتهان السياسي، وعدم إلزامية التوصيات، كلها تجعل الفشل نتيجة شبه حتمية، لا حادثًا عرضيًا.
أوجه القصور البنيوي في لجان التحقيق:
رغم ما يُنسب إلى لجان التحقيق من مزايا نظرية، تكشف التجربة العملية عن اختلالات بنيوية عميقة تحدّ من فعاليتها، وتحوّلها في كثير من الأحيان من أداة للعدالة إلى آلية لتعطيلها.
• أول هذه الاختلالات يتمثل في غياب السلطة القانونية الملزمة. فمعظم لجان التحقيق لا تمتلك صلاحيات إنفاذ، ولا تملك حق الإحالة المباشرة للمحاكم، بل تقتصر ولايتها على جمع الوقائع ورفع التوصيات. ونتيجة لذلك، تبقى تقاريرها رهينة لإرادة جهات أخرى، وقد تُثبت وقوع انتهاكات جسيمة وتحدد المسؤولين عنها، دون أن يترتب على ذلك أي إجراء قضائي أو إداري. وهكذا تُوثَّق الحقيقة، لكنها لا تتحول إلى مساءلة.
• الخلل الثاني هو الارتهان السياسي. إذ تُنشأ لجان التحقيق غالبًا بقرارات من السلطة التنفيذية نفسها، وهي في أحيان كثيرة طرف مباشر أو غير مباشر في الوقائع محل التحقيق. ويتجلى هذا الارتهان في طريقة اختيار الأعضاء، وتحديد الولاية، والتحكم في التمويل، بل وحتى في تمديد عمل اللجنة أو إنهائه. هذا الوضع يضع اللجنة في حالة تضارب مصالح بنيوي، ويقوض استقلالها الموضوعي، مهما حسنت نوايا أعضائها.
• أما الخلل الثالث فيكمن في تحويل لجان التحقيق إلى أداة للتسويف. ففي كثير من الحالات، يُستعاض عن فتح دعاوى جنائية واضحة بتشكيل لجنة تحقيق طويلة الأمد، تُمدد ولايتها مرارًا، بما يؤدي إلى إنهاك الضحايا، وتبديد الزخم الشعبي، وشراء الوقت سياسيًا. وبمرور الزمن، تفقد القضية حضورها العام، وتتآكل الأدلة، ويتحول التأجيل نفسه إلى شكل من أشكال إنكار العدالة.
ويُستكمل هذا القصور بـ عدم إلزامية التوصيات. فحتى عندما تصدر تقارير مفصلة تتضمن توصيات واضحة بالإحالة للمحاكمة أو بإصلاح مؤسسي، لا توجد آليات قانونية تُجبر الدولة على تنفيذها. وهكذا تتحول التقارير إلى وثائق أرشيفية ذات قيمة رمزية، لا أثر قانونيًا لها. وبذلك، يصبح الخلل في لجان التحقيق خللًا بنيويًا مرتبطًا بتصميمها القانوني وموقعها السياسي، لا مجرد خلل عارض ناتج عن ضعف الأداء أو نقص الكفاءة.
القضاء الجنائي: الإطار القانوني الملزم:
في المقابل، يُعد القضاء الجنائي الآلية التقليدية والأكثر رسوخًا لتحقيق العدالة، لكونه يعمل ضمن إطار قانوني مؤسسي مكتمل، يوازن بين المحاسبة وحماية الحقوق الأساسية. فالقضاء الجنائي يمتلك صلاحيات واضحة تبدأ بالتحقيق عبر النيابة المختصة، وتمر بتوجيه الاتهام، وتنتهي بالمحاكمة وإصدار الأحكام وتنفيذها.
وتكمن قوة القضاء الجنائي في أن أحكامه ملزمة وواجبة التنفيذ بقوة القانون، ولا تخضع لمشيئة السلطة التنفيذية أو لحساباتها السياسية. كما يوفر ضمانات قانونية أساسية، مثل افتراض البراءة، وحق الدفاع، وعلنية المحاكمة، وحق الطعن والاستئناف، وهي ضمانات تمنح العدالة مشروعيتها القانونية والأخلاقية.
إضافة إلى ذلك، يسهم القضاء الجنائي في تكوين السوابق القضائية التي تُرسّخ تفسير القانون وتوحيد تطبيقه، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن الانتهاكات ليست وقائع عابرة بلا تبعات، بل أفعال تُقابل بالمحاسبة والعقاب، وهو ما يعزز سيادة القانون ويحد من تكرار الجرائم.
التحديات في السياقات والدول ذات الاجهزه العدليه والقضائيه الهشة:
غير أن القضاء الجنائي، في الدول ذات المؤسسات العدلية الهشة مثل السودان، يواجه تحديات جسيمة تحدّ من فاعليته. من أبرز هذه التحديات التسييس المباشر وغير المباشر، حيث تتأثر القرارات القضائية بالضغوط السياسية أو بتدخل السلطة التنفيذية. كما يعاني القضاء من ضعف الاستقلال المؤسسي، وتداخل السلطات، ونقص الموارد والخبرات اللازمة للتعامل مع الجرائم المعقدة والجماعية.
إلى جانب ذلك، يسود الخوف والترهيب في القضايا الحساسة، سواء تجاه القضاة أو الشهود، ما يؤدي إلى إبطاء الإجراءات أو تعطيلها. وتعكس هذه التحديات فجوة واضحة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية، وهي فجوة تُستخدم غالبًا لتبرير اللجوء إلى لجان التحقيق، رغم ما يحيط بها من قصور.
العدالة أم السياسة؟
ويُظهر التحليل المقارن أن لجان التحقيق، في السياقات المؤسسية الهشة، لا تشكّل بديلاً حقيقيًا للقضاء الجنائي، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى آلية موازية تُستخدم لتعطيل المسار القضائي. وفي الحالة السودانية، لم يكن اللجوء المتكرر إلى لجان التحقيق تعبيرًا عن قوة الدولة أو حرصها على العدالة، بل مؤشرًا على عجز السلطة، أو عدم رغبتها، في تفعيل القضاء الجنائي ومساءلة المسؤولين.
وهكذا، يتضح أن السؤال الحقيقي ليس أي الآليتين أكثر ملاءمة من الناحية النظرية، بل أيهما تُستخدم عمليًا لتحقيق العدالة، وأيهما تُوظف سياسيًا لإدارتها وتأجيلها.
تفشل لجان التحقيق في السودان منذ لحظة ميلادها، لأن الخلل لا يكمن في أعضائها فقط، بل في بنيتها نفسها. فهي تُنشأ بقرار سياسي، وتعمل بتفويض سياسي، وتنتهي بإرادة سياسية، ما يجعل استقلالها مفترضًا نظريًا ومفقودًا عمليًا. وفي قضايا تمس السلطة أو أجهزتها، لا يمكن لأداة وُلدت داخل هذا الإطار أن تتحول إلى خصمٍ نزيه له.
قانون لجان التحقيق لسنة 1954 صُمّم لزمن دولة مستقرة نسبيًا، حيث كانت المؤسسات القضائية فاعلة وقادرة على استلام النتائج والبناء عليها. لكن في السياق السوداني، استُخدم القانون في بيئة هشّة، فغابت الحدود بين التحقيق والمساءلة، وتحولت اللجنة من مرحلة تمهيدية إلى سقف نهائي لا يُتجاوز.
يبدأ الفشل أيضًا من غموض الولاية: لا زمن محدد، ولا جزاءات ملزمة، ولا التزام قانوني بنشر النتائج. ومع هذا الغموض، تتآكل ثقة الضحايا منذ البداية، لأن العدالة التي لا تُعرِّف طريقها ولا موعدها تبدو وعدًا بلا نية.
في العمق، المشكلة ليست إجرائية بل أخلاقية. فالتحقيق الذي لا يقود حتمًا إلى محاسبة هو تحقيق منزوع المعنى. ومن هنا، لا تفشل لجان التحقيق لأنها أخطأت في العمل، بل لأنها أُنشئت لتفشل دون أن تُسائل أحدًا.
5
(5) الدوافع السياسية وراء تشكيل لجان التحقيق:
الدوافع السياسية لتكوين لجان التحقيق:
لجان التحقيق كأداة لإدارة الأزمات السياسية:
ما الذي يدفع السلطة إلى تشكيل لجنة تحقيق؟ هل هو السعي إلى الحقيقة، أم إدارة الغضب، أم كسب الوقت؟ هذا الجزء يفكك الحسابات السياسية التي تحكم قرار التشكيل، ويوضح كيف تتحول اللجنة إلى أداة لإدارة الأزمة لا حلها.
في كثير من الدول النامية، لا تُنشأ لجان التحقيق بوصفها آلية قانونية خالصة تهدف إلى تحقيق العدالة، بل تُستخدم في الغالب كأداة سياسية لإدارة الأزمات، خاصة في السياقات التي تكون فيها الدولة أو أجهزتها متورطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، في انتهاكات جسيمة. في هذه الحالات، يصبح الهدف الأساسي من اللجنة احتواء الأزمة، لا كشف الحقيقة أو محاسبة المسؤولين.
الدوافع السياسية الرئيسية:
أول هذه الدوافع هو إظهار الالتزام الشكلي بالعدالة. إذ تلجأ السلطات إلى الإعلان عن تشكيل لجنة تحقيق لإيصال رسائل داخلية وخارجية توحي بالجدية في المساءلة، دون أن تكون هناك إرادة حقيقية لتنفيذ نتائج التحقيق أو تحويلها إلى إجراءات قضائية ملزمة. ويغدو تشكيل اللجنة بحد ذاته بديلاً عن العدالة، لا خطوة في طريقها.
الدافع الثاني يتمثل في احتواء الغضب الشعبي. فعقب الجرائم الكبرى أو الانتهاكات الواسعة، يُستخدم الإعلان عن لجنة تحقيق كوسيلة لتهدئة الرأي العام وامتصاص الغضب، وكسب الوقت إلى أن تخف حدة المطالبات بالمحاسبة. ومع مرور الزمن، تتراجع القضية من واجهة الاهتمام العام، بينما تبقى العدالة مؤجلة.
أما الدافع الثالث فهو إدارة الضغط الدولي. ففي ظل تصاعد دور المنظمات الحقوقية والآليات الدولية، تلجأ بعض الحكومات إلى تشكيل لجان تحقيق لتفادي الإحالة إلى المساءلة الدولية، وتقديم نفسها كدولة تتعامل مع الانتهاكات عبر آليات وطنية، حتى وإن كانت هذه الآليات تفتقر إلى الفعالية والاستقلال.
ويبرز الدافع الرابع في حماية النخب الحاكمة ومراكز القوة. ففي كثير من الحالات، تُصمَّم لجان التحقيق بطريقة تضمن عدم المساس بالقيادات السياسية أو العسكرية، عبر تضييق نطاق الولاية، وتوجيه لغة التقرير، واختيار أعضاء يتمتعون بولاءات مؤسسية أو سياسية. وبهذا، تتحول اللجنة من أداة لكشف المسؤولية إلى آلية لضبطها والتحكم في مداها.
لجان التحقيق في ظل ضعف الأجهزة العدلية: من آلية عدالة إلى أداة إفلات من العقاب:
في الدول التي تعاني من هشاشة القضاء وضعف استقلاله، تتحول لجان التحقيق إلى مساحة رمادية بين القانون والسياسة. فهي لا تقود إلى محاكمات فعلية، ولا تسهم في إصلاح مؤسسات العدالة، بل تُكرّس نمطًا من العدالة المؤجلة أو العدالة المُدارة سياسيًا.
ويبدأ هذا التحول حين تُفرَّغ اللجنة من وظيفتها العدلية، ويُعاد تشكيلها سياسيًا وإجرائيًا بما يناقض الغاية التي أُنشئت من أجلها. فيُطيل أمد التحقيق بلا سقف زمني واضح، ما يؤدي إلى تآكل الأدلة، وضمور الذاكرة، وإنهاك الشهود والضحايا. ثم تُحصر صلاحيات اللجنة في الوصف والتوثيق دون الإحالة الملزمة، فتُنتج تقارير لا يترتب عليها أي أثر قانوني.
ويكتمل هذا المسار عندما يُعاد توصيف الجريمة بلغة مخففة، تُستبدل فيها الأوصاف الجنائية الواضحة بمصطلحات إدارية أو أخلاقية، ويُجزّأ الفعل الإجرامي إلى أخطاء فردية معزولة، بما يعفي البنية المؤسسية من المسؤولية. في هذه اللحظة، لا تعود اللجنة مرحلة تمهيدية للمساءلة، بل تتحول إلى حاجز إجرائي يحمي الجناة، ويمنحهم الوقت والحصانة الفعلية، ويحوّل العدالة من التزام قانوني إلى احتمال مؤجل.
وتؤدي هذه الممارسة إلى نتائج خطيرة، أبرزها إطالة أمد النزاعات، وتآكل ثقة الجمهور في الدولة ومؤسساتها، وتطبيع الإفلات من العقاب، وإعادة إنتاج العنف بوصفه سلوكًا بلا كلفة.
ولذلك نستخلص من خلال هذا التحليل إلى أن الإشكالية في السودان لا تكمن في غياب لجان التحقيق، بل في توظيفها السياسي وتحويلها من آلية استثنائية لكشف الحقيقة إلى بديل زائف للقضاء الجنائي. فالدوافع السياسية لتكوين هذه اللجان غالبًا ما تطغى على الاعتبارات القانونية، ما يجعلها جزءًا من بنية الأزمة، لا مدخلًا لمعالجتها.
وفي السياق السوداني، تُستخدم لجان التحقيق في الغالب لإدارة الأزمات السياسية لا لتحقيق العدالة، وهو ما يعكس واقع الدول ذات الأجهزة العدلية الهشة. وبدل أن تقود هذه اللجان إلى المحاسبة، تُستخدم لإدارة السرد، والتحكم في مخرجات الحقيقة، وإعادة إنتاج رواية رسمية تُخفف من جسامة الانتهاكات، وتمنح الغطاء القانوني والسياسي لعدم المساءلة. وهكذا، لا تُؤجَّل العدالة فحسب، بل يُعاد تشكيلها لتخدم استمرار الأزمة ذاتها.
نادراً ما تُشكَّل لجان التحقيق في السودان استجابةً خالصة لمطلب العدالة، بل غالباً ما تولد في لحظة ضغط سياسي أو صدمة عامة. ففي أعقاب الجرائم الجسيمة أو الكوارث الوطنية، يصبح إعلان تشكيل لجنة هو الفعل الأسرع لطمأنة الشارع، حتى قبل التفكير في المسار القضائي الحقيقي. هنا، تتحول اللجنة من أداة بحث عن الحقيقة إلى رسالة سياسية مفادها أن الدولة “تفعل شيئاً”، ولو كان هذا الشيء بلا نهاية واضحة.
يُستخدم قانون لجان التحقيق لسنة 1954 في هذا السياق كغطاء قانوني جاهز، يسمح للسلطة بإدارة الأزمة زمنياً لا قانونياً. فالتحقيق المؤقت يعلّق السؤال الأخطر: من المسؤول؟ ويستبدله بسؤال أقل إزعاجاً: ماذا حدث؟ وبين السؤالين تضيع المحاسبة، ويُمنح الفاعلون وقتاً كافياً لإعادة ترتيب مواقعهم داخل المشهد السياسي.
في كثير من الحالات، لا يكون الهدف كشف الحقيقة كاملة، بل التحكم في مسارها. تُصاغ ولايات اللجان بعناية، وتُحدَّد أسئلتها وحدودها بما لا يفتح باب المساءلة على مصراعيه. وبهذا، تصبح اللجنة أداة لإنتاج رواية رسمية مضبوطة، لا منصة لسماع صوت الضحايا أو مساءلة مراكز القوة.
ومع تكرار هذا النمط، يدرك الضحايا أن اللجنة ليست طريقهم إلى الإنصاف، بل محطة لتبريد الغضب وتأجيل العدالة. غير أن الحكمة القانونية تقول إن العدالة المؤجلة ليست حياداً، بل انحياز صامت. وأي تحقيق لا يُبنى على إرادة سياسية للمحاسبة، سيظل، مهما بدا أنيقاً، جزءاً من المشكلة لا خطوة نحو حلها.
6
(6) قانون لجان التحقيق لسنة 1954: من أداة استعمارية إلى وسيلة سياسية:
الإطار القانوني: قانون لجان التحقيق لسنة 1954
بين التصميم القانوني والاستخدام السياسي في السياق السوداني:
الخلفية التاريخية والقانونية لقانون لجان التحقيق لسنة 1954:
وُضع قانون 1954 في سياق مختلف تمامًا عن واقع السودان اليوم. هنا نحلل خلفيته القانونية، وكيف أُفرغ من غايته الأصلية، وأُعيد استخدامه في بيئة سياسية جعلت منه أداة لتعليق العدالة لا تمكينها.
ولقد صدر قانون لجان التحقيق لسنة 1954 في ظل الإدارة الاستعمارية البريطانية–المصرية للسودان، متأثرًا بتقاليد القانون العام السائدة آنذاك، وبخاصة نموذج لجان التحقيق الخاصة بالقضايا العامة. وقد صُمم هذا القانون ليكون أداة استثنائية تُستخدم في حالات محددة تقتضي جمع الحقائق حول وقائع ذات أهمية عامة، لا ليحل محل القضاء الجنائي أو يُشكل مسارًا دائمًا للمساءلة.
ويُظهر البناء العام للقانون أنه يركز على تنظيم تشكيل اللجان، واختصاصاتها، وواجبات أعضائها، وسلطاتها الإجرائية، إضافة إلى تنظيم علاقة الشهود باللجنة، وتحديد الطبيعة غير القضائية لأقوال تُدلى أمامها. وبحسب فلسفته الأصلية، كان الهدف من القانون تمكين الدولة من جمع المعلومات في القضايا المعقدة، وتقديم توصيات غير ملزمة للجهات المختصة، وتعزيز الشفافية واحترام الرأي العام في القضايا الكبرى.
غير أن هذا الإطار القانوني وُضع في سياق دولة مركزية ذات مؤسسات إدارية وقضائية أكثر تماسكا، ثم جرى توظيفه لاحقًا في دولة ما بعد الاستقلال داخل بيئة سياسية مختلفة جذريًا، اتسمت بتسييس العدالة، وضعف استقلال المؤسسات، وهشاشة منظومة المساءلة. هذا التحول في السياق أفرغ القانون، في كثير من الحالات، من غايته الأصلية، وفتح الباب أمام استخدامه كأداة سياسية أكثر منه آلية قانونية.
سلطات تعيين لجان التحقيق: جوهر الخلل البنيوي:
تُعد المادة (3) من قانون لجان التحقيق لسنة 1954 من أكثر مواده إثارة للجدل، إذ تمنح السلطة التنفيذية، ممثلة في رئيس الدولة أو الوزير المختص، صلاحية واسعة لتعيين لجنة أو أكثر للتحقيق في أي مسألة تتعلق بالصالح العام. وتكمن خطورة هذه المادة في اتساعها، وغياب أي ضوابط موضوعية تحكم استخدامها، سواء من حيث معايير التعيين، أو حدود الولاية، أو وجود رقابة برلمانية أو قضائية فعالة.
من الناحية التحليلية، تمثل لحظة التعيين النقطة الحاسمة التي يُحسم فيها مسار التحقيق قبل أن يبدأ. فالسلطة التي تُنشئ اللجنة تمتلك، بموجب هذه المادة، القدرة على اختيار أعضائها، وتحديد رئيسها، وضبط نطاق عملها، بما يسمح بتوجيه التحقيق وفق اعتبارات سياسية لا قانونية. وهنا تتحول اللجنة من أداة لكشف الحقيقة إلى آلية لإدارة الوقائع، وإعادة ترتيبها، أو إفراغها من مضامينها الأكثر حساسية.
ويبرز دور رئيس اللجنة في هذا السياق بوصفه العنصر الأكثر تأثيرًا، إذ يمتلك صلاحيات عملية واسعة في تحديد منهج العمل، وضبط الإيقاع الزمني للتحقيق، والتحكم في ما يُنجز وما يُؤجل، وما يُعلن للرأي العام وما يُحجب. وبهذا، يصبح التحقيق خاضعًا لحسابات سياسية غير معلنة، بدل أن يكون مسارًا مستقلًا يقوده منطق الأدلة.
وقد كشفت تجربة لجان التحقيق في قضايا كبرى، وعلى رأسها أحداث فض الاعتصام، عن هذا الخلل البنيوي بوضوح. إذ أدى إطالة أمد التحقيق، وتراجع الزخم العدلي، وتآكل الأدلة، وتبدد الشهادات، إلى تعطيل المسار الجنائي بدل دفعه نحو المحاسبة. ولم يكن ذلك نتيجة تدخل مباشر معلن، بقدر ما كان نتاجًا لإدارة التحقيق نفسها في ظل غياب أي آليات رقابة أو مساءلة.
وعليه، فإن أزمة المادة (3) لا تكمن في نصها وحده، بل في الإطار السياسي والمؤسسي الذي يسمح للسلطة التنفيذية بالتحكم في التحقيقات الوطنية، بما يحول لجان التحقيق من أداة عدلية استثنائية إلى وسيلة لإدارة السياسة وحماية مراكز القوة، ويكرّس الإفلات من العقاب بوصفه قاعدة لا استثناء.
اداء القسم والواجبات: التزامات بلا مساءلة:
تنص المادة (6) من القانون على أداء أعضاء لجنة التحقيق القسم، بما يفترض الالتزام بالأمانة والنزاهة وتجرد الضمير، بينما تحدد المادة (7) واجبات اللجنة، وعلى رأسها إنجاز التحقيق ورفع تقرير بنتائجه إلى الجهة التي أنشأتها. ومن حيث البناء النظري، تشكل هاتان المادتان الأساس الأخلاقي والقانوني لعمل لجان التحقيق.
غير أن هذا الأساس يظل، في التطبيق العملي، التزامًا بلا أدوات إنفاذ. فالقانون لا ينص على أي آليات واضحة لمساءلة أعضاء اللجنة في حال الإخلال بواجباتهم، ولا يحدد جزاءات عند التقصير، أو التأخير غير المبرر، أو الانحراف عن معايير النزاهة والاستقلال. ونتيجة لذلك، يتحول القسم إلى إجراء شكلي يُستوفى عند التكوين، ثم يفقد قيمته العملية عند أول تعارض مع المصالح السياسية أو الضغوط المؤسسية.
في غياب نظام صارم للمساءلة، يصبح الالتزام بالواجبات معلقًا على ضمير الأفراد لا على سلطان القانون، وهو ما يتناقض مع أبسط مبادئ العدالة الإجرائية. فالقانون الذي يمنح سلطات تحقيق واسعة دون أن يربطها بمسؤولية قانونية مقابلة، يفتح الباب للإهمال، والمماطلة، والانحراف الوظيفي دون كلفة حقيقية.
ومن منظور إصلاحي، لا يمكن الحديث عن نزاهة لجان التحقيق دون ربط القسم والواجبات بنظام واضح للمحاسبة، يجرّم الإخلال الجسيم بالمهام، ويفرض عقوبات رادعة على التلاعب بالإجراءات، أو حجب النتائج، أو المساس بالاستقلال. كما يقتضي المنطق القانوني أن تكون عضوية اللجنة التزامًا طوعيًا مشروطًا بالقدرة والاستعداد لتحمل المسؤولية، لا موقعًا شرفيًا أو عبئًا مؤجلاً للمساءلة.
وبصيغتهما الحالية، تؤسس المادتان (6) و(7) لواجبات بلا جزاء، والتزامات بلا محاسبة، وهو ما يقوض جوهر العدالة التحقيقية، ويُفرغ لجان التحقيق من فعاليتها القانونية. ولا يمكن استعادة الثقة في هذه الآلية إلا بإعادة ربط النزاهة بالقانون، وتحويلها من قيمة أخلاقية مُعلّقة إلى التزام قانوني نافذ.
وُضع قانون لجان التحقيق لسنة 1954 في سياق استعماري كانت فيه الغاية الأساسية هي ضبط الإدارة وحماية السلطة، لا تمكين الضحايا ولا ترسيخ العدالة. فقد صُمِّم القانون ليكون أداة بيد الحاكم للتحقيق في الوقائع التي تمس النظام العام، مع إبقاء القرار النهائي حول النشر والمساءلة في يد السلطة نفسها. ومنذ نشأته، حمل القانون في بنيته اختلالاً واضحاً بين من يحقق ومن يُحاسَب.
بعد الاستقلال، لم يُعاد النظر جذرياً في هذا القانون، بل انتقل من يد المستعمر إلى يد الدولة الوطنية دون تفكيك فلسفته الأصلية. وهكذا، تحوّل تدريجياً من أداة إدارية ظرفية إلى وسيلة سياسية تُستدعى عند الأزمات، وتُستخدم لإدارة الغضب العام بدل معالجة أسبابه. فبدلاً من أن يكون جسراً نحو القضاء، أصبح بديلاً عنه في لحظات حرجة.
في التطبيق العملي، أتاح القانون للسلطة التنفيذية هامشاً واسعاً للتحكم في مسار التحقيق: من تشكيل اللجنة، إلى تحديد ولايتها، وصولاً إلى مصير تقريرها. هذا التحكم لا ينسجم مع منطق العدالة الحديثة، التي تقوم على الاستقلال والعلنية والمساءلة، بل يعيد إنتاج علاقة غير متكافئة بين الدولة والضحايا، حيث تُدار الحقيقة من أعلى ولا تُستخرج من أسفل.
ومع تراكم التجارب، بات واضحاً أن القانون، بصيغته الحالية، لم يعد أداة لإنصاف المظلومين، بل غطاءً قانونياً لتأجيل العدالة. غير أن الحكمة القانونية تقتضي أن القوانين لا تُقاس بتاريخها، بل بقدرتها على خدمة الإنسان اليوم. ومن دون إصلاح جذري يعيد الاعتبار للضحايا ويصل التحقيق بالمحاسبة، سيظل هذا القانون شاهداً على كيف تتحول النصوص القديمة إلى أدوات سياسية في زمن يحتاج إلى عدالة حقيقية لا مؤجلة.
7
(7) سلطة التعيين والصوت المرجّح: كيف يُحسم التحقيق قبل أن يبدأ؟
اختلاف الآراء داخل لجان التحقيق: من إدارة الخلاف إلى توجيه النتائج:
من يعيّن اللجنة يملك مفاتيح نتائجها. يمنح القانون السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في التعيين، ويمنح رئيس اللجنة صوتًا مرجحًا، ما يجعل الحياد مسألة شكلية، لا ضمانة حقيقية.
المادة 8 والتي تنص المادة (8) من قانون لجان التحقيق لسنة 1954 على أنه عند تساوي آراء أعضاء اللجنة، يكون لرئيسها صوتٌ مرجّح. ومن حيث الظاهر، يهدف هذا النص إلى تجاوز الجمود وضمان صدور تقرير نهائي، إلا أن تطبيقه في الواقع السوداني يكشف عن خلل قانوني خطير يتجاوز كونه إجراءً تنظيمياً بسيطاً.
فحين يكون رئيس اللجنة مُعيَّناً بقرار من السلطة التنفيذية، التي قد تكون طرفاً مباشراً أو غير مباشر في الوقائع محل التحقيق، يتحول الصوت المرجّح من وسيلة إجرائية إلى أداة حاسمة لتوجيه النتائج. وفي هذه الحالة، لا يعود الخلاف داخل اللجنة خلافاً مهنياً مشروعاً، بل يُعاد حسمه مسبقاً وفق ميزان القوة داخلها، لا وفق وزن الأدلة أو سلامة التكييف القانوني.
وتزداد خطورة هذا الترتيب في القضايا ذات الطابع الجنائي أو الانتهاكات الجسيمة، حيث لا يتعلق الخلاف بتفاصيل تقنية، بل بتحديد المسؤوليات، وتوصيف الأفعال، والتمييز بين الجريمة والسياسة أو بين الخطأ الفردي والمسؤولية المؤسسية. وعندما يُمنح رئيس اللجنة سلطة الحسم النهائي، تُهمَّش الآراء المهنية المخالفة، حتى وإن كانت أكثر انسجاماً مع الوقائع أو مع مبادئ العدالة الجنائية.
الأخطر من ذلك أن القانون لا يُلزم بنشر الآراء المخالفة أو إرفاقها بالتقرير النهائي، ما يسمح بإظهار التحقيق وكأنه نتاج إجماع، بينما هو في حقيقته تسوية داخلية صامتة. وهكذا تتحول رئاسة اللجنة من وظيفة تنظيمية إلى موقع مركزي في صناعة الرواية القانونية النهائية، وتُفرغ فكرة التحقيق الجماعي من مضمونها.
ولا يمكن معالجة هذا الخلل إلا بإعادة النظر في سلطة الصوت المرجّح، أو على الأقل بإقرار حق الأعضاء في تسجيل ونشر آرائهم المخالفة باعتبارها جزءاً من الحقيقة، لا استثناءً منها.
الشهود والمخالفات: صلاحيات محدودة وحقيقة منقوصة:
المادتان 10 و11 يمنح قانون لجان التحقيق اللجنة سلطة استدعاء الشهود وسماع إفاداتهم، ويفرض جزاءات على من يمتنع عن التعاون أو يعرقل سير التحقيق. ومن حيث البناء النظري، يفترض أن تمثل هذه الصلاحيات الركيزة الأساسية لكشف الحقيقة، خاصة في القضايا ذات الطابع العام.
غير أن هذه الصلاحيات تظل، في الواقع العملي، محدودة التأثير إذا ما قورنت بسلطات النيابة العامة. فالقانون لا يمنح لجان التحقيق أدوات إلزام فعالة، ولا يتيح لها إصدار أوامر ضبط أو إحضار، ولا يوفر آليات مستقلة لتنفيذ الجزاءات. ونتيجة لذلك، يصبح الامتثال لاستدعاء اللجنة في كثير من الأحيان مسألة اختيارية، لا التزاماً قانونياً صارماً.
وتتفاقم هذه الإشكالية في القضايا التي يُشتبه في تورط أجهزة الدولة أو منتسبيها فيها. ففي مثل هذه السياقات، يصبح استدعاء الشهود، خاصة من داخل المؤسسات النظامية، إجراءً شكلياً، في ظل غياب حماية قانونية حقيقية لهم، وتركهم عرضة للضغوط الوظيفية أو الترهيب غير المباشر. كما أن العقوبات المنصوص عليها لا ترقى إلى مستوى الردع، ولا تُطبق في الغالب، ما يُفرغ النص من أثره العملي.
وبهذا، تتحول سلطة اللجنة من سلطة تحقيق إلى سلطة طلب، وتعتمد على تعاون الأطراف ذاتها التي قد تكون موضع مساءلة، وهو تناقض بنيوي يُضعف جوهر التحقيق ويحد من قدرته على الوصول إلى الحقيقة الكاملة.
المادة (12): الفصل بين الحقيقة والمحاسبة:
تنص المادة (12) من قانون لجان التحقيق لسنة 1954 على عدم جواز قبول أي أقوال أدلى بها الشهود أمام اللجنة كدليل أمام المحاكم المدنية أو الجنائية. وقد استُلهم هذا النص، في الأصل، من فلسفة تهدف إلى تشجيع الشهود على الإدلاء بأقوالهم بحرية ودون خوف من التبعات القانونية.
غير أن هذا المبدأ، في السياق السوداني، انقلب إلى أداة لتعطيل العدالة الجنائية. فحين تُحظر الاستفادة من أقوال الشهود، مهما بلغت دقتها أو خطورتها، في أي مسار قضائي لاحق، تُفصل الحقيقة عن المحاسبة، ويُفرغ التحقيق من أي أثر قانوني ملزم. ويصبح التقرير مجرد وثيقة توثيقية لا تفضي إلى اتهام ولا إلى عقوبة.
ويكمن الخلل الجوهري في أن القانون لا يوفر مساراً انتقالياً يربط بين ما يُكشف أمام لجنة التحقيق وما يمكن البناء عليه قضائياً. فلا يُلزم بإعادة سماع الشهود أمام جهة قضائية، ولا يضع آليات تحول دون ضياع الأدلة أو تآكل الشهادات مع مرور الزمن. وفي القضايا التي تمس انتهاكات جسيمة، تُستخدم هذه المادة كذريعة إجرائية لإغلاق الملف والاكتفاء بتقرير يُسلَّم للسلطة التنفيذية دون أي التزام بالمحاسبة.
وهكذا تتحول المادة (12) من وسيلة لحماية الشهود إلى مظلة قانونية للإفلات من العقاب، وتغدو الحقيقة معزولة عن أدوات العدالة، لا جسراً إليها.
استخلاص قانوني: قانون يُدار سياسياً لا يُنفذ عدلياً:
يكشف تطبيق قانون لجان التحقيق لسنة 1954 في السودان عن نموذج واضح لكيفية تحويل أداة قانونية استثنائية إلى آلية سياسية لإدارة الأزمات وتجميد العدالة. فالقانون، الذي وُضع في سياق استعماري بهدف جمع الحقائق وتقديم توصيات غير ملزمة، جرى توظيفه بعد الاستقلال في بيئة اتسمت بتسييس العدالة وهشاشة المؤسسات.
تمنح مواده، لا سيما المادة (3)، السلطة التنفيذية سيطرة شبه كاملة على تشكيل اللجان، بينما يتيح الصوت المرجّح لرئيس اللجنة (المادة 8) توجيه النتائج، ويُفرغ غياب المساءلة في المادتين (6) و(7) القسم والواجبات من معناها العملي. أما محدودية صلاحيات الشهود (المادتان 10 و11)، فتجعل كشف الحقيقة مرهوناً بالتعاون الطوعي، في حين تمثل المادة (12) ذروة الإشكال بفصلها الصريح بين الحقيقة والمحاسبة.
وبذلك، لا يعكس القانون في التطبيق السوداني مساراً حقيقياً للعدالة، بل يكرّس نمطاً من العدالة المؤجلة، تُدار سياسياً ولا تُنفذ قضائياً، وتتحول فيه لجان التحقيق من مدخل للمساءلة إلى حاجز إجرائي يحمي الإفلات من العقاب، ويُبقي العدالة وعداً مؤجلاً لا يتحقق.
في جوهر أزمة لجان التحقيق في السودان تكمن سلطة التعيين. فالجهة ذاتها التي يُفترض أن تكون محل مساءلة هي التي تختار أعضاء اللجنة، وتحدد رئيسها، وترسم حدود ولايتها. وبهذا الترتيب، لا يبدأ التحقيق من نقطة محايدة، بل من موقع مشحون بعلاقات القوة والولاء، ما يجعل الحياد افتراضاً هشّاً منذ اللحظة الأولى.
ويزداد هذا الخلل عمقاً حين يُمنح رئيس اللجنة صوتاً مرجِّحاً عند تساوي الآراء. فهذا الامتياز الإجرائي، الذي يبدو فنياً في ظاهره، يتحول عملياً إلى أداة حاسمة لتوجيه النتائج. فالصوت المرجّح لا يحسم فقط الخلاف داخل اللجنة، بل يحسم أيضاً معنى الحقيقة التي ستخرج إلى العلن، إن خرجت أصلاً.
في ظل قانون لجان التحقيق لسنة 1954، تصبح هذه الصلاحيات جزءاً من بنية تسمح بتطويع التحقيق قبل أن يبدأ. فالتحقيق لا يُحسم بالأدلة وحدها، بل بإطار القرار الذي يسبق جمعها. وحين يكون هذا الإطار خاضعاً للسلطة التنفيذية، تتحول العدالة من مسار مستقل إلى نتيجة محتملة تخضع للحسابات السياسية.
ومع ذلك، يظل إنصاف الضحايا ممكناً متى ما أُعيد النظر في هذه الصلاحيات. فالحكمة القانونية تقول إن العدالة لا تولد من حسن النوايا، بل من توازن السلطات. ومن دون فصل حقيقي بين سلطة التعيين وسلطة التحقيق، سيظل السؤال قائماً في الوعي العام: كيف ننتظر عدالة من لجنة حُسم اتجاهها قبل أن تفتح أول ملف؟
((8
(8) الشهود، التقارير، وحجب الحقيقة:
حتى عندما تُجمع الشهادات وتُوثَّق الوقائع، تبقى الحقيقة رهينة قرار سياسي. هذا الجزء يناقش ضعف حماية الشهود، محدودية الصلاحيات، وحجب التقارير بوصفه أداة لإفراغ التحقيق من أثره.
من الاستخدام المشروع إلى التحايل المنهجي على القانون كيف فُرِّغت لجان التحقيق من دورها العدلي في السودان؟
لجان التحقيق… أداة لتهدئة الغضب لا لتحقيق العدالة:
يُظهر التطبيق العملي لقانون لجان التحقيق لسنة 1954 في السودان أن تشكيل اللجان غالباً ما يأتي في ذروة الأزمات السياسية أو عقب وقوع جرائم وانتهاكات جسيمة. غير أن الهدف، في كثير من الحالات، لا يكون السعي الجاد لكشف الحقيقة أو إنصاف الضحايا، بل امتصاص الغضب الشعبي واحتواء الصدمة السياسية، عبر فتح مسار تحقيقي طويل يدار زمنياً إلى أن تخف حدة الضغط العام.
بهذا المعنى، تتحول لجنة التحقيق من أداة عدلية استثنائية إلى وسيلة لإدارة الأزمة وتأجيل المواجهة مع مطالب العدالة، لا معالجتها. ويصبح الإعلان عن تشكيل اللجنة بحد ذاته بديلاً رمزياً عن المحاسبة الفعلية.
تغييب التقارير… الحقيقة المؤجلة:
من السمات المشتركة لغالبية لجان التحقيق التي شُكّلت بموجب قانون 1954 غياب الشفافية في التعامل مع مخرجاتها. فإما لا تُنشر التقارير النهائية مطلقاً، أو يُكتفى بنشر ملخصات مبتسرة، أو تُتجاهل التوصيات بالكامل دون أي التزام بتنفيذها.
وبذلك يفقد التقرير قيمته بوصفه أداة للمساءلة العامة، ويتحول إلى وثيقة إدارية محجوبة، تخضع لإرادة الجهة التي أنشأت اللجنة، لا لحق المجتمع في المعرفة. وفي هذا السياق، تصبح الحقيقة ملكاً سياسياً قابلاً للإخفاء أو الانتقاء، لا حقاً عاماً واجب الكشف.
التلاعب بالمسميات والولاية… تحقيق موجَّه سلفاً:
في عدد من الحالات، لم يكن الخلل في نتائج التحقيق فحسب، بل في تصميمه منذ البداية. إذ جرى توجيه عمل بعض اللجان عبر اختيار مسميات توحي بتجريم طرف واحد دون غيره، أو تضييق نطاق التحقيق زمانياً أو موضوعياً، أو استبعاد فاعلين رئيسيين من دائرة المساءلة.
هذا التلاعب بالولاية يُقوّض مبدأ الحياد الذي يفترض أن يحكم عمل لجان التحقيق، ويحوّلها من آلية مستقلة لكشف الوقائع إلى أداة سياسية لإدارة السردية الرسمية وحماية مراكز النفوذ.
هل انتهى العمر الافتراضي لقانون 1954؟
من منظور قانوني وسياسي، بات من المشروع التساؤل عمّا إذا كان قانون لجان التحقيق لسنة 1954 قد تجاوز عمره الافتراضي في السياق السوداني. فالقانون صُمِّم لمرحلة تاريخية مختلفة، في ظل دولة مركزية أكثر تماسكاً ومؤسسات أقل تسييساً. غير أن الاستهلاك السياسي المتكرر لهذا القانون أفقده وظيفته الأخلاقية والعدلية، وحوّله إلى آلية لتدوير الأزمات بدلاً من حلها.
إن استمرار الاعتماد على هذا القانون دون إصلاح جذري لا يعني الحياد، بل يُسهم عملياً في إدامة الإفلات من العقاب، وتآكل الثقة الشعبية في العدالة، وإضعاف سيادة حكم القانون.
عندما تصبح الحقيقة ملكاً للسلطة:
تُعد إحدى أخطر نقاط الضعف البنيوية في قانون لجان التحقيق أن التقرير النهائي لا يُعامل بوصفه وثيقة عدلية عامة، بل يُعد ملكية خالصة للجهة التي أنشأت اللجنة. وبذلك تمتلك هذه الجهة سلطة مطلقة في نشر التقرير أو حجبه كلياً أو جزئياً، دون أي التزام قانوني تجاه الرأي العام أو الضحايا.
وقد تجلى هذا الخلل بوضوح في التجربة السودانية. فالتقرير الذي أعده القاضي حسن علوب حول الاغتيالات التي وقعت عقب انقلاب هاشم العطا، وخصوصاً أحداث بيت الضيافة عام 1971، حُجب بالكامل، بما في ذلك الصور والعينات والشهادات والوقائع، ليُطوى الملف دون أي مساءلة قضائية.
وتكرر النهج ذاته في لجنة التحقيق برئاسة مولانا دفع الله الحاج يوسف بشأن الانتهاكات وجرائم الحرب في دارفور، حيث لم يُنشر التقرير كاملاً، بل اقتصر الأمر على موجز انتقائي أبرز ما يخدم الخط الرسمي، بينما غُيّبت الوقائع التي تمس مسؤولية الدولة وأجهزتها.
نعم اصبح الوضع الحالي لتطبيق القانون من جسر إلى حاجز ويبيّن هذا المسار أن قانون لجان التحقيق لسنة 1954 لم يعد، في الواقع السوداني، أداة لكشف الحقيقة، بل أصبح جزءاً من بنية الأزمة العدلية نفسها. فبدلاً من أن يكون جسراً يقود إلى المحاسبة، تحوّل إلى حاجز يفصل بين الحقيقة والقضاء الجنائي، ويعيد إنتاج نمط من العدالة المؤجلة أو المُدارة سياسياً.
وفي غياب إصلاح قانوني عميق يضمن استقلال اللجان، وعلنية التقارير، وربط التحقيق بالمساءلة القضائية، ستظل لجان التحقيق وسيلة لإدارة الرواية، لا لكشف الحقيقة، ووعداً بالعدالة لا يُنجز.
ي أي مسار عدلي، يشكّل الشهود قلب الحقيقة النابض. لكن في لجان التحقيق السودانية، غالباً ما يتحول الشاهد من صاحب حق إلى عبء إجرائي. فغياب الحماية القانونية، والخوف من الانتقام، وافتقار اللجان لسلطات إنفاذ حقيقية، يجعل الشهادة فعلاً محفوفاً بالمخاطر، ويُفرغ رواية الضحايا من قوتها الأخلاقية والقانونية قبل أن تُدوَّن.
أما التقارير، وهي الحصيلة المفترضة لكل تحقيق، فتتحول بدورها إلى مساحة رمادية. تُكتب بلغة حذرة، تُخفف الأفعال، وتستبدل المسؤولية بتعابير عامة، ثم تُحجب عن الرأي العام أو يُنشر منها ما لا يجرح أحداً. وهكذا، يصبح التقرير وثيقة إدارية أنيقة، لا أداة لكشف الحقيقة أو تمهيداً للمحاسبة.
في ظل قانون لجان التحقيق لسنة 1954، لا توجد ضمانة حقيقية تُلزم بنشر النتائج أو تحويلها إلى إجراءات قضائية. هذا الفراغ القانوني يسمح بأن تُختزل الحقيقة في أدراج مغلقة، وأن يُترك الضحايا في مواجهة صمت مؤسسي أثقل من الجريمة نفسها. فالتحقيق الذي لا يُفضي إلى إعلان واضح للوقائع، ولا إلى مساءلة، لا يحجب الحقيقة فقط، بل يعيد إيذاء الضحايا مرة أخرى.
ومع ذلك، تبقى الحكمة القانونية واضحة: الحقيقة لا تموت، لكنها قد تُؤجَّل. وإنصاف الضحايا يبدأ من كسر هذا التأجيل، بضمان حماية الشهود، وعلنية التقارير، وربط التحقيق بالقضاء. فعدالة تُخفي نتائجها ليست عدالة ناقصة فحسب، بل وعد مؤجل بالإنصاف.
(9)
(9) دراسات حالة: سبعة عقود من التحقيق بلا محاسبة:
دراسات حالة تطبيقية:
لجان التحقيق في السودان كنمط بنيوي للإفلات من العقاب:
مدخل تحليلي: من الحالات الفردية إلى النمط البنيوي:
من توريت، إلى عنبر جودة، إلى بيت الضيافة، ودارفور، وفض اعتصام القيادة العامة، تتكرر القصة ذاتها. هذا الجزء لا يستعرض الوقائع بوصفها أحداثًا منفصلة، بل كنمط متكرر يكشف خللًا بنيويًا عميقًا.
في هذا الفصل سوف اتناول كيف تم استخدام قانون لجان التحقيق لعام 1954 وفي تقديري لا يمكن فهم أزمة لجان التحقيق في السودان بوصفها سلسلة إخفاقات معزولة أو أخطاء إجرائية عارضة، بل ينبغي قراءتها كنمط بنيوي متكرر يعكس خللاً عميقاً في العلاقة بين السلطة السياسية، وأجهزة العدالة، وآليات المساءلة. فعلى امتداد أكثر من سبعة عقود، تكشف التجربة السودانية أن لجان التحقيق لم تُستخدم، في الغالب، كمسار استثنائي يقود إلى كشف الحقيقة ومن ثم المحاسبة، بل كأداة لتعليق العدالة، وامتصاص الغضب العام، وإعادة توزيع المسؤولية بطريقة تحول دون الوصول إلى المساءلة الجنائية.
ومن حيث الوظيفة العملية، أدّت هذه اللجان دوراً مزدوجاً: فهي من جهة تُنتج خطاباً قانونياً يوحي بالجدية والانضباط المؤسسي، لكنها من جهة أخرى تفصل بين الحقيقة والجزاء، فتحوّل الضحايا إلى شهادات مؤرشفة بلا أثر، وتُبقي الفاعلين خارج دائرة العقاب. ومع تكرار هذا المسار، ترسّخ الإفلات من العقاب كجزء من المنظومة العدلية نفسها، بما أضعف الثقة العامة في القضاء، وكرّس إعادة إنتاج الانتهاكات دون رادع فعلي.
الحالة الأولى: لجنة تقصي الحقائق حول تمرد الكتيبة الاستوائية (1955)
بداية الأزمة: التمرد الاستوائي 1955 وأصل الأزمة القانونية:
تمثل تمرد الكتيبة الاستوائية في أغسطس 1955 نقطة البداية لمرحلة حرجة في تاريخ السودان، حيث واجهت الدولة الوليدة تحديات جسيمة في تحقيق الأمن، ومعالجة التوترات الاجتماعية والسياسية، وضمان العدالة للضحايا. هنا ظهر قانون لجان التحقيق لسنة 1954 كأداة قانونية جاهزة، يُفترض أن توفر إطاراً للتحقيق السريع والمهني، إلا أنه منذ البداية أُستخدم لتفادي المحاسبة الفعلية، ما يوضح هشاشة العلاقة بين التحقيق والعدالة في الدولة الجديدة.
لجنة ميشيل مطران: التوثيق المهني مقابل العدالة العملية:
ترأس القاضي ميشيل مطران اللجنة، وصاغ تقريراً تفصيلياً يوثق الانتهاكات ويحلل أسباب التمرد، بما في ذلك تقييم أداء القوات النظامية. التقرير أصبح مرجعاً أكاديمياً وقانونياً لا يُستهان به، يعكس المهنية والحياد الظاهري للجنة. إلا أن الواقع كشف الفجوة بين التوثيق القانوني والعدالة العملية؛ فقد ظل التقرير أداة لتهدئة الرأي العام وامتصاص الصدمة السياسية، دون أن يتحول إلى وسيلة لمحاسبة المسؤولين.
اللجان كبديل مؤقت للقضاء: النمط المتكرر عبر العقود:
من تمرد 1955 يمكن رؤية النمط الذي استمر عبر عقود: لجان التحقيق تأتي كبديل عن القضاء الجنائي الضعيف، لكنها لا تؤسس لمسار مستدام للعدالة. القوانين والإجراءات الرسمية غالباً ما تُستخدم لتأجيل المساءلة أو لتقديم شعور زائف بالتحقيق، ما يترك الضحايا في دائرة الانتظار الطويلة، ويعمّق شعور الإفلات من العقاب.
العبرة: التوثيق لا يكفي، والعدالة تحتاج إرادة:
التاريخ المبكر للجان التحقيق يعلمنا درساً أساسياً: وجود تقرير شامل لا يساوي العدالة. العدالة الحقيقية تتطلب إرادة سياسية مستقلة، وإطار قانوني يربط التحقيق بالمساءلة القضائية، ويضع الضحايا في قلب العملية. رغم كل التحديات، فإن دراسة هذه التجربة تمنحنا فرصة للتعلم، وتصميم لجان تحقيق أكثر شفافية وفعالية، قادرة على تحويل التوثيق إلى إنصاف حقيقي.
الحالة الثانية: لجنة التحقيق في مجزرة عنبر جودة (1956)
في فبراير 1956، شهد مشروع جودة الزراعي بإقليم النيل الأبيض واحدة من أكثر الفواجع الإنسانية بعد الاستقلال، حين قضى أكثر من مئتي مزارع اختناقاً داخل عنبر مغلق، بعد اعتقالهم خلال احتجاجات مطلبية سلمية ضد إدارة المشروع. كانت هذه الواقعة صدمة وطنية، وأبرز مثال على الانتهاكات الجسيمة للحق في الحياة، وعلى هشاشة مؤسسات الدولة الوليدة في حماية مواطنيها.
استُخدم قانون لجان التحقيق لسنة 1954 مرة أخرى كأداة رسمية لمعالجة الأزمة، وتم تعيين القاضي عبد العزيز شدو لرئاسة اللجنة. قامت اللجنة بجمع الشهادات من الناجين، وعلى رأسهم آدم علي المنوفلي، الذي نجا بأعجوبة عبر ثقب صغير في الجدار سمح له بالتنفس، بينما كان الآخرون يلفظون أنفاسهم الأخيرة. كما وثقت اللجنة روايات من تمكنوا من الفرار قبل جمعهم في العنبر، محاولة بذلك بناء صورة دقيقة للحدث وتوثيق مسؤولية الأجهزة النظامية.
أظهر تقرير اللجنة احترافية في جمع الأدلة وتثبيت الوقائع، وفضح الإهمال وسوء إدارة المشروع من قبل الدولة، لكنه، كالعادة، بقي وثيقة على الورق بلا أي أثر عملي. لم يُحاسب أي مسؤول، ولم تُنفذ توصيات اللجنة، وحُولت المجزرة إلى صفحة مغلقة في التاريخ الرسمي، دون إنصاف للضحايا أو العدالة لذويهم.
تكشف هذه الحالة بوضوح عن خلل القانون والتطبيق: قانون 1954 يتيح تشكيل اللجان بسرعة، لكنه لا يربط نتائج التحقيق بالمساءلة القضائية أو العقوبة. اللجنة تصبح أداة لتسجيل الانتهاك، لكنها لا تملك القوة لفرض العدالة، مما يحوّلها إلى آلية لإدارة الأزمة وتهدئة الرأي العام بدلاً من محاسبة المسؤولين.
وهنا تكمن الحكمة: التوثيق وحده، مهما كان دقيقاً ومهنيّاً، لا يحقق العدالة. العدالة الحقيقية تحتاج إرادة سياسية، وإطار قانوني يضمن تحويل التحقيق إلى مساءلة فعلية، وإشراك الضحايا في العملية. تجربة عنبر جودة تعلمنا درساً عميقاً: أن الإفلات من العقاب يولد ثقافة الإفلات المستمر، ويكرّس الهشاشة المؤسساتية التي يمكن أن تتكرر عبر العقود.
لكن، رغم الخيبة، تظل هذه التجربة دعوة للتأمل والتعلم: فهم التاريخ، والوعي بالثغرات القانونية، ومطالبة المجتمع المدني بالقوة لفرض الشفافية والمحاسبة. فهي تبرز أهمية تحويل لجان التحقيق من آليات شكلية إلى أدوات حقيقية للعدالة، لحماية حياة الناس ومنع تكرار الفواجع.
الحالة الثالثة: لجنة التحقيق في أحداث بيت الضيافة وانقلاب يوليو 1971
في يوليو 1971، شهد السودان محاولة انقلابية قادها الرائد هاشم العطا، أعقبها موجة من عمليات القتل والتصفية داخل المؤسسة العسكرية، لتكون واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ البلاد الحديث. استجاب نظام مايو لهذه الأزمة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية بموجب قانون لجان التحقيق لسنة 1954، في محاولة منه لإضفاء شرعية على السلطة العسكرية وتهدئة الرأي العام.
تولى قاضي المحكمة العليا، مولانا حسن علوب، رئاسة اللجنة، وجُمعت مئات الشهادات من ضحايا الانتهاكات وذويهم، وأعدت اللجنة تقريراً ضخماً مدعماً بالصور والمستندات والشهادات، يقدم سرداً مفصلاً للوقائع والأحداث. كان التقرير، من حيث المحتوى، واحداً من أكثر التحقيقات شمولا ودقة، وأثبت المسؤوليات المباشرة وغير المباشرة داخل المؤسسة العسكرية، لكنه واجه القيد الأكبر: إرادة السلطة السياسية.
لم يُنشر التقرير مطلقاً، وصُنّف ضمن أسرار الدولة، ما حجب الحقيقة عن المجتمع، وأفرغ التحقيق من وظيفته الأساسية في تحقيق العدالة. لم تُستكمل أي محاسبة حقيقية، وتحولت اللجنة إلى أداة لتكريس السردية الرسمية للنظام، بدلاً من أن تكون جسراً للوصول إلى العدالة وإنصاف الضحايا.
تعكس هذه الحالة خللاً جوهرياً في القانون والتطبيق: بينما يمنح قانون 1954 صلاحيات واسعة للجان التحقيق، فإنه لا يربط نتائجها بآليات إلزامية للمساءلة أو النشر، ما يجعل أي تحقيق عميق محكوم عليه بأن يكون بلا أثر عملي إذا واجهت السلطة رغبة في حجب النتائج أو توجيهها سياسياً.
الحكمة المستخلصة هنا واضحة: قوة التحقيق وشمولية جمع الأدلة لا تعني العدالة. العدالة الحقيقية تعتمد على استقلالية اللجنة، على الإرادة السياسية للسلطة، وعلى أطر قانونية تضمن نشر النتائج ومحاسبة المسؤولين. تجربة بيت الضيافة تعلمنا درساً قاسياً: حتى التحقيق الأعمق يمكن أن يُستخدم لتجميل السلطة أو شرعنتها، إذا لم يُحْمَض بنتائج قابلة للتطبيق، وإذا لم يُستمع للضحايا كطرف أساسي في العملية.
ومع ذلك، يظل ما تحقق من توثيق مرجعاً قانونياً وتاريخياً، يمنح الباحثين والحقوقيين فرصة لفهم أبعاد الانتهاكات، والتخطيط لإصلاح النظام القانوني. فهي تذكرنا أن كل تجربة تحقيق، مهما كانت مسيسة، تحمل بذور التعلم والمساءلة المستقبلية إذا ما استُخدمت بوعي ومثابرة.
الحالة الرابعة: لجنة تقصي الحقائق في دارفور (2004)
في العام 2004، كان السودان يعيش واحدة من أكثر أزماته الإنسانية والسياسية تعقيداً، مع تصاعد العنف في دارفور، وما صاحبه من انتهاكات جسيمة بحق المدنيين. في هذا السياق، شكّلت الحكومة السودانية لجنة لتقصي الحقائق، حاملة اسماً يوحي بالحياد والموضوعية، لكنها كانت في الحقيقة مُوجّهة منذ البداية. فقد ركزت اللجنة على «المجموعات المسلحة» كمسؤول وحيد عن الانتهاكات، مستبعدة ضمنياً مسؤولية الدولة وأجهزتها الأمنية، ما كشف عن أحد أهم أوجه قصور قانون لجان التحقيق لسنة 1954: غياب آلية تحصين التحقيق ضد التوجيه السياسي المباشر.

ترأس اللجنة الأستاذ دفع الله الحاج يوسف، وضمّت خبراء قانونيين وأمنيين وسياسيين بارزين، ما جعلها من حيث التكوين الأعلى مستوى مهنياً في تاريخ لجان التحقيق بالسودان، حتى أنني كنت شاهداً على عملها. فقد حاولت اللجنة جمع الشهادات الميدانية، وتوثيق القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي والتهجير القسري، وأعدّت تقريراً سرياً مفصلاً مدعوماً بالوثائق والصور والشهادات.
لكن رغم المهنية الاستثنائية لأعضاء اللجنة، ظل التطبيق محدوداً: لم يُنشر التقرير ولم يُحوّل إلى إجراءات قضائية، بل استُخدم سياسياً لاحتواء الضغط الدولي، ومنع إحالة السودان الفورية إلى العدالة الدولية. اقتصر ما نُشر على موجز انتقائي ركّز على ما يخدم السرد الرسمي، بينما حُجبت الوقائع التي تثبت تورط الأجهزة الحكومية، ما حوّل اللجنة من أداة محتملة للعدالة إلى جزء من إدارة الأزمة السياسية.
هذه التجربة تعكس خللاً بنيوياً في قانون 1954 نفسه: إذ يمنح اللجنة سلطة جمع الأدلة والاستماع للشهود، لكنه لا يربط نتائجها بإجراءات إلزامية للمساءلة أو النشر، ما يجعل أي تحقيق، مهما بلغت المهنية، عرضة للتحييد السياسي. ولأن العدالة لا تقوم بمجرد توثيق الانتهاكات، فإن غياب التنفيذ والشفافية حول النتائج يقوّض الدور الرئيسي للجان التحقيق، ويترك الضحايا بلا إنصاف، ويشجع على الإفلات من العقاب، ويؤدي في النهاية إلى فقدان الثقة في المؤسسات الوطنية.
الحكمة التي يمكن استخلاصها من هذه الحالة واضحة: المهنية وحدها لا تكفي إذا لم تصاحبها إرادة سياسية وإطار قانوني يضمن النشر والمساءلة. تجربة لجنة دارفور تذكّرنا أن توثيق الانتهاكات وإنشاء لجنة رسمية ليست نهاية المطاف، بل مجرد خطوة أولى في طريق العدالة، وأن استغلال اللجنة كورقة سياسية يحوّلها من جسر للعدالة إلى واجهة شكلية، مهما بلغت مهنيتها وعمق التحقيق.
الحالة الرابعة: لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامه (2019)
شهد السودان في العام 2019 مرحلة فاصلة في تاريخه السياسي والاجتماعي، حين تم فض اعتصام القيادة العامة بالقوة، ما أسفر عن مقتل وجرح عدد من المتظاهرين السلميين الذين كانوا يطالبون بالحرية والعدالة. هذه الحادثة جاءت في عصر التوثيق الرقمي، حيث كانت كاميرات الهواتف وشهادات الشهود متوفرة بشكل واسع، وأصبح المشهد العام وملامح مكان الحادث واضحة للعيان، ما يجعلها اختباراً حقيقياً لقانون لجان التحقيق لعام 1954 وفاعليته في العصر الحديث.
استجابة للضغط الشعبي والسياسي المحلي والدولي، أعلنت السلطات عن تشكيل لجنة تحقيق بموجب قانون 1954، وكان من المفترض أن تعمل هذه اللجنة على كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات، وتقديم العدالة للضحايا. ولكن التجربة كشفت مرة أخرى عن الخلل البنيوي العميق في القانون وطريقة تطبيقه:
أولاً، تضمنت اللجنة أعضاء من جهات متهمة نفسها، ما قلل بشكل مباشر من استقلاليتها وحيادها. ثانيًا، تعرض عمل اللجنة لتدخلات أمنية وسياسية مباشرة، شملت التهديد بالشهود، ومصادرة المقرات والمعدات قبل صدور أي تقرير رسمي. ثالثًا، رئيس اللجنة عُين لاحقاً مستشاراً للجهة المتهمة، ما جسد تضارب مصالح صارخ وأكد سيطرة كاملة للجهات المعنية على نتائج التحقيق، وهو نموذج صارخ لإحباط مقصود لأي إمكانية للمساءلة.
على الرغم من جمع بعض الشهادات والشواهد، توقفت اللجنة قبل إعداد تقرير شامل، ولم يُنشر أي تقرير رسمي، ولم تُحاسب أي جهة. هذا الوضع عمّق شعور المواطنين بالإحباط وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة، وأكد مرة أخرى أن لجان التحقيق في السودان غالبًا ما تتحول إلى أدوات شكلية لإدارة الأزمة وليس لتحقيق العدالة.
تجربة فض اعتصام القيادة العامة تكشف عن ثلاث نقاط مركزية:

  1. خلل قانون 1954 البنيوي: القانون يمنح اللجنة سلطات للتحقيق وجمع الأدلة، لكنه لا يضمن إلزامية تنفيذ توصياتها أو استقلالها عن التأثير السياسي المباشر.
  2. السيطرة السياسية على التحقيقات: أي لجنة، مهما بلغت مهنيتها، تصبح غير فعالة إذا سيطرت عليها الجهات المتهمة، وحوّلت التحقيق إلى واجهة شكلية لتبرئة نفسها.
  3. العدالة تتطلب أكثر من التوثيق: حتى مع وعي كامل بالأحداث ووجود شهود وصور ووثائق، تظل العدالة ناقصة إذا لم يُنفذ تقرير اللجنة ويُحاسب المسؤولون.
    الحكمة التي يمكن استخلاصها من هذه الحالة مؤلمة لكنها واضحة: لا يكفي أن نؤسس لجنة للتحقيق أو نوثق الانتهاكات، بل يجب أن تترافق الإجراءات مع إرادة سياسية حقيقية، وحماية استقلال اللجنة، وشفافية كاملة في النشر والمتابعة، لضمان إنصاف الضحايا ومساءلة المسؤولين. غياب هذه العوامل يحوّل اللجان من جسور محتملة نحو العدالة إلى أدوات سياسية لإخفاء الحقيقة، وفض اعتصام القيادة العامة مثال صارخ على استمرار هذا النمط في السودان حتى في العصر الحديث.
    الحالة الخامسة: لجنة التحقيق في جرائم الحرب وانتهاكات قوات الدعم السريع (2023)
    في عام 2023، وسط صراع مسلح واسع النطاق اجتاح العاصمة وأقاليم السودان، أعلنت الحكومة عن تشكيل لجنة للتحقيق في جرائم الحرب والانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع. من المفترض أن تمثل هذه اللجنة أداة للعدالة وإنصاف الضحايا، إلا أن واقع تشكيلها وتنفيذ مهامها كشف مرة أخرى عن ضعف بنيوي عميق في قانون لجان التحقيق لعام 1954 وطريقة تطبيقه.
    أول الخلل كان في السلطة التي شكلت اللجنة: جاءت اللجنة في عهد يسيطر فيه الحاكم العسكري على جميع مفاصل الدولة – من تعيين رئيس القضاء، ورئيس المحكمة الدستورية، والنائب العام، ورئيس الوزراء، وكل المناصب التنفيذية والقضائية العليا – ما ألغى أي استقلالية محتملة للجان التحقيق. الإعلان عن تشكيل اللجنة كان شكليًا، دون تحديد أسماء الأعضاء أو ولايتهم بدقة، ودون أي شفافية في عملها أو منهجية التحقيق.
    ثانيًا، تسمية اللجنة نفسها وحددت مسبقًا المسؤولية على طرف محدد، رغم تعدد الجهات الفاعلة في النزاع، ما أفقد اللجنة حيادها واستقلالها، وحوّلها من أداة تحقيق إلى أداة سياسية لفرض سردية مسبقة. بهذا، لم تعد اللجنة وسيلة لتقصي الحقيقة أو محاسبة المسؤولين، بل أداة لتوجيه اللوم وامتصاص الغضب الشعبي والدولي.
    ثالثًا، غياب أي أثر عملي لتوصيات اللجنة كان واضحًا: لم تُنشر نتائجها، ولم تُحوّل أي توصيات إلى إجراءات قضائية فعلية. وعلاوة على ذلك، أدى أداء اللجنة للقسم أمام منصب غير معترف به دستوريًا إلى تقويض أي قيمة قانونية لعملها، وحرمان الضحايا من أي عدالة ملموسة.
    هذه الحالة تؤكد نمطًا مكررًا في السودان منذ استقلاله: استخدام لجان التحقيق لتوثيق الانتهاكات شكلياً، مع إبقاء المسؤولية القانونية والحقيقية خارج دائرة التطبيق. كل لجنة، مهما بلغت مهنيتها أو شموليتها، تصبح أداة لإدارة الأزمة وحماية السلطة، وليست جسراً نحو العدالة.
    الدروس المستخلصة من تكوين هذه اللجنه:
  4. القانون بدون استقلالية لا يحقق العدالة: قانون 1954 يعطي صلاحيات التحقيق، لكنه لا يضمن استقلال اللجنة عن التأثير السياسي، ما يفرغها من فعاليتها.
  5. التوثيق وحده لا يكفي: وجود شهادات ووثائق ومواد توثيقية لا يعوض غياب الإرادة السياسية في تنفيذ توصيات اللجنة وتحويلها إلى مساءلة فعلية.
  6. اللجنة أداة سياسية قبل أن تكون قضائية: عند السيطرة على اختيار الأعضاء وتحديد نطاق التحقيق، تتحول اللجنة إلى درع يحمى المتهمين ويخفي المسؤولية، بدل أن تكون جسراً نحو العدالة.

ونستخلص علي ضوء كل الحالات السابقة، من عام 1955 حتى 2023، يتضح أن لجان التحقيق في السودان لم تكن جسوراً نحو العدالة، بل أدوات لإدارة الأزمات، وحماية السلطة، وإعادة إنتاج الإفلات من العقاب. وهذا يكشف عن خلل بنيوي مستمر في القانون وتطبيقه، ويضع التساؤل الأهم: كيف يمكن أن تتحول لجان التحقيق من آليات شكلية إلى أدوات حقيقية لإنصاف الضحايا وتحقيق العدالة؟
الأنماط البنيوية المتكررة:
عند مقارنة هذه التجارب الحديثة مع لجان التحقيق السابقة منذ 1955، تتضح أن هناك أنماطاً ثابتة:

  1. غياب الاستقلالية: غالباً ما تكون اللجان مكونة من أعضاء مرتبطين بالسلطة أو الأجهزة المتورطة.
  2. تضييق نطاق التحقيق: التركيز على أطراف محددة واستبعاد الفاعلين الرئيسيين.
  3. التعتيم وحجب النتائج: حجب التقارير أو نشر ملخصات مختصرة، ما يحول التحقيق إلى إجراء شكلي.
  4. فصل التحقيق عن القضاء: عدم إحالة النتائج للنيابة العامة أو المحاكم، ما يتيح استمرار الإفلات من العقاب.
  5. إعادة توزيع المسؤولية دون مساءلة: استخدام اللجان لإظهار تحرك رسمي دون محاسبة فعلية.
  6. الزمن كأداة للإفلات: التأجيل أو تعطيل نشر النتائج يسمح باستمرار الإفلات من العقاب وإعادة إنتاج الانتهاكات نفسها.
    ونستخلص ايضا كما توضح التجارب الحديثة أن لجان التحقيق في السودان لم تعد أدوات لكشف الحقيقة أو تحقيق العدالة، بل أصبحت جزءاً من منظومة متكاملة لإدارة الإفلات من العقاب. فقد تحولت إلى آلية لإعادة توزيع المسؤولية زمنياً وسياسياً، تفصل بين الجرائم ومساءلة الفاعلين، وتحوّل الزمن إلى وسيلة لإخفاء الحقيقة.
    وبذلك، لم تعد هذه اللجان جسراً نحو العدالة، بل ركناً ثابتاً في بنية إفلات الدولة من المحاسبة، تحمي المتورطين وتعيد إنتاج الانتهاكات نفسها، وتحوّل التحقيقات من وسيلة للحق إلى أداة لإدارة النسيان المؤسسي.
    في تقديري على مدار سبعة عقود، سجّل السودان سلسلة من لجان التحقيق التي وُعدت بكشف الحقائق، لكنها غالباً لم تُفضِ إلى محاسبة فعلية. من انتهاكات الحكم الاستعماري، إلى الصراعات الداخلية الحديثة، تتكرر الأنماط نفسها: تقارير رسمية، توصيات غير ملزمة، ووعود بالعدالة تتبخر مع مرور الوقت.
    كل دراسة حالة تروي درساً قائماً: التحقيق وحده لا يكفي. إذ يمكن للسلطة السياسية أن تُحوّل اللجنة إلى غطاء لإدارة الأزمة، أو وسيلة لإسكات الضحايا بدلاً من الاستماع إليهم. هنا تكمن الحكمة: العدالة تحتاج إلى إرادة سياسية مستقلة، وإطار قانوني يربط التحقيق مباشرة بمساءلة قضائية.
    مع ذلك، هناك بارقة أمل. التاريخ الطويل للتحقيق بلا محاسبة يعلّمنا أين تكمن الثغرات، ويتيح فرصة لإعادة تصميم لجان تحقق حقيقية، تضع الضحايا في مركز العملية، وتحوّل التقرير من مجرد وثيقة إدارية إلى أداة للإنصاف والعدالة. فالتعلم من الماضي هو الطريق لبناء مستقبل لا تتكرر فيه معاناة الضحايا بلا حق.
    10
    (10) هل انتهى العمر الافتراضي لقانون 1954؟
    البدائل الممكنة للجان التحقيق في السودان: من الوطني إلى الدولي:
    عندما يُستخدم القانون مرارًا لتعطيل العدالة، يصبح السؤال مشروعًا: هل ما زال هذا القانون صالحًا؟ أم أن الإبقاء عليه دون إصلاح يعني المشاركة في إدامة الإفلات من العقاب؟
    مع فشل لجان التحقيق الوطنية في السودان على مدى عقود، سواء بسبب التسييس، أو ضعف الاستقلالية، أو غياب الجزاءات الملزمة، أو تحويلها إلى آليات شكلية لامتصاص الغضب الشعبي، باتت الحاجة ملحة للبحث عن بدائل عملية وقانونية لتحقيق العدالة والمساءلة الفعلية.
  7. إحالة الوقائع مباشرة إلى القضاء:
    أكثر البدائل توافقًا مع مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات، إذ يجب أن تُحقق الجرائم من خلال سلطة قضائية مستقلة، تتمتع بوسائل قانونية للإجبار (مثل الاستدعاء والتحقيق والملاحقة الجزائية). يضمن هذا الخيار المحاكمة العادلة والعلنية وحق الدفاع، ويمنع تمييع المسؤوليات السياسية أو الإدارية تحت مسمى “التقصي”.
  8. إنشاء هيئات قضائية خاصة أو دوائر متخصصة:
    يمكن للمحاكم أو النيابات المتخصصة في جرائم الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان أن تُسرّع الإجراءات وتتيح تراكم الخبرة الفنية والقانونية. هذا البديل يوازن بين القضاء العادي واللجان المؤقتة، بشرط أن يضمن القانون استقلالها ويوفر لها الموارد اللازمة.
  9. تدويل التحقيق أو الاستعانة بالآليات الدولية والمختلطة:
    في الحالات التي يثبت فيها تعارض المصالح أو فقدان الثقة بالمؤسسات الوطنية، يمكن اللجوء إلى خبراء دوليين، أو لجان مشتركة وطنية–دولية، أو آليات أممية مستقلة. هذه الطريقة تضمن عدم إفلات الجناة من العقاب، خصوصًا عندما تكون الانتهاكات جسيمة أو ممنهجة، وتضع ضغطًا قانونيًا وأخلاقيًا على الدولة.
  10. تعزيز دور البرلمانات عبر لجان رقابة دائمة:
    بدلاً من اللجان المؤقتة التي تنتهي بانتهاء الزخم الإعلامي، يمكن إنشاء لجان برلمانية دائمة بصلاحيات واسعة، مع إلزام الحكومة قانونًا بتنفيذ توصياتها أو تبرير رفضها، شريطة استقلال المؤسسة التشريعية عن التأثير التنفيذي أو الحزبي.
  11. تمكين هيئات الرقابة المستقلة والدستورية:
    مثل هيئات مكافحة الفساد، ودواوين المحاسبة، ومؤسسات حقوق الإنسان، مع ضمان حمايتها قانونيًا من الإقالة التعسفية وتوفير ميزانيات مستقلة وصلاحيات إحالة مباشرة إلى القضاء. هذا الحل يعالج فشل لجان التحقيق في الاستمرارية والاختصاص الفني.
  12. الاعتماد على آليات العدالة الانتقالية:
    في الحالات التي يكون فيها الفشل ممنهجًا ومتراكمًا، يمكن تأسيس هيئات حقيقة ومساءلة وتعويض، تربط بين كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي. هذا النهج يتجاوز معالجة الأعراض ليعالج جذور الخلل.
  13. إشراك المجتمع المدني والخبراء المستقلين:
    يمكن تشكيل لجان خبراء مستقلة بقانون، تضم قضاة سابقين، وأكاديميين، ومهنيين، مع ضمان الشفافية والنشر العلني للتقارير، بما يقلل الطابع السياسي ويعزز الثقة المجتمعية، شرط أن تتحول إلى أدوات ذات أثر قانوني، لا مجرد واجهة استشارية.
  14. تفعيل المسؤولية السياسية المباشرة:
    يشمل هذا تفعيل آليات الاستقالة، وسحب الثقة، والمساءلة الوزارية فور تحقق التقصير الجسيم، بدل استخدام لجان التحقيق لتأجيل المحاسبة. هذا البديل يعكس نضج النظام الدستوري ويحول التحقيق إلى أداة فعلية للمساءلة.
    مقارنة بين اللجان الوطنية والدولية:
    اللجان الوطنية السودانية: غالبًا ما تشكّلت تحت ضغوط سياسية أو إعلامية، وكانت تعاني من:
  15. غياب الاستقلالية وارتباط مباشر بالسلطة التنفيذية أو الأمنية.
  16. ضعف الحياد، خاصة إذا كان بعض الجهات محل التحقيق جزءاً من منظومة الحكم نفسها.
  17. قصور فني وقانوني، مثل غياب تشريعات تجرم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
  18. عدم نشر التقارير أو حجب نتائجها، وعدم تنفيذ التوصيات.
    لجنة القاضي أنطونيو كاسيسي الدولية: شكلت بقرار من الأمم المتحدة، مستقلة تمامًا عن الحكومة، واعتمدت معايير مهنية صارمة:
  19. جمع الأدلة وفق قواعد التحقيق الدولية.
  20. الاستماع إلى الشهادات دون تدخل سياسي.
  21. تقييم مؤسسات الدولة السودانية، بما في ذلك القضاء والنيابة، بشكل موضوعي.
    النتيجة: بينما توقفت التحقيقات الوطنية عند حدود شكلية بلا محاسبة، حولت اللجنة الدولية الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، حيث بدأت محاكمات فعلية.
    إعادة تصميم العدالة الانتقالية في السودان:
    إعادة تصميم العدالة الانتقالية ليست مجرد تعديل قوانين، بل محاولة لإعادة الثقة بالعدالة، ووقف استبدال اللجان بالشكلية بدل الحقيقة. ولكي تكون فعالة، يجب حسم مسائل الاختصاص القضائي، وتحديد المسؤوليات، ورفع الالتزامات الدولية لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وإلا ستظل العدالة الانتقالية مجرد مسرحية قانونية، حيث تُرفع الستائر دون أن يشاهد السودانيون المشهد الأهم: مشهد المحاسبة.
    11
    (11) البدائل الممكنة: كيف يمكن كسر حلقة الإفلات من العقاب؟
    لجان التحقيق في المخيلة الشعبية السودانية: رمز الغياب أكثر من الحضور:
    في المخيّلة الشعبية السودانية، لا تُقاس العدالة بسلامة النصوص ولا بكثرة القوانين، بل بمدى رؤيتها وهي تُمارَس علنًا، تمشي بين الناس، تُسمّى الأشياء بأسمائها، وتضع المسؤول حيث يجب أن يكون، ولذلك أصبحت لجان التحقيق لا المحاكم هي الرمز العكسي للعدالة، وعنوان غيابها لا حضورها. فالفيصل الرئيس للعدالة، وفق هذا الوعي الجمعي الحاد، ليس إعلان النية ولا تشكيل الهياكل، بل تحقق الأثر: أن يرى الناس الفعل وقد أُخضع للقانون، لا القانون وقد أُخضع للفعل السياسي. قانونيًا، يُفترض بلجان التحقيق أن تكون أدوات كشف للحقيقة وتمهيدًا للمساءلة، لكن في التجربة السودانية المتراكمة تحوّلت إلى كيان هجين بلا سلطة إلزامية، وبلا أفق زمني، وبلا حصيلة تنفيذية، تُنتج تقريرًا أكثر أناقة من نتائجه، وأكثر حذرًا من أن يُغضب أحدًا.
    أما فلسفيًا، فإن العدالة التي لا تُرى وهي تُنفَّذ تُفرغ من معناها الرمزي، لأن العدالة ليست فقط إنصافًا، بل طمأنينة عامة بأن لا أحد أعلى من القانون، وحين تغيب هذه الرؤية، يصبح القانون نفسه موضوع شك وسخرية. ومن هنا تنبع السخرية اللاذعة في الوعي الشعبي: إذا أردت إيقاف حدث مأساوي، أو تجميد مسؤولية، أو دفن حقيقة دون إعلان رسمي، فلا حاجة لإلغاء القوانين أو تعليق الدستور يكفي تكوين لجنة. هذه القناعة لا تقتصر على غير المتعلمين، بل يشترك فيها المهني والمثقف والناشط، بوصفها خلا قالصة تجربة تاريخية لا رأيًا عابرًا، إذ باتت اللجنة رمزًا للتأجيل، وآلية لتبريد الغضب، وصيغة قانونية ناعمة لعدم تنفيذ العدالة مع الحفاظ على مظهرها.
    وهكذا، لم تعد لجان التحقيق في المخيلة الشعبية وسيلة للوصول إلى العدالة، بل الطريقة الأكثر كفاءة لتفاديها، في مفارقة قانونية مريرة تجعل من العدالة فعلًا ناقصًا ما لم تُرَ، وتُمارَس، ويُدرك الناس بلا وسطاء أنها فوق الجميع، لا موضوعًا للنقاش، ولا مشروعًا مؤجلًا باسم الحكمة أو التوافق أو “الظرف الاستثنائي”.
    ان لجان التحقيق في المخيلة الشعبية تبين طقس الدولة ووعد العدالة ففي المخيلة الشعبية السودانية، لا تُستقبل لجان التحقيق بوصفها أداة لكشف الحقيقة أو إنصاف الضحايا، بل غالباً ما تُستدعى كرمز فجّ للمسافة الشاسعة بين النظم الحاكمة وفكرة العدالة نفسها. فمجرد الإعلان عن تشكيل لجنة تحقيق لا يبعث على الطمأنينة، بل يستدعي الشك، ويوقظ ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب الناقصة والنتائج المؤجلة.
    هناك حاجزا نفسياً، اذ تمثل لجان التحقيق ما يمكن وصفه بـ التهدئة المؤسسية،، فهي تُستخدم لاحتواء الغضب العام، لا لمعالجته. الضحية، في هذا السياق، لا ترى اللجنة كفضاء للاعتراف بالألم، بل كآلية لتجميد المعاناة داخل لغة بيروقراطية باردة. ومع تكرار التجربة، يتكوّن لدى المجتمع ما يشبه الاستجابة المشروطة للخيبة: كل لجنة جديدة تُستقبل بتوقع الفشل قبل أن تبدأ أعمالها.
    اما من ناحية البعد الأدبي والرمزي فتحولت لجان التحقيق إلى استعارة متداولة في الخطاب العام، ترمز إلى الوعد الذي لا يُنجز، وإلى الحقيقة التي تُعلّق إلى أجل غير مسمى. هي أقرب إلى طقس سياسي يُمارس لإظهار الدولة في هيئة الفاعل، بينما تظل النتيجة النهائية غائبة أو مُفرغة من معناها. في السرد الشعبي، تصبح اللجنة “غرفة مظلمة” تُدخل إليها الوقائع، ولا تخرج منها إلا مخففة أو مبتورة.
    وفي البعد النفسي الجمعي، فالمؤكد ان هذه اللجان تُعمّق شعور الاغتراب بين المواطن والدولة. فحين لا تُنشر التقارير، أو لا تُنفذ التوصيات، يتحول الإحساس بالظلم من تجربة فردية إلى قناعة عامة بأن العدالة ليست حقاً، بل امتيازاً سياسياً. هذا الإحساس لا ينتج الغضب وحده، بل ينتج اللامبالاة القاتلة، حيث يفقد المواطن الثقة في أي مسار مؤسسي، ويميل إلى البحث عن العدالة خارج الدولة، أو التخلي عنها تماماً.
    ومعياريا (Normative)تفقد لجان التحقيق مشروعيتها حين تنفصل عن شروط العدالة الأساسية: الاستقلال، والحياد، والشفافية، وقابلية المحاسبة. العدالة، في جوهرها، ليست إجراءً، بل علاقة أخلاقية بين الدولة ومواطنيها. وعندما تُستخدم اللجان كبديل عن المحاسبة، لا كمدخل لها، تتحول من أداة إصلاح إلى دليل إدانة للنظام نفسه. ومنطقياً، لا يمكن للجنة تحقيق أن تُنتج عدالة في بيئة تفتقر إلى إرادة إنفاذ نتائجها. التحقيق بلا محاسبة هو تمرين في التوثيق، لا في العدالة. وكلما تكرر هذا النمط، ترسخ في الوعي العام أن الدولة لا تحقق لتُحاسب، بل تحقق لتؤجل.
    وفي تقديري تكون المحصله هي عدم إنصاف الضحايا والتي تمثل الغائب الأكبرفي هذه المعادلة، يظل الضحايا الحلقة الأضعف. فهم لا يطالبون باللجان، بل بالاعتراف، والإنصاف، وضمان عدم التكرار. وعندما لا يتحقق ذلك، تتحول العدالة من مطلب واقعي إلى مفهوم مجرد، وتصبح الدولة، في المخيلة الشعبية، طرفاً في الجريمة لا حكماً عليها.
    هكذا تكشف لجان التحقيق، لا عن الحقيقة وحدها، بل عن طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وفي السياق السوداني، أصبحت هذه اللجان مرآة تعكس أزمة أعمق أزمة دولة لم تحسم بعد موقعها من العدالة، ولا من مواطنيها.
    إذا كانت لجان التحقيق قد فشلت، فما البديل؟ هذا الجزء يطرح مسارات عملية: القضاء الجنائي، الهيئات المتخصصة، الآليات الدولية، والعدالة الانتقالية، بوصفها خيارات ضرورية لا ترفًا سياسيًا.
    في وعي السودانيين، لا تُقاس العدالة بسلامة النصوص أو كثرة القوانين، بل بمدى رؤيتها على الأرض، كيف تُمارس علنًا، وكيف يُحاسب المسؤول عن أفعاله. ومن هذا المنظور، تحولت لجان التحقيق إلى الرمز العكسي للعدالة، عنوان غيابها أكثر من حضورها. فالعدالة، في تصور الجماهير، ليست مجرد إعلان نية أو تشكيل هيكل رسمي، بل هي أن يرى المواطنون الفعل وقد خضع للقانون، لا أن يُطبق القانون على الفعل السياسي دون أثر حقيقي.
    اللجنة بين القانون والممارسة:
    من الناحية القانونية، يُفترض أن تكون لجان التحقيق أدوات لكشف الحقيقة وتمهيد الطريق للمساءلة. لكن التجربة السودانية المتراكمة أظهرت أنها كيان هجين، بلا سلطة إلزامية، بلا إطار زمني محدد، وبلا حصيلة تنفيذية. تنتج تقارير أكثر أناقة من نتائجها، وأكثر حذرًا من أن تُغضب أحدًا، ما يجعلها أداة لإبقاء الوقائع معلقة.
    العدالة في الفضاء العام:
    العدالة التي لا تُرى تُفرغ من معناها الرمزي. فهي ليست مجرد إنصاف، بل ضمان شعور عام بأن القانون فوق الجميع. وعندما تغيب هذه الرؤية، يصبح القانون نفسه موضوع شك وسخرية. في المخيلة الشعبية السودانية، تكفي اللجان لإيقاف حدث مأساوي أو تجميد مسؤولية أو دفن حقيقة دون إعلان رسمي. هذه القناعة ليست حكرًا على غير المتعلمين، بل يشارك فيها المثقف والمهني والناشط، إذ باتت اللجنة رمزًا لتأجيل العدالة وإدارة الغضب، وصيغة قانونية ناعمة لإخفاء الحقيقة مع الحفاظ على المظهر الرسمي.
    اللجنة كأداة للتهدئة وليس للعدالة:
    في المخيلة الشعبية، تمثل اللجان “طقس الدولة ووعد العدالة”. الإعلان عن تشكيل لجنة لا يبعث على الطمأنينة، بل يوقظ ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب المؤجلة. فاللجان تُستخدم لاحتواء الغضب، لا لمعالجته، والضحايا لا يرون فيها مساحة للاعتراف بمعاناتهم، بل آلية لتجميدها داخل بيروقراطية باردة. ومع تكرار التجربة، يتشكل لدى المجتمع ما يشبه الاستجابة المشروطة للخيبة: كل لجنة جديدة تُستقبل بتوقع الفشل قبل أن تبدأ أعمالها.
    البعد الرمزي والنفسي:
    تحولت اللجان في الخطاب العام إلى استعارة للوعود التي لا تُنفذ والحقيقة التي تُعلّق إلى أجل غير مسمى. في السرد الشعبي، تصبح “غرفة مظلمة” تُدخل إليها الوقائع، ولا تخرج إلا مخففة أو مبتورة. ومع غياب النشر وتنفيذ التوصيات، يتحول شعور الظلم من تجربة فردية إلى قناعة عامة بأن العدالة ليست حقًا، بل امتيازًا سياسيًا، مما يولد اللامبالاة ويقوّض الثقة في أي مسار مؤسسي.
    العدالة كعلاقة أخلاقية:
    من منظور معياري، تفقد اللجان مشروعيتها حين تنفصل عن شروط العدالة الأساسية: الاستقلال، والحياد، والشفافية، وقابلية المحاسبة. العدالة ليست مجرد إجراء، بل علاقة أخلاقية بين الدولة والمواطن. وعندما تُستخدم اللجان كبديل عن المحاسبة، تتحول من أداة إصلاح إلى دليل إدانة للنظام نفسه. التحقيق بلا محاسبة هو مجرد توثيق، لا عدالة. وكلما تكرر هذا النمط، ترسخ في الوعي الشعبي أن الدولة تحقق لتؤجل، لا لتحاسب.
    الضحايا في قلب المعادلة:
    الضحايا هم الحلقة الأضعف في هذا النمط. فهم لا يطالبون باللجان، بل بالاعتراف، والإنصاف، وضمان عدم التكرار. وعندما لا يتحقق ذلك، تتحول العدالة من مطلب واقعي إلى مفهوم مجرد، وتصبح الدولة، في المخيلة الشعبية، طرفًا في الجريمة لا حكمًا عليها.
    لجان التحقيق كمرآة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم:
    تُظهر تجربة لجان التحقيق في السودان أن هذه الآليات ليست مجرد أدوات قانونية، بل مرآة تعكس الأزمة العميقة للدولة نفسها: غياب الالتزام بالعدالة، وتعطل العلاقة بين السلطة والمواطن، واستمرار ثقافة الإفلات من العقاب. فهذه اللجان تكشف أكثر عن طبيعة الدولة وطريقة إدارتها للحقوق، أكثر من كشفها للجرائم نفسها.
    ليست الأزمة في غياب النصوص، بل في استخدام القانون ضد العدالة.
    وليست المشكلة في لجان التحقيق كفكرة، بل في تحويلها إلى نهاية للطريق بدل أن تكون بدايته.
    في السودان، لم تعد لجان التحقيق جسورًا نحو الحقيقة، بل أصبحت حواجز زمنية تفصل الجريمة عن المساءلة، وتحوّل العدالة من التزام قانوني إلى وعد مؤجل.
    وما لم يُكسر هذا النمط البنيوي، ستظل الحقيقة معروفة… والعدالة غائبة.

imodawiy@gmail.com

عن اسماعيل مضوي

اسماعيل مضوي