في ذكرى رحيل الطيب صالح .. بقلم: طلحة جبريل
20 فبراير, 2015
منشورات غير مصنفة
27 زيارة
في ذلك المساء ، وكان يوم ثلاثاء أيضاً في الثامنة وخمسين دقيقة في السابع عشر من فبراير من عام 2009 أغمض الطيب صالح عينيه ومضى الى “حال سبيله”.
لا زلت أعيش شخصياً هذه الفاجعة.
من يعرف “طيبنا الصالح” عن قرب، سيعرف ماذا يعني “الحزن”.
كل ما يأتي هذا التاريخ أتذكر كلماته وجمله، منها عبارة يقول فيها ” رجل جاد به الزمان في لحظة من لحظات أريحيته النادرة ثم مضى … ويا للحسرة”.
قرابة أربعة عقود التقينا كثيرا وتحدثنا كثيراً.
كنت دائماً إحرص أن أنصت اليه.
لكنه لا ينفك إن يطرح بطريقته الرائعة المهذبة ” أنت يا شقى الحال رأيك شنو”.
تعلمت منه الكثير ، أسلوباً وفكراً ثقافة وذوقاً وأخلاقاً وأريحية ..ورقي.
المرة الوحيدة التي تناقشت فيها معه بنبرة مختلفة عندما زار الخرطوم في أبريل عام 2005 .
وهي زيارة ما زلت إعتقد أن بعضهم أراد جره اليها جراً مستغلين سماحة وسمو خلق الرحل.
يومها التفت نحو محمود صالح عثمان صالح رحمه الله ، في حوار مسجل وموثق وأحتفظ بأدلته وقال ” يا محمود ألم أقل لك إن شقي الحال لن تعجبه الحكاية”.
ثم قال جاداً ” يا أخي السودان هذا بلدي هل أحتاج لزيارته الى دعوات”.
كان رأيي الذي لم يتغير حتى الآن ” الوطن أكبر بكثير من حكامه، الحكام ظواهر عابرة أم الوطن سيظل باقياً في دواخلنا الى الأبد”.
***
كان الذين ألحوا ونظموا رحلة الطيب صالح الى السودان في إبريل من تلك السنة، يرغبون في أن يضع الكاتب مقاله الشهير “من أين جاء هؤلاء” خلفه على حد تعبيرهم، لكن سيقول لي الطيب بعد أربعة أشهر من زيارته، في الحوار المسجل “كان أول ما لفت انتباهي الشباب الذين التقيتهم في الخرطوم،التقيت شباناً وشابات رائعين يحتاجون إلى من يتولى تعبئة طاقاتهم. شباب واثقون من أنفسهم، يناقشون بجرأة شديدة، لكن لاحظت أنهم يعانون فوضى عقلية وفكرية. وجدتهم تائهين يبحثون عن دليل، وأظن أن ذلك بسبب البلبلة الفكرية التي حدثت في السودان، وفي اعتقادي أن أكبر ذنوب حكام السودان أنهم لم يعرفوا كيف يعبئون طاقات الشباب. هؤلاء الشباب ظلوا يبحثون عن رمز أو مثل أعلى لكن آمالهم خابت في كثيرين لذلك حدث لهم خلط مؤسف. وأكثر ما أثار دهشتي أنهم وجهوا نحوي طاقة من الحب لا يمكن أن توصف ربما لأنني لم اتورّط في الخلافات السياسية، والشباب دائماً يبحثون عن الثبات في المبادئ”.
ثم تطرّق إلى ابداعات أولئك الشباب قائلاً “على الرغم من الأزمات الخطيرة التي مرّت بها بلادنا وكان يمكن أن تدمره وتقعده إلى الأبد، لكن وجدت أشياء متماسكة ووجدت إبداعاً، شباب يكتبون كتابات ممتازة ويبدعون في جميع المجالات، في الشعر والنثر والموسيقى والغناء والتلحين والرسم. ثمة طاقة عجيبة في هذا البلد لا تزال موجودة، ربما إذا أراد الله فينا خيراً أن نهدأ ونتوجّه إلى هذه الطاقات التي نتوفر عليها ونعمل شيئاً. وفي اعتقادي أيضاً أن طاقات الشباب إذا لم يجدوا لها مجالات تستوعبها يمكن أن تتحوّل إلى ظاهرة سلبية وتدمّر البلد”.
سيقول الطيب صالح في ذلك الحوار عن السودان “هذا بلد ، كما كنت أقول منذ زمن طويل غير عادي. حساسية الناس وذكاؤهم واستعدادهم للتضحية واضحة. أعتقد أن كل هذا تداخل تداخلاً شديداً، وبدأت هذه البلبلة منذ عهد جعفر نميري لأنه حكم فترة طويلة تحوّل فيها من اليسار إلى اليمين إلى التدين”.
في ذلك الحوار الوثيقة قال عن النظام الحالي ” الواقع أن هؤلاء الجماعة خلطوا الأمور خلطاً شديداً. السودان بلد استثنائي، وبعض الناس لم يفهموا أن هذا البلد غير عادي، لذلك جنح بهم تفكيرهم إلى حد أنهم أرادوا إقامة “خلافة اسلامية”، وهو أمر لم يقو عليه حتى الأمويون والعباسيون، لذلك لا أفهم لماذا تورطنا في هذا الموضوع”.
ويمضي في السياق نفسه قائلاً “ثقافة السودان وحضارته موجودة قبل خمسة آلاف سنة كيف تأتي وتقول أريد صياغة هؤلاء الناس من جديد”.
وبشأن توقيت زيارته التي تمت في أبريل من تلك السنة، والتي تلقى خلالها إشارات تلميحاً وتصريحاً أن يتنصل عن ما كتبه في مقاله ذائع الصيت “من أين جاء هؤلاء” قال الطيب صالح “هذه بلدي ولدي الحق كل الحق أن أدخل وأخرج منه كما أشاء. حرمت نفسي من البلد لأسباب معروفة، وأنا لا أريد أن أزعم لنفسي دوراً بطولياً لكن كان هناك نوع من الإصرار على المبدأ. أنا لست سياسياً، أنا كما يقولون أديب ومفكر، إذا لم يعجبني شيئاً أقول إنه لا يعجبني. والحقيقة أنني إشتقت إلى وطني وشعرت برغبة جامحة لزيارته. لم أندم على تلك الزيارة على الرغم من أنها كانت قصيرة وبرنامجها مزدحماً”.
وبأسلوبه الساخر الذي ينضح مرارة قال “قابلت معظم المسؤولين بما في ذلك الرئيس ونائب الرئيس وعدد كبير من الوزراء، وجدتهم طيبون ومهذبون، لذلك تساءلت:طيب من الذي فعل كل هذه المصائب التي حدثت”.
لكن لا يمكن أن نفهم رؤى وآراء الطيب صالح في الحوار الذي جرى معه صيف عام 2005، إلا إذا عدنا إلى بعض مقاطع مقاله الشهير. إذ إستهل الطيب ذلك المقال قائلاً “هل السماء صافية فوق أرض السودان أم أنهم حجبوها بالأكاذيب؟ هل ما زالوا يتحدثون عن الرخاء والناس جوعى؟ وعن الأمن والناس في ذعر وعن صلاح الأحوال والبلد خراب؟”.
وفي فقرة اخرى” من أين جاء هؤلاء الناس؟ أما أرضعتهم الأمهات والعمات والخالات؟ أما أصغوا للرياح تهب من الشمال والجنوب؟ أما رأوا بروق الصعيد تشيل وتحط؟ أما شافوا القمح ينمو في الحقول وسبائط التمر مثقلة فوق هامات النخيل؟ أما سمعوا مدائح حاج الماحي وود سعد، وأغاني سرور وخليل فرح وحسن عطية والكابلي واحمد المصطفى؟ أما قرؤوا شعر العباسي والمجذوب؟ أما سمعوا الأصوات القديمة وأحسوا الأشواق القديمة،ألا يحبون الوطن كما نحبه؟ إذاً، لماذا يحبونه وكأنهم يكرهونه ويعملون على إعماره وكأنهم مسخرون لخرابه؟”.
فعلاً أيها الراقد العظيم في مقابر “منشية البكري” نقول معك “من أين جاء هؤلاء الناس”.
talha@talhamusa.com
/////////////////////////