في القاهرة سرقني مفتش التموين….تدشين الكتب ومبكيات اخرى

د عبدالرحيم عبدالحليم محمد
كان النيل ينساب في اعماقي نهرا من الحزن والدموع هذه المرة ، فلم يكن في وجداني انعكاسا لنيل الوطن في انسيابه نحو الشمال فكان ذلك احساسا سابقا في القلب والعقل يتلبسني كسوار جميل كلما هبطت ارض مصر كل عام مع فعاليات معرض الكتاب. ومع أن نيل الوطن في عزلته كان حاضرا ، الا أن حضوره كان كمأـتم قليل المعزين رغم كبر السرادق وهول الفجيعة في وطن خربته حرب بأيدي ابنائه فلا هم كرام ولا بررة.
كانت تحتشد في قلبي حالات هيام السودانيين بمصر المؤمنة باهل الله واخت بلادي وكأني بمصرا ذا لامست يداك مقطمها والهرم …ونحن من نحن غير مصر الخ مما غنى الشعراء وشدا المادحون ـ كلما أـبصرت من عل في الطائرة هبوطا نيل القاهرة كمداد سائل من الفضة يمر بباب اهل وادي النيل كل يوم خمس مرات فلا يبقي ذلك من درنهم شيء فالنيل هنا يقول أنا سيد الأواصر ورحم الصفاء وحامل التشاجن الجميل بين الاهل. إن تخريب الوطن وسفك الدماء في بلادنا ، لم يكن وحده غصة في حلقي وانا أهبط مطار القاهرة هذه المرة فهذه المرة لم أجد أحباب كثيرين طوتهم يد المنون في مصر خصما على فاتورة الضحك الجميل والنغم الساهر والذكريات التي ما فتأت تتراقص حيالي كجنية القى بها الدهر في وادي النيل لاسعاد سكتنه وادخال البهجة في قلوبهم كلما نزلت الى أرض مصر وقابلت بها أحباب قليلين. نخنا ونحن الشرف الباذخ دابي الكر شباب النيل …. وبداية زياراتنا الخاجية في كتاب صورمن الخارج في مناهج الجغرافيا القديمة لأحمد في مصر،وتلك كانت زراعة وجدانية لنا في الصغر أن أول غيثنا في التعليمي في العمر النضر ..أن نتعرف على أحوال مصر وان نعرف أنها لها الأولية خارج حدودنا الجغرافية. حب مصر أتى أولا في ذلك المنهج ومعرفتها قبل الأخرين مثل هري في الولايات المتحدة ورشك في الهند وفرانك في انجلترا وغيرهم من اصدقاء افتراضيين حفل بهم ذلك المنهج الرايع..
هبطت الى مطارها في منتصف ليلة الخامس والعشرين من يناير2026. عمال الخدمات في المطار يحدقون في الركاب الواصلين الكل يحاول اقامة صلة ما بالراكب القادم لالتقاطه والسير به عبر نقاط عدة بامكان الراكب القيام بها بنفسه دون ان يتدخل ذلك العامل في جيبه أومزاجه. وربما تعمد مسؤول او شرطي اختلاق مشكلة او عبارة تسهيل دخولا الى جيب الراكب.كان علىَّ تغيير شريحة هاتفي الامريكي بشريحة محلية وبعد أن قمت بذلك ، كان موظف شركة فودافون مجاملا حيث وضع الشريحة الامريكية في حافظة صغيره للشريحة المصرية ، وهنا شكرته ووضعت تلك الحافظة بعناية في جيب شنطة ملابسي الخارجي. ثم تقدمت بالعربة المحملة بأمتعتي عبر الصالة للخروج وايجاد وسيلة نقل لاخذي الى داخل المدينة حيث ستكون اقامتي بمنطقة المهندسين.
كان السائق فارع الطول ممتليء الجثة يرتدي ترة جلدية سوداء متواضعة لمواجهة برد القاهرة في تلك الليلة ، تقدم نحوي عارضا نقلي في سيارته الخاصة الى منطقة المهندسين بمبلغ كبير حسب فئات النقل التي اعرفها ولكنني وافقت ازاء حالة الاجهاد التي نالت مني متمنيا الوصول الى سرير ارتاح عليه قبل ان أنتظم في تفاصيل المدينة وامور اخرى تتعلق باستلام مؤلف جديد لي وحضور فعاليات معرض الكتاب ثم الولوج في مجاملات لا حصر لها داخل مدينة واسعة كالقاهرة. كان وجهه كالحا بلا ملامح كقطعة بلاط. قال لي في الاساس انه مفتش تموين وانه يأتي الى المطار مساء للعمل على سيارته.في الطريق الى المدينة بعد ادخال حقائبي ، كاني السائق يتحدث عن ضرورة خروج الحكومة مراقبة التموين. عندما طالت المسافة ، أحسست بأنه لا يعرف الوجهة فاستعان ببعض المارة بعد جهد ليوقفني أمام ب العمارة ويباشر مع اخرين هرعوا كجراد منتشر للمساعدة في انزال حقائبي الثلاثة!! في جيب احدى الحقائب مظروف صفير يحمل كرت رقم هاتفي الامريكي ولا اعرف كيف تسللت اليه يدذلك المفتش اللص. وكان معطفي وبجيبه نظارتي للقراءة في المقعد الخلفي . وبخبرة مفتش تموين،تمكن من التسلل الى جيب الشنطة واخفاء معطف البرد عند انزال الامتعة فهوبخبرة تعرف كيف “يُفتَّش ويلطش”. اختفى المفتش وبقيت وحدي في غرفتي اردد..فيك يا مصرأسباب أذايا…ليس للقيمة العالية لما فقدته ولكن لمعاناتي مع بطاقة الهاتف ونظارة القراءة كفصل آخرمن المتابعة والجري في بلد كامريكا بعد عودتي ومثل هذه التفاصيل مرهقة لمن يعرفها وعايشها في بلد كامريكا … بلد لا تكتنز الا بالتطويل وغلو التفاصيل رغم تقنيتها وحضارتها البائسة.الخاسرة.
على هامش معرض الكتاب لهذا العام، كنت مدعوا لحضور توقيع وتدشين “غرباء لكن يشبهوننا”للاعلامية في البي بي سي الاستاذة صفاء الفحل…تشكيلة واقعية قصصية من دراما الحياة فقد تختلف الثقافات لكنها تتقاطع في العديد من مظاهرها بقيم مشابهة لوجداننا العربي او الافريقي او الاسلامي. هنا تذكرت مفتش التموين وتذكرت مشرفا العمارة السوداني الذي ادخلني في مسكن غير المتفق عليه بتكلفة دولارية مضاعفة وبمبلغ كان يكفي للاقامة في شيراتون القاهرة واختفى من ناظري كشيطان.وهنا تذكرت لونية السطو الذي حل بي مصريا وسودانيا وتذكرت كتاب الاستاذة صفاء ووددت لو انها حولت عنوانه الى “يشبهوننا لكنهم غرباء”. قرأت عند عودتي مقالا اسفيريا لزائر جاء من الكويت للقاهرة فكتب” حين خرجت من باب العمارة متجها إلى السيارة لتقلني إلى المطار في رحلة العودة إلى الكويت، كانت هناك مجموعة من الكلاب، بعضها رابض والبعض الآخر واقف، يقودهم كلب ضخم بحجم عجل صغير، وبه من اللحم ما يكفي لأكثر من 3000 ساندويتش شاورما وحواوشي سيأكلها اهل هذا البلد الطيب والسواح الذين يأتون بالآلاف كل يوم إلى أرض المحروسة! مشكلة الوزراء في مصر أنهم لا ينزلون إلى الشارع، أو كما قال عنهم كمال الشناوي في فيلم الأرهاب والكباب : ” في وزراء قاعدين في مكاتبهم بيسمعوا مزيكة وبيطلعوا في التلفزيون أكثر من الفنانين” ! اختلطت سلطة الجيش العسكرية بسلطة رئيس الوزراء المدنية، فصار كل منهما يتوقع أن يقوم الآخر بعمل كان يفضل أن يقوم به .. هو!! فضاعت الطاسة، وصار هناك كلب إلا ربع لكل مواطن قاهري .. مقهور! ” ذلك الكاتب ذكر بأن في القاهرة ملايين الكلاب وقارن ذلك بعدد السكان .تمنيت لو أن ذلك الكاتب أضاف حالة السائق المفتش ووكيل العمارة السوداني اسهاما في رفع طاقة مصر الاستيعابية من الكلاب.
لقد أشرت الى الكتب وتدشينها في مصر فوجدت من خلال تجربة خاصة كيف ان هذا السوق خاسر وفاتر ومريض ومجال للمتاجرة والغش . في أطراف المدينة الصدأة ، هناك ما يسمي نفسه بالمركز أو المقهى الثقافي . يأتي المؤلف من بعيد ،تفوح من ثيابه ومن مؤلفه رائحة البعد. أصحاب تلك المراكز، يجسون المؤلفين كالخراف. ينظمون اللقاء ويعينون مديرا سطحي الفكر لادارة الحوار مع المؤلف…يسألك أسئلة دائريو وعينه داخل جيبك كحالتي في ذلك المقهى التعيس الذي يسمي نفسه باسم طائر مغرد بينما يتصرف كنسركاسر جارح . في ذلك المقهى وأمثاله تدار كؤوس الشاى والقهوة المعدة من فتيات بالمركز او المقهى.لحضور لا هم لهم سواء قضاء الليل بالاستماع الى فنان او فنانة من الذين قذفت بهم الحرب الى ليل القاهرة.الكتب المراد تدشينها ترقد كاعجاز نخل منقعر عرضة لأخذها مجانا من قبل صديق أو تركها للموت البطيء عى رف ما يسمى بالمركز او المقهى الثقافي . لا وجود لجهة رسمية اعلامية او ثقافية من سفارتنا ترعى مثل تلك الفعاليات فلا أحد هناك يدرك مغزاها أو يفهم طبيعة مسماه الوظيفية لرعاية شئون المبدعين من كتاب أو شعراء. أؤلئك الأغبياء في كهوف التدشين يفهمون أن رسالتهم هلي أن يكرمهم المؤلف مقابل تلميعه وطرح انتاجه للناس، بينا يستخدمون المناسبة لعرض انتاجهم من الشاى والقهوة والساندوتشات على الحضور أو تكليف المؤلف بها مقابل أن يغطي عائد الكتب ما يدفعه المؤلف الامر الذي لا يحدث أبدا.
عدت من القاهرة هذه المرة بعد امراض برد وبشر عديدة وفي ذاكرتي ما اخبرني به سائق تاكسي بأن هناك مقهى يسمي نفسه باسم احد جرائدنا الالكترونية …هنالك حيث يتذكر المرء بيت محى الدين فارس:
والجاز ملتهب
يهز حياله نهد وجيد
جئت من هناك مرددا:
وكم ذا بمصر من المضحكات
ولكنه ضحك كالبكا

abdelrmohd@hotmail.com

عن د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد