دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk
كلما أقبل رمضان، وعادت ذكرى ذلك الأسبوع الثقيل من عام 1440 للهجرة، يعود المشهد كأن الزمن لم يتحرك إلا خطوة واحدة إلى الخلف. لا يعود بوصفه تاريخاً في الروزنامة، بل بوصفه رجفةً في الذاكرة. تعود ساحة القيادة العامة، لا باعتبارها رقعةً في قلب الخرطوم، بل باعتبارها جرحاً مفتوحاً على سؤال لم يُجب عنه: ماذا فعل السودانيون بلحظتهم النادرة حين ظنوا أن الفجر قد أطلّ أخيراً؟
لم تكن فاجعة فضّ الاعتصام حادثة سياسية عابرة، بل لحظة فاصلة في الوعي العام. في ذلك الصباح الرمضاني، لم يُسفك الدم وحده، بل انكسرت ثقة جيل كامل في إمكان الانتقال الآمن، وفي قدرة الثورة على أن تلد دولة دون أن تلد معها موتها. كان الشبان يهتفون لوطن يتسع للجميع، فإذا بالوطن يضيق فجأةً حتى على أجسادهم.
توالت الأعوام بعدها كأنها تعاقب البلاد على حماستها. تعثر الانتقال، تصاعد الاستقطاب، تآكلت الثقة بين الشركاء، حتى اندلعت الحرب فصار الموت خبراً يومياً، وصارت المدن مسارح مفتوحة للفوضى. ما عاد السؤال: كيف نُصلح الدولة؟ بل: كيف نُبقي ما تبقى منها حيّاً؟
السودان اليوم بلد مثقل بالتعب. بنيته التي كانت بالكاد تصمد، انهارت في غير موضع. اقتصاده تهاوى حتى صار الرغيف هماً يومياً، والدواء حلماً مؤجلاً. ملايين نزحوا من بيوتهم، تاركين خلفهم ألبومات الصور ومفاتيح الأبواب التي قد لا تُفتح مرة أخرى. مدارس تحولت إلى مراكز إيواء، ومستشفيات وجدت نفسها في مرمى النيران. كأن الحرب لم تكتفِ بترويع الناس، بل أرادت أن تعيد تعريف معنى الحياة نفسها.
وسط هذا الركام، تبدو قوى الثورة كمن خرج من معركة طويلة ولم يجد وقتاً لالتقاط أنفاسه. لم تختفِ، لكنها لم تعد تلك الكتلة المتماسكة التي أربكت السلطة وأدهشت المراقبين. انقسمت، وتفرقت بها السبل، وأثقلتها حسابات السياسة وصراعات الزعامة. بعضُها انجرف إلى مساومات أضعفت رصيده الأخلاقي، وبعضُها تشبث برفضٍ مطلقٍ جعله بعيداً عن تحولات الشارع. لجان المقاومة، التي كانت القلب النابض للحراك، أنهكتها الملاحقات ثم الحرب ثم الهجرة القسرية. ومع ذلك، فإن الفكرة التي حملتها — فكرة الدولة المدنية الديمقراطية — لم تمت. هي اليوم أقل صخباً، لكنها أعمق جذوراً، تبحث عن صيغة جديدة، وعن قيادة لا تتنازعها الأنا.
شعار «حرية، سلام، وعدالة» لم يكن ترفاً خطابياً. كان وعداً بإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة ومواطنيها. الحرية تعني إنهاء الوصاية العسكرية على السياسة. السلام يعني معالجة جذور الحروب لا إدارتها موسمياً. والعدالة تعني أن الدم لا يسقط بالتقادم، سواء كان دم شهداء الاعتصام أو ضحايا الحرب الراهنة أو حتى أولئك المتطوعين في “التكايا” الذين دفعوا حياتهم ثمناً لإطعام الجائعين. غير أن اتساع دائرة العنف، وتكرار مشاهد القتل بلا حساب، رسّخ شعوراً عاماً بأن الإفلات من العقاب ما يزال هو القاعدة لا الاستثناء.
في المقابل، يطفو سؤال آخر على السطح: هل عاد الإسلاميون عبر بوابة الجيش؟ من الصعب إنكار أن التيار الذي حكم البلاد ثلاثة عقود لم يغب تماماً عن المشهد. شبكات المصالح التي بناها لم تُفكك جذرياً، وبعضها ظل فاعلاً في مفاصل الدولة. ومع اندلاع الحرب، علا خطاب تعبوي يمزج بين الوطنية والدين، ويستدعي مفردات المعركة الوجودية، بما يهيئ لعودة تدريجية لرموز وأفكار ظن كثيرون أنها طُويت مع سقوط النظام السابق.
غير أن العودة إلى المسرح لا تعني ضمان البقاء فيه. السياق تغيّر، والوعي تبدّل، وجيل الثورة لم يعد مستعداً لتسليم أمره لقدر سياسي مغلق. ثم إن الخراب الاقتصادي العميق يجعل أي سلطة مقبلة — أياً كان لونها — أمام امتحان عسير. شرعية الداخل ودعم الخارج لن يُمنحا بسهولة لنظام يُنظر إليه بوصفه إعادة إنتاج للماضي.
المعركة الحقيقية، إذاً، ليست فقط في الميدان العسكري، بل في ميدان السردية: هل تُقدَّم الحرب بوصفها ضرورة لإنقاذ الدولة، أم بوصفها نتيجة مباشرة لفشلها البنيوي؟ الإجابة عن هذا السؤال سترسم شكل السودان لسنوات مقبلة.
أما قوى الثورة، فإن فرصها لا تتوقف على نقاء شعاراتها، بل على قدرتها على التحول من طاقة احتجاج إلى مشروع حكم: برنامج انتقالي واضح، رؤية لإعادة الإعمار، تصور عملي للعدالة الانتقالية، واستقلالية في القرار الوطني بعيداً من محاور الإقليم. الطريق شاقة، لكن التاريخ السوداني نفسه يشي بأن الحيوية الكامنة في المجتمع لا تُهزم بسهولة.
في ذكرى رمضان، لا يعود السؤال: من انتصر في تلك اللحظة؟ بل: ماذا تبقى من الوعد؟ هل صارت الثورة مجرد حنين يُستدعى في المواسم، أم أنها مشروع مؤجل ينتظر ظرفاً أقل قسوة؟
قد تتعثر الحرية، وقد يتأجل السلام، وقد تُحاصر العدالة في دهاليز السياسة. لكن ما دام هناك من يتذكر ذلك الفجر الرمضاني لا بوصفه ذكرى حزن فقط، بل بوصفه معياراً أخلاقياً، فإن السؤال سيظل قائماً، والجرح سيظل شاهداً، إلى أن يجد السودان طريقه إلى دولة تشبه أحلام أبنائه، لا كوابيسهم.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم