عبد القادر محمد أحمد/ المحامي
لا يثير الاستغراب ما يسود الكثير من الأوساط السودانية من ارتياح وتفاؤل إزاء القرار الأمريكي بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية جماعةً إرهابية؛ غير أن المثير حقًا هو الإفراط في هذا التفاؤل، بما يكرّس وهم الخلاص الخارجي، وكأن هذا القرار هو عصا موسى القادرة على إنهاء أزمتنا بضربة واحدة.
فهذا التصنيف لا يعني نهاية نفوذ الإسلاميين؛ الذين نجحوا، عبر عقود، في التغلغل في مفاصل الدولة ومؤسساتها، والسيطرة على مواردها، وتجنيد وتسليح المليشيات، وبناء قاعدة سياسية واجتماعية متباينة الدوافع والولاءات، بما يجعل من أي رهان على زوالهم أو إضعافهم بقرار خارجي رهانًا بعيدًا عن الواقعية.
فالأمر في جوهره إجراء أمريكي داخلي يستند إلى صلاحيات وزير الخارجية بموجب المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية، التي تتيح تصنيف أي تنظيم أجنبي كـ“منظمة إرهابية” حال توافر شروط محددة: أن يكون غير أمريكي، منخرطًا في أنشطة إرهابية، ويُشكّل تهديدًا لأمن الولايات المتحدة أو لمواطنيها.
كما يستند إلى الأمر التنفيذي 13224 لتجفيف منابع تمويل الإرهاب، من خلال تجميد أموال وأصول الأفراد والشركات والشبكات الداعمة ومنع أي تعاملات مالية معهم، كذلك يشمل كل أشكال الدعم المباشر وغير المباشر.
الإرهاب في القانون الأمريكي يشمل أي نشاط عنيف يهدد السكان أو الحكومة، أو يموله أو يدعمه أفراد أو جماعات إرهابية. وتشمل آثار التصنيف حظر الدعم المادي، وتجميد الأصول، ومنع دخول الأعضاء والداعمين، وملاحقة المتعاملين معها، وتضييق مالي غير مباشر.
ولإضفاء طابع قانوني على عملية التصنيف، تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أن الهدف منه هو تغيير السلوك لا العقاب، ولذلك يتيح القانون للمدرجين التقدم بطلبات لرفع أسمائهم من القوائم متى زالت أسباب الإدراج أو ثبت أنه تم دون أساس.
غير أن هذا لا ينفي البعد السياسي للقرار، حيث يخضع لتقديرات السياسة الخارجية الأمريكية ومصالحها الاستراتيجية، ويُستخدم كأداةٍ للضغط. ويستمد فاعليته من مكانة الولايات المتحدة، وهيمنة الدولار على النظام المالي العالمي.
وعليه، يمكن القول إن قرار تصنيف الحركة الإسلامية السودانية إجراء سيادي ذو طابع قانوني–سياسي، يهدف أساسًا إلى حماية مصالح الولايات المتحدة داخليًا وخارجيًا. وقد تتوافق هذه المصالح مع مصالح الشعب السوداني، وقد لا تتوافق.
أما ما ورد في حيثيات القرار من اتهام الحركة الإسلامية باستخدام العنف المفرط ضد المدنيين لتقويض السلام والانتقال الديمقراطي في السودان، فلا ينفي وجود المصلحة، بل يمكن فهمه كخطاب سياسي لتبرير القرار خارجيًا، وتوجيه رسائل تحذير، وحشد الدعم الدولي.
قد يضغط هذا التصنيف على الحركة الإسلامية ماليًا وسياسيًا، لكنه في جوهره لا يهدف لخدمة تطلعات الشعب السوداني. بل إن إصرار الولايات المتحدة على جمع الأطراف المتحاربة بعيدًا عن القوى المدنية قد يزيد الأزمة تعقيدًا. كما أن حسابات مصالحها قد تؤدي إلى تهديد وحدة البلاد.
لقد ظل الإسلاميون لعقود يمارسون القمع والانتهاكات ويغذّون الإرهاب داخليًا وخارجيًا، ولم يتحرك العالم إلا بما يخدم مصالحه.
ورغم صدور قانون دعم الانتقال الديمقراطي في السودان عام 2020، لم تدعم الولايات المتحدة التحول الديمقراطي فعليًا، بل ربطت رفع السودان من قائمة الإرهاب بتسويات وتعويضات، مما يؤكد أن مصالحها تظل العامل الأهم في توجيه سياساتها.
مجمل القول، التعويل على قرار التصنيف كمصدر للخلاص الوطني يعكس نزعة اتكالية تُضعف الإرادة الداخلية وتعيق البحث الجاد عن حل وطني. لذلك، يبقى توحيد القوى المدنية حول مشروع وطني جامع هو الشرط الحاسم لإنهاء الأزمة وتحقيق السلام والاستقرار .
aabdoaadvo2019@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم