مازال معكم ( عمكم ( عبد الصبور ) وقد أقرت الأسرة الصغيرة والكبيرة أنه موسم الهجرة للشمال ربما تكون المسافة بعيدة للوادي الشمالي ولكن العلاقات بين الشعبين الشقيقين تظل وثيقة لا تفت في عضدها الايام والشهور ولا الدهور !!..
كان لقاء التجمع الأسري أمام منزل أحد أبناء الحي الذي تعهد بالرحلة واستاجر لنا حافلة كبيرة رأيناها ترابط أمام منزله ولكن رؤيتها لم تكن تسر العين ولا تشرح الفؤاد وقد بأن من اللحظة الأولى أن استغلال الفرص والجشع المتربص الذي هو عمود فقري في تكوين ( السماسرة ) و ( المتعهدين ) الذين يقدمون اردا ماعندهم ويتحصلون علي ابهظ الأثمان ولا يلتفتون لحالة التشتت والضياع التي تمسك بتلاليب المسافرين وهم يسابقون الريح ليخرجوا من دائرة الخطر ومرمي النيران الطائشة التي لا تفرق بين رضيع وصغير وكبير في السن ونساء وأطفال وشباب ولا تفرق بين حجر وشجر وحديد ونحاس وتراب واسفلت وكل هذا الذعر في النفوس وباعلي درجات الانتهازية يستفيد منه متعهد الرحلة ويبدا في تكشير أنيابه عند طلبه تسديد قيمة الأجرة لكل فرد حتي ولو كان صغيرا يحبو بأسعار فلكية تضاعفت لعشرات المرات والدفع فوري …
عمكم عبدالصبور كاد يجن جنونه وهو يري ابن الحي الذي هو موضع ثقة وعون وتضحية وعلي حين غرة يتبدل ويتحول الي ( شيلوك ـ تاجر البندقية ) الذي لايتحرج في أن يقتطع من لحم ضحيته رطلا إذا عجز عن دفع ماعليه من دين !!..
قام هذا اللاانسان المتجرد من كل فضيلة وعرف وقانون وحسن جوار باستخلاص أجرته علي داير المليم ولم يكن يرد علي أحد إذا احتج وقد استحال الي آلة صماء لاتجيد الاصغاء ولاتقهم في التعاطف والرحمة والشفقة وقد غاب عنها المشهد الحزين الذي يكسو الجميع بغلالة سوداء !!..
عبدالصبور نظر الي الحافلة الكبيرة التي استجلبها صاحبنا الجشع وكاد يغمي عليه من سوء منظرها وبؤس حالها ويبدو أنها عملت وعافرت في طريق الخرطوم ـ مدني لعشرات السنين ولم تكن تحظي بصيانة مستعجلة ، وقائية أو دورية علي الاطلاق وربما كل الذي كانت تناله من صيانة لايعدو كونه صيانة إسعافية لزوم أن الحافلة تسير رغم احتجاجات من هم في جوفها الحار لأن أجهزة التكييف قد غابت منها منذ الحرب العالمية الثانية والنوافذ من غير زجاج والغبار يدخل للخياشيم من غير استئذان ولا تقدم هذه الحافلة البخيلة لا وجبة طعام ولاشربة ماء والمقاعد غير مريحة وعدم الراحة الأكبر غير الخطر الذي فيه علي الأرواح كان ( صندوق التعاشيق ) الذي هو من العصلجة بمكان بحيث يجعل السائق الهفتان تكاد روحه تخرج من شدة المعافرة مع هذه التعاشيق التي تصر صرير ابواب الحديد التي ظلت مغلقة لعدة أعوام من دون تزييت مما يجعل فتحها من جديد متعذرا وإذا حصل يحدث الصرير الكبير الذي يضم الأذان ويبث الخوف في المكان !!..
يواصل العم عبد الصبور حكايته التي ليست بغريبة ايام الالم والأحزان وفي باله إن السفر قطعة من جهنم هذا اذا كانت وسيلة السفر هي القطرية أو اللوفتهانزا أما السفر علي متن حافلة اخينا الجشع فهذا مشهد لايري حتي ولو في الاحلام الغاصة بالكوابيس ولسعات الناموس الناقل للملاريا وحمي الضنك !!..
فإذا كانت الدابة وهي الحافلة التي افلتنا الي حلفا وقد استغرق معها الزمن الذي لايزيد علي نصف يوم علي أسوأ الاحتمالات إلا أن راعي هذه الحافلة الذي كان يمسك برسنها وكأنها حصان عجوز قد تقاعد بالمعاش … هذا السائق كان من عشاق النوم بمناسبة ومن غير مناسبة وإذا توقف عند مقهي أو استراحة فإنه حتما سيدخل في نوم عميق ينسي معه ركابه الذين ينتظرون علي احر من الجمر اوبته الظافرة ليجلس خلف المقود من جديد !!..
لعلكم تصدقون الرجل المجاهد عبد الصبور وهو يحدثكم بلسان الصدق إن الرحلة من ام درمان الي حلفا استغرقت أربعة أيام بلياليها ولم نري كما قلنا من سائق الحافلة أي اهتمام ولم يكن معه مضيف ولا قطع خبز جاف ولا ماء ترعة أو بئر أو حفير !!..
والغريبة إن سرعة الحافلة بحكم ماتحمل من أوجاع في مفاصلها لم تكن كبيرة إلا أننا وعند مدخل حلفا ويبدو أن السائق قد راح في تعسيلة خاطفة وهو يهم بعبور منحي كانت تلك اللحظة لولا لطف الله سبحانه وتعالي كفيلة بأن تنبطح الحافلة أما علي جنبها أو رأسا علي عقب والحمد الله اولا واخيرا ربنا ستر ودخلنا مدينة حلفا بسلام واكلنا وشربنا وادينا قروض الصلاة وبتنا الي الصباح ريثما نواصل من جديد وكان الخبر السعيد أن قائد الحافلة قد تم سحبه بواسطة صاحبنا الجشع الذي سبقنا الي حلفا ربما بوسيلة أكثر راحة وسرعة وتركنا نعاني من الحر والضجر وعدم الامان وقد استبدل لنا السائق بقادم جديد مهمته الوصول بنا الي اسوان بعد الدخول الى المعبر والنفاذ بنا الي الأراضي المصرية الطيبة !!..
نواصل إن شاء الله بعد وصولنا الي أرض الكنانه الطيبة ودخولنا في وضع أشبه بالحياة الجديدة التي كان الفال الحسن فيها حرارة الاستقبال والترحيب الصادر من قلوب رحيمة ومن البداية نسينا وعثاء السفر ولكن يظل حب الوطن في النفوس عالقا وتركنا وطننا الحبيب ينزف وينزف ولم ندري ولا ندري الحاصل شنو ونحن ندخل في ألسنة الرابعة لهذه الحرب اللعينة العبثية المنسية ولم نحصل علي للصندوق الاسود بعد … بعد تحولت طائرة بلادنا الحبيبة الي حطام !!..
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
مقيم في مصر … يحب مصر وقلبه علي بلده السودان الحبيب .
ghamedalneil@gmail.com
