في سيرة عبد السلام جريس .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل

غرباً باتجاه الشرق

mustafabatal@msn.com
أحسب أن من تخيّر (عبقرية عبد السلام جريس) عنواناً لهذا العمل قد بلغ المقصد وأصاب توفيقاً كبيراً. كيف لا، وهو كتابٌ يوثق لسيرة رجل من أنجب من أنجبت بلادنا. ويتوالى عبر صفحاته سردٌ شيّق ماتع، ينضح بالحيوية ويُغري بالقراءة المتأملة. يبسط سيرة حياة هذا الانسان الشفيف الفذ، ويعرض مواقفه وانجازاته من خلال ما سطره ثلاثون من لداته ومعاصريه ورفقاء دربه وعارفي فضله.

يقف القارئ من خلال السرد المضطرد على حياة لعلها من أخصب الحيوات، واكثرها بذلاً، وأغزرها انتاجاً، واعظمها عطاءً. وقد وجدت في ذروة المطالعة قاسماً مشتركاً بيني وبين حبيبنا الدكتور محمد جلال هاشم، الذي كتب بعض صفحات من الكتاب، ومن بين ما كتب: “اسم عبد السلام جريس كان ذا قوة مغناطيسية عندي. اذ نشأت في وسط اجتماعي ترن فيه أسماء يتفاخر بها اهلي، وتعلوهم سيماء الاعتزاز اذا ما جرت على الألسن. واسم عبد السلام من بين هؤلاء”. وكأن جلال يكتب بقلمي، أو قل كأنني أنا املى عليه وهو يكتب!

ولو كنت اُملى حقاً على قريبي محمد جلال هاشم، لما أمليت عليه تلك الجزئية التي أوردها وهو يروم التعريف بالدكتور عبد السلام. إذ ألقى ضوءاً كثيفاً على اصول الرجل، من حيث انتمائه الى اسرة جريس، وهي من أعرق الاسر في تاريخ النوبة. وجريس الاكبر هو أحد ملوك النوبة في حقبة الممالك المسيحية، وكان يلقب بصاحب الجبل. ثم أصبح ابراهيم حسين جريس، في عهد المهدية – وقد دعاه خليفة المهدي للقدوم الى ام درمان – شيخ الربع لمنطقة تمتد من بيت المال وحتي الركابية.

أما الجزئية التي حدثتك عنها، فهي زعم جلال عن ابراهيم جريس، جد عبد السلام، الذي صاحب حملة عبد الرحمن النجومي لفتح مصر، أنه بمجرد أن اقترب الجيش الانجليزي وعبر الى حلفا أمر رجاله من النوبيين أن يتوجهوا على الفور صوب الجيش الغازي رافعين رايات بيضاء. ثم وصف هذا التصرف بأنه يدل على (الثقافة الحكمانية)، وأضاف ان الجيش الانجليزي استقبل اهلنا النوبيين المستسلمين تحت قيادة جريس الاكبر، ومنحهم الأمان!

أهذا كلام تقوله بالله عليك يا جلجل؟ ايش لزومو؟ طيب وجلجل عرفناه مسحوب من لسانه وقلمه، فماذا بشأن المسئولين في منتدى دال الثقافي الذين نهضوا بمهمة طباعة الكتاب؟! أما علموا أن آل جريس هم أخوال رائدهم وقائدهم أسامة داؤد عبد اللطيف واخوانه؟ قال أمرهم برفع الرايات البيضاء قال!

الذين يعرفون الدكتور عبد السلام جريس، وهم كثر، يعرفونه شخصاً واحداً قائداً في كل مضمار ولج الى رحابه، منذ عهد الطلب، منتصف القرن الماضي، وحتى يوم الناس هذا. عرفوه طالبا متميزاً، وطبيبا بارعاً، واستاذا جامعياً مرموقاً. ثم عرفوه مبتدراً لمشروعات كبرى، ومؤسساً لهيئات ومنظمات، كان أكبر همها، وما يزال، ان ترفع الهم والحزن عن انسان السودان، وأن تضع بين يديه وفي خدمته افضل ما خلصت اليه الانسانية في مضمار الطب الحديث.

ولا غرو، فعبد السلام واحد من أبناء الجيل الرائد، الذين آمنوا منذ نعومة أظافرهم بواجب كل من نال حظا من التعليم في أن يضع قسطاً مقدراً من علمه وقدراته ومهاراته، بل وحياته كلها، في خدمة شعبه، فيرد بعض دينه عليه.

في فضل عبد السلام كتب تلميذه الفريق شرطة البروفيسور عبد اللطيف عشميق، وهو يستهيب الكتابة عن استاذه: “ترددت في الكتابة عن شيخي الذي أحسبه آية من آيات الله العظمى في الطب. وقد علمني سحر الطب فأحسن تعليمي وتربيتي على سلوك واخلاقيات مهنية، ومهارات ذات علاقة كان فيها متميزاً ومتفردا”. ومثل ذلك آخرون كثر من أفاضل العلماء وخيرة الكاتبين، توزعت اسهاماتهم بين ستة فصول: عبقرية الطفولة، سيرة الانجاز والتحدي، محطات هامة، تميز وتكريم وجوائز، كنز من كنوز السودان، ثم معرض الصور.

ثم ها هو الدكتور عبد السلام نفسه، يحدث عن حياته، فتعلو وجهي ابتسامة غرّاء وأنا أقرأ روايته عن حصة المطالعة، وهو طالب في المرحلة الأبتدائية، ومعلمه الاستاذ (الفنان لاحقاً) محمد وردي يحدث تلاميذه عن قصة الطالب الصيني الذي دأب على ربط خصلة من شعر رأسه في الحائط لكي يغالب النعاس. ولا بد ان هذا الطالب الصيني المثابر قد رابط كثيراً في مقررات وزارة التربية والتعليم، لأنني انا نفسي اذكره تماماً في ذات المرحلة، بعد جيل كامل، او ربما جيلين، من ذلك الزمان!

ثناءٌ مستحق نتوجه به الى الدكتور الهادي ابراهيم مسكين (التلميذ الوفي للبروفيسور العلامة عبد السلام جريس)، الذي وقف على هذا الكتاب واشرف على انجازه.والتقدير كله للحبيب حاتم نورالدين، الذي برّني بهذا الكتاب المتميز، فجاءني، محمولاً على أجنحة ال (دي اتش ال)، من بلاد الحجاز الى ديار الفرنجة.

نقلاً عن صحيفة (السوداني)

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً