الريح عبد القادر محمد عثمان
ما اعتقد قوم قط أنهم أفضل من غيرهم إلا أذلهم الله.
ذلك لأن هذا الاعتقاد يناقض أولى شروط العبودية لله عز وجل، ويعادل أسوأ مقولة في الوجود “أنا خير منه”.
من كان كافراً ثم تكبّر في الأرض وتجبّر، سوف يملي له الله لبعض الوقت ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
أما من ادّعى الإيمان بالله، ثم تكبّر على خلق الله، فإن الله يعجل له العقوبة لعلّه يتذكر أو يخشى فيرجع خاضعاً لربه متواضعاً لخلقه.
ومعرفة الداء تسبق تحديد الدواء.
ولا يُعرف الداء فقط بأعراضه الخارجية، بل بمعرفة سبب المرض.
وجرثومة مرضنا هي تضخم “الأنا” في النفوس.
أول ما يصيب النفوس هو العُجب. والعُجب يلد التكبر.
ويتجلى ذلك في الغرور، والشعور بالاستعلاء، وحب التميز.
وحب التميز يؤدي إلى طلب الثروة والسلطة والسمعة.
والتكالب على الثروة والسلطة والسمعة يتطلب السير على جماجم الآخرين.
ذلك على المستوى الفردي.
أما على المستوى الجماعي، فيغمر الناس وهمٌ طاغ بأنهم أفضل من يمشي على الأرض: أكرم الناس، وأشجع الناس، وأفضل الناس!
وإذا كانت الحرب قد أنشبت مخالبها على بلدنا، فإن الحروب لا تنشب بين أبناء الوطن إلا حين تلتهب قلوب الأفراد بالتباغض والتحاسد والتكبر. وفي حربنا هذه، لا يتحارب المتحاربون إلا من أجل السلطة. ولا يحب السلطة أحدٌ ويسعى إليها ويقتل ويقتل من أجلها إلا لِكِبْرٍ في نفسه، واستعلاء على غيره. وهذا الكبر هو سبب ما نحن فيه من الذل.
لقد ملأ الكِبْر قلوبنا فرادى وجماعات. كل واحد منا يريد السلطة والشهرة والتميز. كتم ذلك أم أظهره. وفي قلب كل واحد منا “أنا خير منه”، وفي قلب كل مجموعة أو قبيلة أو أهل منطقة “نحن خير منهم”. وصار الواحد منا لا يأنس لنفسه ولا يرضى عنها إلا إذا شعر بأنه “متميز”. فتفشى التنافس والحسد والتباغض.
ويبدو كأن هناك آلة ضخمة تمولها جهات غامضة وتوجِّهها لإنتاج القصص الفارغة والتاريخ المزيف بهدف تضخيم الذات السودانية لتنفجر على نفسها. وأصبح هناك ميدان بحثي مزيّف، يستحق أن نطلق عليه “ميدان الأبحاث التفاخرية السودانية”، حيث نجد باحثين مزيّفين يدفعهم حب الفخر إلى صناعة تاريخ يجعل السودانيين أول الناس وأفضل الناس! بل إن هؤلاء يفتحون حتى المصحف الشريف ليس من أجل الهداية والرشاد، بل بحثاً عمّا يثبتون به أن سيدنا موسى سوداني، وأن فرعون موسى (كمان) سوداني: “وهذه الأنهار تجري من تحتي”! ولا يعلم هؤلاء الجهلة أن فتح المصحف الشريف لمثل هذا الغرض تدنيس له!
بسبب حب التميز والاستعلاء انطلق الكل لاهثاً وراء الحكم والمناصب والألقاب والشهرة.
إنّ الكِبرٌ نار لا تنطفئ حتى تحرق كل شيء. ولا أشك أن النار التي تحرق أرضنا حالياً، وتحرق أحشاء الأمهات والآباء في بلادنا، هي نار التكبر والاستعلاء.
إن الحل الذي نقترحه لا يعتمد على المجتمع الدولي الذي لا يراعي إلا مصالحه.
ولا على دول الجوار التي وجدت ثوراً سميناً واقعاً على الأرض فاستلت سكاكينها لتنال حظاً من لحمه.
بل هو حل يعتمد عليك أنت شخصياً أيها السوداني وأيتها السودانية.
كثيراً ما نعتقد أن المشكلة في الآخرين، ويعتقد كل واحد منا أن الآخرين مسؤولون عن مشكلته.
إن أفضل دور لك في حل أي مشكلة هو أن تحاول أن تتأكد من أنك لست جزءاً منها.
وغالباً ما لا نستطيع حل المشكلة حين نوجه الاتهام إلى الآخرين.
أما حين نوجه أصابع الاتهام إلى أنفسنا فإن الحل يكون في متناول أيدينا.
الحل في أن نتخلى عن حاجتنا، الفردية والجماعية، إلى الإحساس بالتميز، وأن نكتفي بأن نكون بعضاً من عباد الله: لا أحسن من الناس، ولا أقل من الناس. كلنا سواء، والله وحده هو الذي يعلم الأكرم والأفضل: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، والتقوى كامنة في القلوب، لا يعلمها إلا علام الغيوب.
الحل في أن نُنشئ وطنًا لا يعمل أبناؤه من أجل الفخر، بل يعفّ أبناؤه عن التفاخر والمباهاة.
فالأوطان لا تُبنى من أجل الفخر، بل من أجل الحياة وكرامة الإنسان.
ولذلك فإن هذه الدعوة موجهة إليك شخصياً للانضمام إلى “مشروع التواضع الوطني: تواضعٌ على التواضع”.
إنها دعوة عامة أوجهها بصورة شخصية إلى كل مواطني ومواطنات السودان!
وهذه الدعوة لا تقول للناس “تواضعوا”، بل تقول لهم: اعرفوا ما هو التواضع أولاً.
يقوم مشروع التواضع على ركيزتين أساسيتين:
أولاً: ألا تعتقد أنك أفضل من أي أحد.
إن شعور الإنسان بأنه ليس أفضل من غيره يوصله إلى السلام الداخلي، وإلى المصالحة مع نفسه ومع الناس. فإن اجتهد وثابر فتفوّق، فليس ذلك من أجل الإحساس بالتميز عن الناس، بل من أجل العطاء سعياً لخدمة الناس وطلباً لرضا الرحمن.
ولن ينشأ السلام إلا بالمحبة؛ ولا يمكن أن تنشأ المحبة بين أفراد مجتمع يقول كل فرد فيه عن الآخر “أنا خير منه”. ولا يتحول أبناء الوطن إلى جيوش تقضي على الحرث والنسل إلا بعد أن تجف قلوب الأفراد من المحبة، وتمتلئ بالكبر والاحتقار، فتقسو النفوس فترخص الدماء.
ثانياً: أن تقبل الحق مهما كان قاسياً عليك وأيّا كان قائله
من أفظع الأمور أن تظن أن الحق دائماً معك ومع الجهة التي تظن أنها تمثلك.
وترى أن الآخرين لا يملكون الحق ولا يعرفونه، ولا يمكن أن يكون الحق معهم.
ثم تعتقد بعد كل ذلك أنك “متواضع”.
“يا زول انت متكبر وما عارف نفسك”.
“وأحسن ليك تلحق نفسك”!
عليك أن تعلم أن عدوك إبليس يريدك أن تبغض أخاك الإنسان وتحتقره، فتصبح شيطاناً متكبرا مثله، فتكون رفيقه في السعير!
نعم، نحن لا نعرف حقيقة التواضع، ولذلك نعتقد جازمين أننا متواضعون.
ونحن لا نعرف حقيقة التكبر، ولذلك تعمى قلوبنا عن رؤية ذراته الدقيقة التي تغطينا.
وذرة واحدة من الكبر تكفي لحرماننا من دخول الجنة.
ويتبسم الشيطان فرحاً بجهلنا بأعظم فضيلة ممكنة على وجه الأرض، الفضيلة الوحيدة التي تضمن لنا الخلاص والرفعة، ألا وهي التواضع!
ويطير الشيطان فرحاً بجهلنا بأفدح ذنب عُصي به الله عز وجل، وهو الكِبُر!
جميع مشاكلنا سببها أن كل واحد منا يرى نفسه أفضل من الآخر.
ليس التواضع أن تكون طيباً، بسيطا، “أخو أخوان”، بل التواضع ألا ترى نفسك أفضل من أي أحد من الناس، رجالاً ونساءً، صغارا وكبارا، عصاة ومهتدين، وأن تنصاع للحق أيا كان قائله؛
وليس التكبر أن تكون قوياً أنيقاً مهيباً؛ بل التكبر أن تسمع الحق فلا يُعجبك، وتغضب منه، وتنكره، وأن ترى نفسك أفضل من غيرك.
وليس التواضع أن تحاول أن تتنازل عن عظمتك، بل أن تكون متأكداً في قرارة نفسك أنك لست عظيماً؛
وليس التواضع أن تقلل من قدرك؛ بل أنْ تحس متيقناً أنك ليس لك قدرٌ أصلا، وكل ما لديك عطاء من الله بلا حول منك ولا قوة؛
وليس التواضع أن تخفّض من مقامك، بل أن تظل متأكداً بينك وبين نفسك أن مقامك التراب وأنك من التراب وإليه؛
وليس التواضع أن تشعر بأنك كبير فتتصاغر، أو طويل فتتقاصر، بل أن تدرك أنك، في ملك الله، مثل ذرة هباء، وإنك متلاشٍ، وكل الناس، وكل الخلق، متلاشون.
ثم أننا نجهل عظمة التواضع وأهمية التواضع.
إذا كان الدين هو الأخلاق، فإن القاعدة التي تقوم عليها جميع الأخلاق هي التواضع؛
وإذا كان الدين هو المعاملة، فإنّ أساس كل معاملة حسنة هو التواضع؛
وإذا كان الدين هو العبودية، فإن شرح العبودية هو التواضع.
بدون تواضع يغدو كل خلق محض رياء؛ وبدون تواضع تغدو المعاملة استعلاء؛ وبدون تواضع ينهدم أساس الأخلاق، وينهار أساس العبودية.
تواضعنا هو أكبر وأوضح حقيقة علمية في الوجود: نحن وكوكبنا ذرة في فلاة لا نهاية لها.
والتواضع هو جوهر الإسلام الذي ندعي الانتساب إليه.
وبالإسلام يصبح خير الناس أتقاهم، لا ذكرهم ولا أنثاهم، لا أبيضهم ولا أسودهم، لا كبيرهم ولا صغيرهم، فالتفاضل إنما يكون بالتقوى، والتقوى خبيئة في القلوب، ولا يطلع على ما في القلوب إلا علام الغيوب.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم يفهمون أن الإسلام هو التواضع في القلب وفي السلوك، وأن عبارة “أعزنا الله بالإسلام” تعني “أعزنا الله بالتواضع”.
لقد بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق؛ أي أنّ مكارم الأخلاق كلها كانت موجودة، إلا التواضع، فجاء عليه الصلاة والسلام بالإسلام، فتحقق التواضع، فتمت به مكارم الأخلاق. أجل، الإسلام هو إسلام الأمر كله لله، وما ذلك إلا التواضع: أن تضع نفسك فلا ترى لها حولا ولا قوة ولا فضلاً. جاء صلى الله عليه وسلم بالإسلام، أي بالتواضع، ليهدم به الجاهلية، أي القبلية والعصبية والتكبر والاستعلاء وعبادة الطاغوت. جاء الإسلام ليبني أسس الخضوع لله والمساواة بين الناس، رجالا ونساءً، كباراً وصغاراً، مهما اختلفت ألوانهم وألسنتهم وقبائلهم مناطقهم وبلدانهم.
لكننا شيئاً فشيئاً نسينا معنى الإسلام ودلالته الضرورية على التواضع، حتى صار الكثيرون يفهمون أن الإسلام يعني العكس تماماً: أن ترى نفسك أفضل من الجميع: أفضل من غير المسلمين لإسلامك، وأفضل من المسلمين لبعدهم عن الإسلام في نظرك.
لا نقول فقط “لا للقبلية”، بل “لا لذكر الانتماء القبلي”!
إنّ مِن أول ما يدعو إليه مشروع التواضع أن نضع القبلية في المتحف!
معنى ذلك أننا لا ندعو فقط إلى نبذ القبلية والعصبية والمناطقية، بل إلى عدم جواز ذكر الهوية القبلية.
لقد كانت القبيلة في السابق جزءاً من نظام الأمن والتكافل الاجتماعي. ولكنها الآن لم تعد ضرورة، ولم يعد الغرض من الانتماء إليها تحقيق الأمن وكسب العيش، بل لم يعد الانتماء القبلي إلا وسيلة إلى التمايز والاستعلاء والمفاخرة! وإلا فلماذا يصر طبيب سوداني في سكوتلندا، ومهندس سوداني في أمريكا، وأستاذ جامعي سوداني في السعودية أن يتعمد ذكر انتمائه القبلي فيقول أنا جعلي أو شايقي أو دنقلاوي؟ ما الذي يدعو لذلك غير المفاخرة والمباهاة؟
وإني لأمضي إلى القول غير هيّاب إنّ من ذكر قبيلته متفاخراً فقد باع بها جنّته!
“وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا”. والتعارف هو ممارسة المعروف، والتعاون، والتآلف، والتضامن. أما وقد أصبح الانتماء إلى القبيلة وذكرها ما هو إلا وسيلة للتمايز والمباهاة، فإن ذكر القبيلة لم يعد جائزاً. ومن ذكر قبيلته مباهياً فقد باع بها جنته.
إنّ من أفظع الأمور أن ينظر الإنسان إلى شكله ولونه وقبيلته ومنطقته ليحدد انتماءه، بل يكفيه أن ينظر إلى التراب الذي خلق منه وسيكون مصيره إليه ليحدد هويته؛
والأفظع من ذلك أن ينظر إلى أشكال الآخرين وألوانهم وقبائلهم ومناطقهم ليحدد علاقته بهم: يحبهم أم يحتقرهم!
يجب أن يكون انتماؤنا للأرض عامة، ولأرض السودان خاصة.
يِنُمُّ الاعتداد بالانتماء القبلي عن بعدٍ مُوحشٍ عن روح الله خالقنا، سبحانه وتعالى، الذي لا ينظرُ إلى أشكالنا ولا إلى ألواننا، ولا إلى قبائلنا ولا إلى مناطقنا، وإنما ينظر إلى قلوبنا وأخلاقنا وأعمالنا ومعاملاتنا.
اللهم إنك تعلم أن الانتماء إلى القبيلة في وقتنا الحالي لم يعد ضرورة ولم يعد إلا وسيلة للانقسام والتفاضل والتطاول والتنابز والتفاخر بين الناس، اللهم فلا تقم للقبيلة ولا للعنصرية ولا الشعوبية راية لا في قلوبنا ولا في بلادنا!
اللهم إنا نعلم أن أبا لهب قرشي هاشمي، ولكنه ليس من آل محمد؛ وأن بلالا عبد حبشي، ولكنه من آل محمد. صلى الله عليه وسلم.
آل محمد، صلى الله عليه وسلم، كل من كان متواضعاً مثل بلال؛ أما آل إبليس وفرعون وهامان فكل من أراد تمييز نفسه بقبيلته أو منطقته، وقال في نفسه “أنا خير منه”، وتباهى وتكالب على السلطة والثروة ليتميز بها ويتعالى بها على الناس.
اللهم فاجعل همنا التواضع لك ولخلقك، ولا تجعل همنا إحياء الانقسام إلى القبائل والأعراق، ولا الاغترار بالأنساب والأحساب، ولا الاحتفاء بالألوان والأشكال!
إن الحل — لنا ولسوانا — هو التواضع!
ويدعونا التواضع ليس فقط إلى نبذ القبلية، بل إلى نبذ القبيلة، ونبذ المناطقية وأشكال العصبيات كافة.
والتواضع هو أعظم قوةٍ حباها الله للبشريةّ!
إنه أعظم قوة رافعة في الكون: به يرتفع الناس، وبدونه يسقطون في الحضيض.
ولكل شيء مطية توصل إليه، والمطية الموصلة إلى العلم هي التواضع.
ومن أراد أن يرى حقيقة ما حوله، صعد إلى أعلى مكان في الأرض. وأعلى مكان في الأرض هو في الحقيقة مكان ننزل إليه، وحين ننزل نرتقي (أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد). وحين ترتقي بالتواضع، سوف ترى ليس فقط حقيقة نفسك، بل سوف ترى جميع الطغاة في أحجامهم الحقيقية: أمثال الذٌ يطؤهم الناس.
وحين يتحقق التواضع، تصبح الرفعة لزاماً على الله عز وجل.
فالله سبحانه وتعالى هو الذي وعد، ووعده الحق؛
وأخبرنا بذلك الصادق الأمين، عليه أفضل الصلاة وله التسليم: “ما تواضع لله أحد إلا رفعه”. شرط وجوابه؛ ووعد والتزام بالوعد.
elrayahabdelgadir@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم