كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
نادراً ما يشهد التاريخ لحظةً فنية كهذه، يُشَحِّذُ فيها الفنان أدواته حتى يبلغ اللحن منتهاه، ملامساً شغاف القلوب قبل أن يخترق عصب الوجدان. ينطلق مطلقاً إبداعاته التي تتمرّد فيها ‘الفنيلة’ من تحت قميص الكلمات الضيّق. لتنسال الثيمة في غمضة تأمل، كانزياح أنطولوجي يقلب تراث التلحين رأساً على عقب.
لقد اخترقت الأغنية الأفق الميتافيزيقي للمفردة، فجعلت من ‘الفنيلة’ استعارةً كونية للذات المنكشفة، ومن ‘الهدنة’ رمزاً لواقع يتسامى على ذاته. لكن ماذا وراء ذلك كله؟
إنه عمق التسطيح الذي يدهش الناقد! أغنية تفتح باب التأويل على مصراعيه.. لتجد أن الابداع يطل على فراغ. صوتٌ ينساب بتأوهات موحية.. موحية بأنها لا تعني شيئاً. إنها جدية العبث. وعبثية الجد.
إننا أمام تجربة تتجاوز النوتة الموسيقية لتدخلنا في دهاليز ‘الصمت الناطق”، حيث تذوب السياسة في الغناء، ويسكب اللحن في فراغ الـ “لايركس”.
وهنا يقف الناقد حائراً أمام هذا التفرد الجهنمي الموغل في الجرأة. لقد نجح المغني في أن يعبّر عن خواء المرحلة بخواء أعمق، وأن يعيد تعريف الفن كصدى.. لفنيلة ضاقت ذرعاً بالأكمام.
لقد أثبت الفنان أنه تلامس المستحيل: أن تغني ولا تغني في الوقت ذاته. إننا إزاء عبقرية تتحدى ذاتها.. وتتحدى صبر المتلقي. عبقرية الابن الذي يعلن الخروج من جلباب أبيه.. ليبحث عن فنيلة “إكس إكس لارج” يستر بها قصور موهبة.. أبت أن تتفق.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم