hassan.tata.108@gmail.com
أتذكر تلك الصباحات الشاتية والساعة تشير الى الساعة السابعة والربع صباحا الا قليلا…ولسعات البرد الجاف تتهادى فوق النيل العظيم وتغشى حدائق قسم العمارة ذا الزمان، ثم تلسع جلودنا بلا كلل أو ملل….. ونحن نتسابق الخطى للولوج الى قاعة الدرس قبل أن تشير الساعة الى تمام السابعة والربع…ذلك وعد غير مكذوب… حيث يطل الرجل الأنيق بسمته الجميل ووضاءة وجهة البسام. يغلق الباب ويبدأ علمه فى الاندياح.. فماتعى كم مضى من الزمن..حيث يسلب لبك سلاسة طرحه وبساطة بيانه..فهو لايتكلف العلم ولايستصعب الطرح..ثم تأتيك منه على حين غرة طرفة أو قفشة ثم يعقبها بابتسامة عجلى..لكأنه أراد أن يذهب بها بعض الرتابة والملل..ومادرى أننا نتصيد تعليقاته الساخرة وقفشاته ننتظرها انتظارا…
كان درسه ضربا من المتعة فى قالب من العلم…فأنت لاتعى فى حالة الاستلاب تلك أى موسيقار باهر يشكل أنغام الموسيقى.. يتقافز فى مكانه ويشير بأنامله المتراقصة فتنساب مدوزنة الألحان العبقرية..
أم أنك فى حالك تلك تتأمل فنانا يبدع بريشته جدارية العشاء الأخير يتوسطها السيد المسيح أو تلك الألوان التى تحاكى ابتسامة الجيوكندا
أم أنك أمام شاعر يعزف الألحان ويموسق القوافى…ويستنطق الصخر العصى…
كان قدوتنا بروف عمر تلك الباقة من الفنون تمشى على رجلين…
وكانت له صرامة الجد والتقديس فى محراب العلوم
تجلى اجتماع الفنون ورهبانية العلم فى شخصه روحا شفيفة وحساسية مرهفة شكلت كثيرا من مواقفه فى حياته الجامعية…لعل أكثرها وسامة وقوفه منفردا مطلع تسعينيات القرن الماضى ضد قرار مدير الجامعة باقصاء نفر من الأساتذة أحسب أن فيهم بروف عبدالجليل عالم الفيزياء الأشهر… شامخا حدث عن الظلم والتجنى…ورحل عن الجامعة التى وهبها عمره ..ولجها متوجا بالنبوغ من حنتوب أواخر الخمسينيات..وتخرج منها فى أول دفعة درست العمارة مبتعثا الى جامعة ليفربول…ثم عاد يحمل درجة الدكتوراه فى السنة السابعة الستينية…وانخرط راهبا فى محراب تدريس العمارة لكل الأجيال..فكان أستاذ الأساتذة وقدوة الأجيال…درس وعلم… ورفد المكتبات بالمؤلفات والبحوث العلمية وترك بصمته و اسمه ومواقفه تاريخا يروى وعلما ينتفع به.
كان منهجه حيث وجد طلبة علم فعلمه مبذول…فتلقفته كليات وجامعات التعليم العالى الأهلى فأسس مدرسة العمارة بكلية شرق النيل ومكث فيها غير بعيد.. ثم أنتقل الى كلية العلوم و التقانة فأسس قسم العمارة ووضع لبنة كلية الدراسات العليا بها..
وكان مسك الختام رجوعه كبدر التمام لكلية العمارة ..عشقه القديم معززا بوفاء زملائه وتلاميذه لتتشرف الكلية الفتية بربانها القديم…
وقضاءا من الله لايرد..داهمه المرض..ابتلاء وكفارة بحول الله…حتى توفاه الله فى فجر الحادى عشر من سبتمبر الجارى…
الجمع وأنا منهم غرس ذلك العالم.. بهامة النخل.. الذى أعطى ولم يستبق شيئا…علما ونورا وأخلاقا..
اللهم انا نسألك بانك الرحمن الرحيم… البر الودود..المبدئ المعيد..الفعال لما تريد… أن تغفر لعبدك عمر محمد عبدالرحمن الأقرع وأن تتقبل علمه صدقة جارية لروحه.. تنقيه بها من الذنوب والخطايا والآثام…ونسألك برحمتك التى وسعت كل شئ أن تجازيه بالاحسان احسانا وبالتقصير عفوا وغفرانا…ربنا أغفر وأرحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم……
قال أعز من قائل..وقوله الحق:( ان تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه نكفر عنكم سيائتكم وندخلكم مدخلا كريما)
كلمة المهندس معمارى حسن محمود
رئيس رابطة خريجى العمارة جامعة الخرطوم
تأبين الأقرع- منتدى السودان للعمارة- كورنثيا
27 سبتمبر 2014
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم