باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

قميص عثمان أم سلاح الجماهير؟ كيف صارت مواثيق لجان المقاومة ساحة صراع بين الحزب الشيوعي وقوى الحرية والتغيير على قيادة الثورة:

اخر تحديث: 13 أكتوبر, 2026 6:29 مساءً
شارك

قميص عثمان أم سلاح الجماهير؟ كيف صارت مواثيق لجان المقاومة ساحة صراع بين الحزب الشيوعي وقوى الحرية والتغيير على قيادة الثورة: من الخط الجماهيري والتحالفات القاعدية والديمقراطية الشعبية إلى فيتو أخلاقي أنهك التحالف المدني

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول المقال الصراع السياسي والتنظيمي حول مواثيق لجان المقاومة السودانية خلال الفترة 2012–2026، مركزاً على العلاقة بين الحزب الشيوعي السوداني والحركة القاعدية وقوى الحرية والتغيير، وعلى الكيفية التي تحولت بها مواثيق «سلطة الشعب» من أدوات للتعبير عن الإرادة الشعبية وبناء البديل الديمقراطي إلى ساحة للتنافس على شرعية قيادة الثورة وتحديد شروط المشاركة في التحالفات المدنية. وينطلق من استعارة «قميص عثمان» بوصفها أداة تحليلية لفحص فرضية أن الحزب الشيوعي وظّف جزئياً الشرعية القاعدية للجان المقاومة، بما تتضمنه من تضحيات الشهداء ومطلب سلطة الشعب، لتعزيز موقعه في مواجهة شركائه السابقين في تحالف الانتقال، وأن هذا المسار أسهم في إضعاف الجبهة المدنية الواسعة المطلوبة لمواجهة الحكم العسكري والحرب. ولا يتعامل المقال مع هذه الفرضية بوصفها حقيقة محسومة أو مؤامرة مثبتة، بل باعتبارها فرضية قابلة للاختبار، تتنافس معها تفسيرات أخرى تتعلق باستقلال اللجان، وإخفاقات الأحزاب، واختلالات المرحلة الانتقالية، واستمرار نفوذ المؤسسة العسكرية والدعم السريع والتدخلات الخارجية.

وتنبع أهمية القضية من التناقض بين الزخم الجماهيري الكبير الذي أسقط نظام عمر البشير في 11 أبريل 2019 بعد ثلاثة عقود من الحكم، وبين عجز القوى المدنية عن بناء تحالف مستقر يحمي الانتقال الديمقراطي، ولا سيما بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 والحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. فقد اتسعت الاحتجاجات المناهضة للانقلاب، وسقط خلالها نحو 120 قتيلاً وفق البيانات التي يستند إليها المقال، بينما تطورت الحرب إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق أودت بحياة أعداد كبيرة من السودانيين. وفي المقابل، نشأت لجان المقاومة شبكة قاعدية واسعة تجاوز عدد لجانها خمسة آلاف لجنة، وحققت عملية استثنائية من الصياغة السياسية الشعبية انتهت بتوقيع 55 مجموعة على ميثاق موحد. لكن هذه التعبئة لم تتحول إلى وحدة مدنية مستدامة، بل تزامنت مع انقسام قوى الحرية والتغيير، وظهور تحالف قوى التغيير الجذري، وتعثر محاولات توحيد القوى الثورية.

يعتمد المقال منهج التحليل النقدي للوثائق والخطاب، من خلال مقارنة برامج الحزب الشيوعي ودساتيره ومحاضراته وبياناته ومبادراته، بمواثيق لجان المقاومة وتصريحات قياداتها وتقارير الصحافة والدراسات الأكاديمية وتقارير مراكز البحث. ويعامل خطاب الحزب عن نفسه بوصفه مادة تحتاج إلى الفحص، لا شهادة محايدة، كما يخضع مقالات خصومه للمعيار النقدي نفسه. ويختبر فرضية التوظيف الحزبي من خلال مؤشرات محددة، تشمل سبق القطيعة الحزبية للمواثيق، ووجود شروط توقيع يصعب التوفيق بينها وبين بناء تحالف واسع، واحتمال تأثير الشبكات التنظيمية الحزبية في الأجسام القاعدية، والنتائج التحالفية المترتبة على ذلك. وفي المقابل، يفحص استقلال القرار القاعدي، وتعدد الاتجاهات داخل اللجان، ومحاولات أحزاب وقوى أخرى التأثير فيها، والعوامل البنيوية التي أسهمت في تفكك التحالف المدني. ويقر بأن الأدلة المتاحة لا تشمل وثائق تنظيمية داخلية كافية أو بيانات منهجية عن العضوية المتقاطعة بين الأحزاب واللجان، ولذلك تظل الاستنتاجات متفاوتة القوة ولا تسمح بالجزم بوجود خطة حزبية موحدة للسيطرة على الحركة القاعدية.

ويستند الإطار النظري إلى أدبيات الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية والتحالفات، التي تنظر إلى العلاقة بين الحزب والحركة بوصفها علاقة متبادلة ومعقدة تتداخل فيها الموارد والشعارات والكوادر والتمثيل السياسي، لا علاقة ثنائية بسيطة بين الاستقلال والاختراق. وتوضح هذه الأدبيات أن الحركات قد تتحول إلى أحزاب، وأن الأحزاب قد تنقل أدواتها التنظيمية إلى الحركات، وأن موجات الاحتجاج كثيراً ما تواجه تنافساً على تمثيلها بعد اتساعها. كما تحذر من أن الأجسام الأفقية ليست محصنة ضد إنتاج مراكز نفوذ غير رسمية، إذ يمكن للأفراد الأكثر خبرة وتنظيماً وامتلاكاً للشبكات والوقت أن يكتسبوا تأثيراً أكبر حتى في غياب هياكل قيادية معلنة. وفي المقابل، قد تؤدي المأسسة المفرطة إلى إضعاف القدرة التعطيلية للحركات الشعبية، بينما يمكن أن يحول غياب التنظيم دون ترجمة التعبئة إلى مؤسسات ديمقراطية مستقرة.

وتبرز أدبيات التحالفات معضلة أساسية بين المحافظة على نقاء الهوية الأيديولوجية وتوسيع قاعدة المشاركة لتحقيق أهداف مشتركة. فالمقاومة المدنية تكون أكثر قدرة على النجاح عندما تضم قطاعات اجتماعية وسياسية متنوعة، وتستقطب قوى من داخل النظام القائم، وتربط المطالب المختلفة ضمن برنامج مشترك. ومن هذا المنظور، تمثل التحالفات الواسعة ضرورة استراتيجية في المراحل الانتقالية، حتى عندما تتطلب تنازلات متبادلة. وتساعد مفاهيم الكتلة التاريخية وحرب المواقع وسلاسل التكافؤ على تفسير إمكان الجمع بين الهويات المتباينة حول أهداف ديمقراطية مشتركة. وفي المقابل، يبين تحليل الثورات العربية أن غياب التنظيمات القادرة على تحويل الزخم الشعبي إلى مؤسسات يتيح للقوى الأكثر تنظيماً استعادة النفوذ. وبناءً على ذلك، يعامل المقال مواثيق لجان المقاومة باعتبارها تعبيراً حقيقياً عن مطلب شعبي، وساحة للتنافس التنظيمي في الوقت نفسه، مع احتمال تحولها إلى فيتو أخلاقي يقيد بناء التحالفات الواسعة.

ويخصص المقال حيزاً كبيراً لفحص ما يقوله الحزب الشيوعي السوداني عن نفسه، قبل تقييم ممارسته تجاه مواثيق لجان المقاومة. فقد طور الحزب مفهوم «الخط الجماهيري» الذي يقوم على التعلم من الجماهير وتعليمها، وعلى إقامة علاقة متبادلة بين الحزب وفروعه وأعضائه من جهة، والجماهير من جهة أخرى. وتؤكد محاضرات الأعضاء الجدد، في صيغتها المنقحة عام 2016، أن الخط الجماهيري لا يساوي مجرد ممارسة أنشطة جماهيرية؛ فقد يمارس الحزب نشاطاً واسعاً من دون أن يحقق علاقة جماهيرية سليمة. ويرتبط هذا المفهوم ببرامج مؤتمرات الحزب ووثائقه النظرية، وبخاصة وثيقة «الماركسية وقضايا الثورة السودانية»، وبالبرنامج والدستور اللذين أُقرا في مراحل مختلفة من تطوره التنظيمي.

وتعود جذور الخط الجماهيري إلى نقاشات الحزب حول إصلاح العمل بين الجماهير ومقاومة العزلة التنظيمية، وإلى محاولاته التوفيق بين دراسة النظرية والممارسة اليومية. وقد شددت الأدبيات الحزبية على ضرورة وجود الشيوعيين في النقابات والتنظيمات الثقافية والرياضية والخيرية والتعاونية والروابط الاجتماعية، وعلى ربط النشاط الفكري بقضايا الناس الفعلية. كما تناولت الخلافات التنظيمية والانقسامات التاريخية باعتبارها، في بعض الحالات، نتيجة لاختلالات في العمل القيادي وتراجع دور الهيئات الجماعية لمصلحة العمل الفردي. وتؤكد هذه الخلفية أن الخط الجماهيري عقيدة معلنة، لكنه أيضاً موضوع نقد داخلي مستمر بشأن الفجوة بين التنظير والتطبيق.

ويرتبط هذا الخط بمفهوم عبد الخالق محجوب عن التطبيق الخلاق للماركسية على الواقع السوداني، أي دراسة الظروف المحلية بصورة متعينة، انطلاقاً من قواعد الحزب وفروعه في الأحياء وأماكن العمل، بدلاً من الاكتفاء بالتعميمات النظرية. وتظهر هذه الرؤية في دعوة اللجنة المركزية عام 2015 إلى تنشيط الفروع عبر الندوات وتشكيل لجان تتابع قضايا الكهرباء والمياه والغلاء والفساد، والاستفادة من الاحتجاجات المتفرقة في بناء حركة جماهيرية أوسع قد تتطور إلى عصيان مدني شامل. وبذلك لا تمثل لجان الأحياء في التصور الحزبي استثناءً طارئاً، بل امتداداً لفكرة قديمة ترى أن بناء السلطة الشعبية يبدأ من المطالب اليومية.

ومع ذلك، يتضمن التراث الحزبي نقاشات نقدية حول حدود تمثيل الطبقة العاملة، واتساع القاعدة الاجتماعية للحزب، والديمقراطية الداخلية، والعلاقة بين القيادة الثورية والمركزية الحزبية. كما أقر بعض الكتاب المنتمين إلى الحزب بوجود أوجه خلل في التجربة العملية، وأثاروا مسألة التناقض بين التنظير والممارسة. ويعني ذلك أن المرجعية النظرية للحزب لا تقدم دليلاً مسبقاً على سلامة ممارسته أو انحرافها، بل توفر معياراً ينبغي تطبيقه على الوقائع.

ويعرض المقال تاريخ التحالفات في التجربة الشيوعية السودانية باعتباره امتداداً لمبدأ الجمع بين الاستقلال التنظيمي والعمل المشترك. فمنذ الجبهة الوطنية عام 1947، قدمت الأدبيات الحزبية المشاركة في التحالفات بوصفها وسيلة لتوسيع النشاط الثوري من دون ذوبان الحزب في القوى الأخرى. وتجلت هذه المعضلة لاحقاً في الخلافات التي أعقبت انقلاب مايو 1969، حين دافع اتجاه بقيادة عبد الخالق محجوب عن جبهة شعبية واسعة تضم الشيوعيين شركاء متساوين، في مقابل اتجاهات فضلت التعاون مع الحكومة. كما برزت في انتفاضة 1985، حين جمع الحزب بين تنظيم النشاط الجماهيري والدعوة إلى الإضراب العام، والمشاركة في ترتيبات سياسية تفاوضية مع المجلس العسكري، مع التأكيد على ضرورة عدم تقييد حرية النقابات أو خنق الصراع الاجتماعي.

وقبل ثورة ديسمبر، أكدت دورة اللجنة المركزية في أغسطس 2015 ضرورة بناء التحالفات القاعدية وعدم الاكتفاء بالتحالفات الفوقية. ودعت إلى تنظيم لجان الانتفاضة في الأحياء وأماكن العمل، وربط التحضير السياسي بمعارك الحياة اليومية، وتطوير آليات لحماية المتظاهرين ورصد تحركات الأجهزة الأمنية، مع التمسك بالسلمية. كما أجازت هذه الرؤية أن تتجاوز اللجان أحياناً تحالفات المعارضة القائمة، بما فيها قوى الإجماع الوطني ونداء السودان. وفي محاضرات الأعضاء الجدد عام 2017، أكد الحزب ضرورة بناء أوسع تحالف معارض يضم العمال والمزارعين والطلاب والشباب والنساء والمهنيين والنازحين والمتضررين من الحروب والسدود. وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة لأنها تسبق مواثيق لجان المقاومة بسنوات، وتبين أن اهتمام الحزب بالعمل القاعدي كان جزءاً من استراتيجيته المعلنة، لكنها لا تثبت وحدها أنه سيطر على اللجان أو صاغ مواثيقها لخدمة أغراضه.

وبعد سقوط البشير، استمر الحزب في الدعوة إلى التصعيد الجماهيري ورفض التفاوض المنفرد مع المجلس العسكري. أعلن في يوليو 2019 انسحابه من التفاوض، لكنه بقي في التحالف خلال تلك المرحلة، ثم انسحب في نوفمبر 2020 من قوى الحرية والتغيير وقوى الإجماع الوطني. وبرر خروجه باتهام بعض مكونات التحالف بإبرام تفاهمات سرية وبالابتعاد عن أهداف الثورة، وطرح لاحقاً «ميثاق استرداد الثورة». كما رد الحزب على اتهامات بأن بعض مواثيق لجان المقاومة تعبر عن برنامجه، مؤكداً استقلال اللجان ومشيراً إلى أن ميثاقه سبق انقلاب أكتوبر 2021. وبعد ذلك، واصل الدعوة إلى جبهة جماهيرية عريضة تضم القوى الاجتماعية والسياسية والنقابية والحركات المسلحة ولجان المقاومة، وطرح في مبادرته لوقف الحرب واسترداد الثورة عام 2024 ضرورة البناء على المشتركات الموجودة في مواثيق القوى الثورية، وممارسة النقد والنقد الذاتي لاستعادة ثقة الجماهير. وفي عام 2026 جدد الحزب الدعوة إلى جبهة قاعدية تستند إلى مواقع العمل والإنتاج والأحياء والجامعات والقرى والمعسكرات والخدمات. وتكشف هذه السلسلة عن استمرارية فكرية في خطاب الحزب، لكنها تطرح أيضاً سؤالاً حول مدى نجاحه في تحويل هذه الدعوات إلى تحالف عملي واسع.

أما موقف الحزب من الديمقراطية الشعبية، فيرتبط بتاريخ رفضه للحكم الشمولي والانقلابات العسكرية، ودفاعه عن النضال الديمقراطي الجماهيري، وتطويره مفاهيم السلطة الوطنية الديمقراطية والنظام الفدرالي اللامركزي والمشاركة الشعبية في إدارة الأقاليم والخدمات. وتظهر هذه الرؤية في مشروع برنامج المؤتمر السادس الذي دعا إلى مشاركة المواطنين في الحكم المحلي، وإلى منح أجهزة الحكم المحلي صلاحيات تتعلق بالخدمات الصحية والتعليمية والشرطة والمطافئ والدفاع المدني. كما تناولت كتابات عن الحزب اهتمامه بأشكال من الديمقراطية المحلية المستلهمة من مفهوم الكومونات. غير أن هذا التاريخ لا يحسم طبيعة العلاقة بين الحزب والمواثيق؛ إذ يمكن تفسير التقارب بينهما بوصفه التقاءً طبيعياً حول الديمقراطية القاعدية، كما يمكن أن يثير سؤالاً حول احتمال انتقال نفوذ الحزب إلى أجسام تؤكد استقلالها عنه.

ويقدم ميثاق لجان المقاومة نموذجاً عملياً للديمقراطية الجماهيرية، إذ يقترح أن تبدأ عملية صياغة البديل السياسي من المناقشات العامة والمفتوحة التي تنظمها لجان المقاومة والنقابات المنتخبة والقوى الثورية. ويتصور اختيار ممثلي الأحياء والقرى إلى المجالس المحلية عبر الجمعيات العمومية والمخاطبات الجماهيرية، بما يجعل التفويض نابعاً من السكان أنفسهم. ويتقاطع هذا التصور مع تقاليد الحزب في العمل بين الجماهير، لكن التقاطع الفكري لا يساوي التبعية التنظيمية. كما يستخدم الطرفان مجاز «قميص عثمان» في السجال السياسي؛ فالحزب يوظفه للدفاع عن نفسه ضد اتهامات الاستغلال السياسي، بينما يستخدمه خصومه للتشكيك في توظيفه شرعية اللجان. ولهذا يشدد المقال على ضرورة الاحتكام إلى الأدلة والوقائع بدلاً من تبادل الاتهامات.

ويتتبع المقال نشأة لجان المقاومة منذ احتجاجات سبتمبر 2013، حين أسهم شباب وطلاب وخريجون، من بينهم كوادر شيوعية ومعارضون آخرون، في ملء الفراغ السياسي الناتج من تراجع آمال التسوية السابقة. كما يشير إلى دعوة الحزب عام 2012 أعضاءه إلى تشكيل لجان أحياء تضم الشيوعيين وسائر قوى المعارضة، وإلى محاولات قوى الإجماع الوطني بناء تنظيم سياسي في أماكن العمل والأحياء خلال 2013 و2014، وإلى دعوة فرع الحزب في سنار في ديسمبر 2018 إلى إعادة تفعيل لجان المقاومة. وتنسجم هذه الوقائع مع الخط الجماهيري المعلن، لكنها لا تثبت ملكية الحزب للجان.

فقد تشكلت لجان المقاومة بوصفها استجابة محلية للحاجات السياسية والاجتماعية، وتفاوتت بنيتها ومواقفها تبعاً للطبقات والظروف المحلية. وضمت ناشطين من اتجاهات سياسية مختلفة، كما اكتسبت استقلالاً تدريجياً عن قوى الحرية والتغيير. وبعد انقلاب أكتوبر 2021، برزت المواثيق بوصفها محاولة لتحديد مستقبل الانتقال والسلطة الشعبية. وتوضح الدراسات أن اللجان كانت فخورة باستقلالها عن الأحزاب، مع وجود كوادر حزبية في بعض مواقع تأسيسها ونشاطها. وفي الوقت نفسه، حذرت مصادر من محاولات متعددة لاختراقها أو احتوائها، شملت أحزاباً وقوى مدنية، وأجهزة أمنية، وقوات الدعم السريع، وكوادر مرتبطة بالنظام السابق. ومن ثم، فإن وجود الشيوعيين داخل اللجان حقيقة تاريخية، لكنه ليس دليلاً على انفرادهم بالتأثير، لأن التنافس على الحركة القاعدية كان أوسع من الحزب الشيوعي.

ويحتل خروج الحزب من قوى الحرية والتغيير موقعاً مركزياً في اختبار فرضية «قميص عثمان»، لأن القطيعة سبقت ظهور المواثيق بصيغتها الأبرز. فقد شارك الحزب في إعلان الحرية والتغيير في يناير 2019، ثم انسحب من التفاوض مع المجلس العسكري في يوليو من العام نفسه، مع استمراره داخل التحالف آنذاك. ورفض لاحقاً الوثيقة الدستورية، معتبراً أنها كرست هيمنة العسكر، وأقر في روايته اللاحقة بمسؤوليته عن المساهمة في تسوية لم تحقق أهداف الثورة. وفي 7 نوفمبر 2020 قررت اللجنة المركزية الانسحاب من قوى الحرية والتغيير وقوى الإجماع الوطني، متهمة بعض مكونات التحالف بعقد اتفاقات سرية والابتعاد عن مسار الثورة. وأصبح اعتذار الحزب عن مشاركته السابقة جزءاً من خطابه السياسي، ثم برزت لاحقاً مطالبة قوى أخرى بتقديم اعتذارات مماثلة.

لكن اللجان نفسها كانت قد دخلت في خلافات مستقلة مع قوى الحرية والتغيير، بسبب شعورها بالإقصاء من الحوار السياسي، وإخفاق مشروع المجلس التشريعي، وعدم إشراكها في تحديد ترتيبات الانتقال. كما رفضت محاولات تحويل دورها إلى لجان خدمات تتولى توزيع الخبز والوقود من دون مشاركة سياسية فعلية. واتسعت فجوة الثقة في احتجاجات تصحيح مسار الثورة عام 2020، قبل ظهور المواثيق. ولذلك لا يمكن تفسير الخلاف بين اللجان والتحالف باعتباره نتيجة لسياسة الحزب الشيوعي وحده؛ فقد سبقته أسباب بنيوية وسياسية تتعلق بالشراكة مع العسكر، والصفقات الانتقالية، وطريقة توزيع السلطة، وضعف الشفافية.

وبعد انقلاب أكتوبر 2021، انتقلت لجان المقاومة من التركيز على الاحتجاج إلى محاولة صياغة بديل سياسي تأسيسي. وظهرت مواثيق متعاقبة، من بينها ميثاق سلطة الشعب الذي طرحته لجان مايرنو، والميثاق الثوري لسلطة الشعب الذي أطلقته لجان ود مدني في يناير 2022، وميثاق تأسيس سلطة الشعب الذي اقترحته لجان الخرطوم في فبراير ووقعته مجموعات في مايو. واختلفت المبادرات في نطاقها الجغرافي والجهات التي قادتها، كما اختلفت في تصورها لمدى إلزام المواثيق لأي وثيقة دستورية انتقالية لاحقة، وفي آليات الإنفاذ ومدة الفترة الانتقالية.

وتوحّدت لاحقاً صيغ من هذه المواثيق في وثيقة وقعت عليها 55 مجموعة، ودعت إلى إلغاء الوثيقة الدستورية لعام 2019، وإدراج بروتوكولات اتفاق جوبا، وبناء نظام لا مركزي خلال الفترة الانتقالية، ورفض التفاوض مع الانقلابيين، ومحاسبة المتورطين المدنيين والعسكريين. كما اقترحت مجلساً تشريعياً ثورياً يضم 2398 عضواً، وقدمت توصيفاً نقدياً لنشأة الجيش في ظل الاستعمار. وأكدت بعض الجهات أن التوقيع يعني الالتزام بمضمون الميثاق والامتناع عن المشاركة في السلطة الانتقالية بعد إسقاط الانقلاب، فيما أعلنت لجان الخرطوم أنها تسعى إلى موقع قيادي في المبادرة السياسية، مستفيدة من تجربة تفويض قوى الحرية والتغيير عام 2019.

ومع ذلك، لم تكن عملية صياغة المواثيق خالية من النقد. فقد رأى مراقبون أن آلية الصياغة التي انتقلت بين مستويات متعددة، من القاعدة إلى الهيئات التنسيقية ثم العودة إلى القاعدة، أتاحت تأثيراً كبيراً لممثلين يمتلكون خبرة سياسية وشبكات تنظيمية، ولا سيما في قنوات الاتصال الخارجي. وذهب بعض النقاد إلى أن الميثاق الثوري حظي بدعم قوى التغيير الجذري بقيادة الحزب الشيوعي، بينما فضلت قوى مرتبطة بالهبوط الناعم ميثاق تأسيس سلطة الشعب. لكن هذه القراءة تظل تفسيراً سياسياً لا دليلاً قاطعاً على السيطرة الحزبية، خصوصاً أن الحزب رحب علناً بميثاق الخرطوم، وأن قيادات فيه نفت ارتباطه بصياغة الإعلانات السياسية للجان، مؤكدة أن للحزب ميثاقاً خاصاً به سبق انقلاب أكتوبر.

ويفسر المقال استمرار الشكوك بشأن الصياغة بالرجوع إلى مشكلة السلطة غير الرسمية في الأجسام الأفقية. فحين لا تكون قواعد التمثيل والمساءلة والاختيار واضحة، يستطيع الأكثر تنظيماً وخبرة أن يكتسب تأثيراً يفوق حجمه العددي. وبذلك يمكن للحزب الشيوعي، بحكم خبرته الطويلة في العمل الجماهيري وتدريب كوادره على تنظيم الأحياء والتحالفات القاعدية، أن يؤثر في الصياغة حتى من دون وجود خطة متعمدة للسيطرة. وتكمن المشكلة الأساسية في غموض قواعد التمثيل، لا في افتراض التآمر بالضرورة. كما أن تاريخ الحزب بوصفه تنظيماً صغيراً نسبياً لكنه جيد التنظيم في اللحظات الجماهيرية الكبرى يفسر احتمال تأثيره، من دون أن يثبت وحده توظيفه للجان.

وتظهر فرضية «الفيتو الأخلاقي» بوضوح أكبر عندما انتقلت المواثيق من كونها نصوصاً سياسية إلى شروط للانضمام إلى التحالفات. فقد اشترطت لجان المقاومة على قوى الحرية والتغيير الاعتذار عن الشراكة مع العسكر، وأن يوقع كل حزب على الميثاق منفرداً بدلاً من التوقيع الجماعي للتحالف. ورفضت قوى الحرية والتغيير هذه الشروط وعدّتها متشددة، بينما أثار منتقدون تساؤلات حول الجهة المخولة بتحديد القوى المقبولة في هياكل الحكم، وحول مطالبة اللجان باعتذار أطراف شاركت هي نفسها في التفاوض أو قبلت بعض مخرجاته. كما لاحظ المقال أن شرط الاعتذار يتشابه مع اعتذار الحزب الشيوعي عن دوره السابق في الشراكة، وأن التوقيع الفردي يضعف سلطة الكتل السياسية التقليدية ويعيد توزيع الشرعية على مكونات التحالف بصورة منفصلة.

وتكثفت الخلافات في يوليو 2022، حين دعت قوى الحرية والتغيير إلى جبهة مدنية موحدة لإسقاط الحكم العسكري عبر الإضراب العام، بينما دعا الحزب الشيوعي إلى مركز موحد للتغيير الجذري يضم الأحزاب والنقابات والحركات المسلحة واللجان والهيئات الجماهيرية. وعلى الرغم من الاتفاق على رفض الحكم العسكري، اختلفت الأطراف حول شكل الوحدة وشروطها ومن يقودها. ورفض الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين وعدد من اللجان مبادرة قوى الحرية والتغيير، ثم أعلن الحزب في 24 يوليو تأسيس تحالف قوى التغيير الجذري بمشاركة اثنتي عشرة مجموعة سياسية ومهنية، ودعا لجان المقاومة والنقابات إلى الانضمام. وأدى ذلك إلى مزيد من الانقسام داخل المعسكر المدني، بينما نفت حركة عبد الواحد نور الانضمام إلى التحالف الجديد بعد الإعلان عنه، مؤكدة ضرورة عدم إعلان أي اتفاق قبل توافق أطرافه.

وفي أكتوبر 2022، دعا بعض الكتاب طرفي التحالف المتنافسين إلى التوافق تحت مظلة مواثيق لجان المقاومة والتخلي عن المقاطعة المتبادلة. لكن الاتفاق الإطاري الذي وُقع في 5 ديسمبر 2022 بين المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي وعدد من الكيانات المدنية، بهدف إقامة فترة انتقالية ورئاسة وزراء مدنية، رفضته لجان المقاومة باعتباره استعادة للشراكة بين النخب السياسية والأمنية. وخرجت احتجاجات ضد الاتفاق في الخرطوم وأم درمان. وأقر مسؤولون في المجلس المركزي بأنهم أخفقوا في إطلاع اللجان وبعض القوى على نص الاتفاق، وبأن الشفافية لم تكن كافية، رغم تأكيدهم أن اللجان والحزب الشيوعي وغيرهما كانوا ضمن الجهات التي يمكن أن توقع عليه. وبهذا أصبحت الواقعة دليلاً على قصور التحالف في إشراك القوى القاعدية، كما أصبحت دليلاً على أن الخلاف لم يكن بين الحزب واللجان حول رفض الاتفاق، بل شمل رفضهما المشترك له.

ويخلص المقال في هذه المرحلة إلى أن شروط الاعتذار المسبق والتوقيع الفردي والامتناع عن المشاركة في السلطة والإشراف الشعبي على هياكل الحكم أدت عملياً إلى جعل الميثاق بوابة إلزامية للتحالف، وأعادت تعريف الشرعية السياسية وفق معايير تتجاوز مجرد الاتفاق على إسقاط الحكم العسكري. وأسهم ذلك في إضعاف فرص بناء جبهة واسعة، وهو ما يدعم جزئياً فرضية الفيتو الأخلاقي. لكن المقال لا يجزم بأن الحزب الشيوعي صمم هذه الشروط أو فرضها على اللجان؛ فاللجان أعلنتها بنفسها، كما أسهمت ممارسات المجلس المركزي وغياب الشفافية وتراكم الصفقات مع العسكر في تعميق الارتياب المتبادل.

ويعرض المقال عدداً من الأدلة التي تحد من فرضية الهيمنة الحزبية. فقد أدرج الميثاق الموحد بروتوكولات اتفاق جوبا، في حين عارض الحزب الشيوعي الاتفاق، وهو تباين جوهري يدل على أن الميثاق لم يكن مجرد نسخة من برنامجه. كما اختلفت تنسيقيات لجان المقاومة حول رؤية إنهاء الحرب لعام 2023؛ إذ وقعت سبع تنسيقيات في ولاية الخرطوم وتحفظت تسع، بينما أكدت الجهات المؤيدة أن الرؤية تخص المجموعات الموقعة عليها، التي تجاوزت ثمانين تنسيقية في ثماني عشرة ولاية. ووجه بعض النقاد انتقادات إلى مضمون الرؤية، معتبرين أنها اختزلت مسؤولية تصاعد الأزمة في تسوية 2019، واستُخدمت للنيل من الخصوم السياسيين. ويعزز ذلك احتمال وجود توظيف سياسي للمواثيق، لكنه لا يثبت أن الحزب الشيوعي هو الذي قاده.

كذلك لم يكن الحزب الشيوعي الطرف الوحيد الذي حاول التأثير في لجان المقاومة؛ فقد سعت أحزاب الأمة والبعث والمؤتمر السوداني وقوى أخرى، إلى جانب جهات مرتبطة بالنظام السابق وقوات الدعم السريع وأجهزة الأمن، إلى اكتساب نفوذ داخلها. كما طرحت مجموعات منشقة عن قوى الحرية والتغيير تصورات لمجالس تشريعية تضم اللجان وقوى الثورة، بما يوضح أن الشرعية القاعدية أصبحت مورداً سياسياً تتنافس عليه أطراف متعددة. ولم ينجح الاتفاق الإطاري في بناء تحالف مدني جامع، بسبب رفض اللجان له، وتمسك العسكر والدعم السريع بنفوذهما، ووجود مصالح أمنية وسياسية خارجية وداخلية حدّت من قدرة المدنيين على فرض شروط انتقال ديمقراطي كامل.

وتبرز أيضاً تناقضات في تصوير الحزب الشيوعي بوصفه رافضاً للتحالفات من حيث المبدأ. فقد شارك الحزب في بيان مشترك مع حزبي الأمة والبعث عام 2024 لرفض تسوية سياسية يجري التفاوض بشأنها سراً وتمنح طرفي الحرب حصة في الحكم. كما تدعو أدبياته المعاصرة إلى التعامل مع لجان المقاومة بوصفها كتلة مستقلة ينبغي التنسيق معها، لا دمجها في الحزب أو إخضاعها له. ويرد أنصار الحزب بأن موقفه من الاتفاقات الهشة نابع من رفض إعادة إنتاج الأزمة، وأن اتهامه بالعزلة قد يكون أداة في صراع الخصوم. ومع ذلك، تظل حقيقة غيابه عن بعض الأطر المدنية الكبرى قائمة، حتى إذا كان هذا الغياب ناتجاً من اختلافات مبدئية وليس من رغبة متعمدة في تفكيك التحالفات.

وبعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، تغيرت وظيفة لجان المقاومة بفعل الضرورات الإنسانية. فقد تحولت شبكات عديدة إلى غرف طوارئ تقدم الغذاء والمطابخ الجماعية والمأوى والخدمات الأساسية، وأصبحت هذه الغرف عرضة للمخاطر الناجمة عن الحرب وللاستهداف من طرفيها. وتراجعت قدرة اللجان على ممارسة العمل السياسي والتأسيسي بسبب اتساع النزوح والجوع وانهيار الخدمات، مع بقاء الارتباط بين الإغاثة والسياسة قائماً، لأن الجوع والأمن والحماية مسائل متصلة بتوزيع القوة والموارد. كما عبّر ناشطون عن رفضهم تأييد أي طرف عسكري خشية أن يؤدي تبرير العنف إلى توسيع دائرة العنف.

واستمرت الخلافات حول المواثيق في زمن الحرب. فقد صدرت رؤية سياسية لإنهاء الحرب باسم الميثاق الثوري، ثم انتقد الحزب الشيوعي في 2026 الميثاق السياسي الصادر عن اجتماع نيروبي لقوى إعلان المبادئ، معتبراً أنه أغفل إدانة جرائم الدعم السريع وركز على جرائم المؤتمر الوطني. ويعكس ذلك استمرار الخلاف حول معايير الإدانة والمساءلة، لكنه يطرح أيضاً مشكلة عملية: قد يكون النقد الأخلاقي والسياسي مبرراً، إلا أن تحويله إلى شرط يستبعد قوى واسعة يمكن أن يضيق قاعدة العمل المشترك في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أوسع تحالف ممكن لوقف الحرب واستعادة الحكم المدني.

وتفاقمت هذه المعضلة مع انقسام تحالف «تقدم» في فبراير 2025 إلى «تأسيس»، التي شاركت في الإدارة الموازية المرتبطة بالدعم السريع، و«صمود»، التي ضمت أحزاباً وقوى مهنية ومدنية وأعلنت رفض حكومة المنفى. ولم يكن الحزب الشيوعي ضمن الأحزاب المعلنة في «صمود». وكانت محاولات إشراكه في بعض التحالفات قد واجهت صعوبات بسبب تحفظاته على بنية التحالفات وقيادتها، رغم أن بعض المسؤولين أكدوا أنه لا يشترط تولي موقع قيادي أو إداري للانضمام. ووصف الحزب الحرب بأنها صراع بين قوى فاشية عبر جناحي الحركة الإسلامية والدعم السريع، كما شكك في جدية مبادرات دولية لإنهاء الأزمة. ويتسق ذلك مع دعوته إلى جبهة جماهيرية قاعدية مستقلة، لكنه يتركه خارج أطر مدنية كبرى، ويظهر الكلفة التحالفية المحتملة للمواقف المبدئية الصارمة. وهكذا تتجسد معضلة اليسار بين الحفاظ على الاستقلال الأيديولوجي وتوسيع التحالفات السياسية.

ويخلص المقال إلى أن المشكلة ليست في وجود المواثيق القاعدية نفسها، فهي إنجاز ديمقراطي يعبر عن حق المجتمعات المحلية في صياغة مستقبلها، وإنما في تصميمها المؤسسي وطريقة استخدامها. ويقترح الفصل بين الميثاق بوصفه مرجعية قيمية مشتركة والميثاق بوصفه شرطاً للعضوية في التحالف. فعندما يتحول الميثاق إلى امتحان للولاء، ويُربط الاعتراف به باعتذار مسبق أو توقيع فردي أو امتناع مطلق عن السلطة، يصبح حاجزاً أمام العمل المشترك بدلاً من أن يكون جسراً إليه. ويمكن تجاوز ذلك عبر مواثيق متعددة الطبقات تشمل مبادئ عامة متفقاً عليها، وبرنامجاً انتقالياً قابلاً للتفاوض، وقواعد إجرائية واضحة لتعديل الوثائق وتسوية الخلافات.

ويؤكد المقال أهمية الإفصاح المؤسسي عن الانتماءات السياسية وقواعد التمثيل، لأن الأفقية من دون مساءلة قد تخفي مراكز نفوذ غير منتخبة. وينبغي أن تعلن اللجان قواعد اختيار المندوبين، ومدة التكليف، وآليات التناوب وسحب الثقة، وحدود الدور الحزبي، وأن تنشر قوائم الممثلين وانتماءاتهم ومحاضر الاجتماعات. ويمكن البناء على نموذج الجمعيات العمومية في الأحياء والقرى لاختيار مندوبين إلى مجالس محلية طوعية، مع تطوير ضمانات تمنع احتكار التمثيل أو توظيفه. كما يدعو المقال إلى مأسسة المشاركة بصورة متوازنة، بحيث تستطيع الأحزاب تنظيم العمل السياسي وفتح قنوات المشاركة من دون ابتلاع الجمعيات المدنية أو إخضاعها، مع الاستفادة النقدية من تجارب الديمقراطية التشاركية في بلدان أخرى، ومنها بورتو أليغري وبوليفيا.

ومن الإصلاحات المقترحة أيضاً إنشاء آليات وساطة مؤسسية تضم ممثلين عن لجان المقاومة والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، وتمنع الإعلان عن أي تحالف أو اتفاق قبل توافق الأطراف المعنية. وينبغي الحفاظ على القدرة التعطيلية للحركة الجماهيرية، لأن التنظيم الرسمي الدائم قد يضعف قدرتها على الضغط، مع بناء مؤسسات قادرة على تحويل الزخم الشعبي إلى ترتيبات ديمقراطية مستقرة. والمطلوب هو التوازن بين مرونة الحراك وصلابة المؤسسة، وبين استقلال القاعدة وكفاءة التنظيم الحزبي، لا التضحية بأحد الطرفين لمصلحة الآخر. وتقدم انتفاضتا 1964 و1985 في السودان مثالاً على أهمية التحالفات الواسعة التي تجمع النقابات والهيئات المهنية والأحزاب والقوى الاجتماعية.

وتترتب على هذه الدروس مسؤوليات خاصة بالحزب الشيوعي. فمبدأ «الجماهير من الجماهير وإليها» يقتضي عرض المواثيق على سكان الأحياء ومناقشتها بصورة متكررة، وقياس النجاح بمدى التعلم المتبادل والاستجابة لمطالب الناس، لا بمدى القدرة على قيادة الحركة أو التأثير في صياغة الوثائق. كما أن دعوة الحزب إلى النقد والنقد الذاتي ينبغي أن تشمل مراجعة شروط الاعتذار والتوقيع الفردي وآثارها على وحدة القوى المدنية. ويقتضي إقراره السابق بأن لجان الانتفاضة قد تتجاوز التحالفات الفوقية إعلاناً واضحاً بأن اللجان لا يملكها الحزب وأن تنسيقياتها تمثل كتلة مستقلة. وفي المقابل، تقع على القوى الأخرى مسؤولية الاعتراف بإخفاقات الشراكة مع العسكر، وتقديم مراجعات مؤسسية علنية، وإشراك اللجان فعلياً في صياغة الاتفاقات، وضمان الشفافية في التفاوض وتوزيع السلطة.

وتنتهي الورقة إلى أن فرضية «قميص عثمان» تصمد جزئياً، لا كحكم على وجود مؤامرة حزبية متكاملة، بل بوصفها تفسيراً لتوظيف جزئي لشرعية قاعدية حقيقية في صراع بنيوي حول معنى الانتقال الديمقراطي ومن يملك حق قيادته. وتستند هذه النتيجة إلى الخط الحزبي المعلن منذ 2015 بشأن بناء التحالفات القاعدية التي قد تتجاوز التحالفات الفوقية، وإلى سبق انسحاب الحزب من قوى الحرية والتغيير لظهور المواثيق، وإلى الشروط التي حولت الميثاق إلى فيتو أخلاقي، وإلى وجود كوادر شيوعية في بعض بنى اللجان، وإلى النقد الداخلي لعملية صياغة المواثيق، وإلى إعلان تحالفات قبل استكمال التوافق، فضلاً عن ابتعاد الحزب عن بعض الأطر المدنية الكبرى.

لكن هذه الأدلة تقابلها حقائق تحد من الاستنتاج: استقلال اللجان وتباين تنسيقياتها، ووجود كوادر واتجاهات سياسية متعددة داخلها، ومحاولات أطراف عديدة التأثير فيها، وإخفاقات قوى الحرية والتغيير في إشراكها، وإقرار المجلس المركزي بضعف الشفافية في الاتفاق الإطاري، وقبول الميثاق بروتوكولات اتفاق جوبا التي عارضها الحزب الشيوعي، إضافة إلى الدور الحاسم للعسكر والدعم السريع والقوى الخارجية في تقييد الانتقال. ولذلك لا يمكن رد انهيار التحالف المدني إلى ميثاق بعينه أو حزب واحد؛ فقد نتج من تفاعل إخفاقات الشراكة العسكرية، وغياب آليات الوساطة، وتضارب المصالح، والاستقطاب، والشروط الأخلاقية الصارمة، واختلال التوازن بين أحزاب منظمة وأجسام قاعدية لم تستكمل قواعد تمثيلها ومساءلتها.

ويظل التقييم محدوداً باعتماده الجزئي على مصادر حزبية وصحفية ذات مواقف معلنة، وبغياب الوثائق التنظيمية الداخلية والدراسات الميدانية المنهجية التي تكشف طبيعة العضوية المتقاطعة بين اللجان والأحزاب. ويتطلب الحسم دراسات أكثر دقة حول آليات الصياغة والتمثيل، ومراجعات صريحة من الحزب الشيوعي ولجان المقاومة وقوى الحرية والتغيير وشركائهم لتجربة 2019–2023، تتجاوز تبادل الاتهامات وتفحص المسؤوليات المؤسسية والسياسية. والدرس النهائي أن قيمة الشرعية القاعدية لا تقاس بقدرتها على استبعاد المختلفين، وإنما بقدرتها على تأسيس تحالف مدني واسع يتسع لتعدد الوسائل والهويات ما دام الاتفاق قائماً على وقف الحرب واستعادة الحكم المدني وبناء دولة ديمقراطية عادلة. فالمواثيق تكون جسوراً عندما تحدد المشترك وتفتح باب التفاوض، وتتحول إلى قمصان سياسية عندما تستخدم لتوزيع صكوك الشرعية والحرمان منها، فيما يحتاج السودان إلى توحيد القوى المدنية المستقلة، لا إلى مزيد من الانقسام حول من يملك تمثيل الثورة.

النص الكامل للمقال

  1. لماذا عجزت ثورة حاشدة عن بناء جبهة؟ مقدمة تحليلية في إشكالية «قميص عثمان» وفرضية التوظيف الجزئي

في الذاكرة السياسية العربية يشير تعبير «قميص عثمان» إلى الواقعة التي رفع فيها معاوية بن أبي سفيان قميص الخليفة عثمان بن عفان المضرّج بدمه شاهداً على مظلوميته. صار التعبير يدل على كل قضية عادلة ومشحونة بالعاطفة تُرفع ذريعةً لبلوغ مقاصد سياسية لا تُعلَن، لا غايةً في ذاتها. وتستعير هذه الورقة التعبير أداةً تحليلية لسؤال محدد: هل كانت مواثيق لجان المقاومة وما تحمله من شرعية قاعدية ودماء الشهداء ومطلب «سلطة الشعب» رافعةً استخدمها حزب منظم بكوادره ومنابره، هو الحزب الشيوعي، لحسم صراعه مع شركاء الأمس في تحالف الانتقال؟ وهل كان أثر ذلك تفكيكاً للتحالف المدني الواسع الذي تقتضيه مواجهة العسكر والحرب؟

وللسؤال وزنه لأن كلفة الإخفاق المدني في السودان باهظة. أطاحت ثورة ديسمبر 2018 بحكم عمر البشير في 11 أبريل 2019 بعد ثلاثين عاماً من الحكم، ثم قُطع الانتقال بانقلاب 25 أكتوبر 2021، وقُتل نحو مئة وعشرين شخصاً في احتجاجات مناهضة للانقلاب (Al Jazeera, 2022). وتقدّر تقارير أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع أودت بحياة أكثر من مئة وخمسين ألف إنسان، ووُصفت بأنها أسوأ أزمة إنسانية في العالم (New Internationalist, 2025). وتتجلى المفارقة بين الغاية المعلنة والأثر الملموس. فقد نشأت لجان المقاومة شبكةً أفقية واسعة، قُدّر عدد لجانها بأكثر من 5200 لجنة في أحياء السودان (Peoples Dispatch, 2022a). وأنتجت أكبر عملية صياغة قاعدية في تاريخ البلاد السياسي، بلغت ذروتها بتوقيع خمس وخمسين مجموعة على ميثاق موحد (Dabanga, 2022b؛ Abbashar, 2023). غير أن حصيلة هذا الجهد في ميزان التحالفات كانت مزيداً من التشظي لا مزيداً من الوحدة: انقسام «قوى الحرية والتغيير»، وتحالف «قوى التغيير الجذري»، وإخفاق مبادرات توحيد قوى الثورة. تبحث الورقة في نصيب المواثيق نفسها، وفي نصيب الحزب الشيوعي بوجه خاص، من هذه الحصيلة، وتفترض أن التوظيف الحزبي كان جزئياً وأن عوامل بنيوية أخرى أسهمت فيه.

يقوم المنهج على التحليل النقدي للوثائق والخطاب. تُقرأ المواثيق وبيانات الأحزاب وتصريحات قياداتها وتقارير الصحافة (سودانايل والراكوبة وسودان تربيون ودبنقا والعربي الجديد وغيرها)، وتُعرض على الأدبيات الأكاديمية وتقارير مراكز البحث مثل برنامج «بيس ريب» ومعهد الوادي المتصدع. وتتميز هذه المعالجة بأنها تقرأ أدبيات الحزب الشيوعي نفسها، أي برامجه ودساتيره ومحاضراته ومبادراته وكتابات كوادره، في الخط الجماهيري والتحالفات القاعدية والجبهات والديمقراطية القاعدية والشعبية، وتضعها قبل الوقائع لتختبر الوقائع بمعيار ما يعلنه الحزب عن نفسه. تعرّف الورقة «القميص» بمؤشرات يمكن اختبارها لا بالانطباع: تسلسل زمني يسبق فيه الانسحاب الحزبي الميثاق، وشروط توقيع تعجيزية بحكم بنيتها، وقنوات تنظيمية بين الحزب والجسم القاعدي، ونتيجة تتمثل في تفكيك التحالف. وتقابلها بمؤشرات مضادة هي استقلال القرار القاعدي، واختراق سائر الأطراف، والعوامل البنيوية. ولا تزعم الورقة أن «الحزب الشيوعي» كتلة واحدة ولا أن «لجان المقاومة» كتلة واحدة. وتُقرّ بحدود الأدلة المتاحة: فلا توجد وثائق تنظيمية داخلية ولا بيانات منهجية عن العضوية المتقاطعة، وكثير من المصادر مواقف أطراف الصراع نفسها. ومن ثم تُعامل كتابات كوادر الحزب ومؤيديه بوصفها عرضاً حزبياً للذات لا شهادة محايدة، وتُعامل مقالات خصومه بالمعيار نفسه، والاستنتاجات مدرّجة الثقة.

أما منهجية ترتيب الفصول فتتبع أفضل ممارسات بناء المقال العلمي السردي. تبدأ الورقة بالمشكلة والأسئلة، ثم تعرض الإطار النظري، ثم تضع الأدبيات الحزبية موضع «الدعوى»، ثم تسرد الجذور التاريخية والوقائع زمنياً، ثم تنتقل إلى التحليل والنقد والأدلة المعاكسة، ثم تمد النظر إلى سنوات الحرب، وتنتهي بالدروس القابلة للتنفيذ وخاتمة نقدية. وبهذا يحكي المقال قصة متكاملة: ما الذي قاله الحزب عن نفسه، وما الذي جرى فعلاً، وماذا تعلمنا، وماذا ينبغي أن يتغير.

  1. سلاح تنظيمي أم جسر ائتلافي؟ أدوات نظرية لفحص علاقة الحزب بالحركة القاعدية

تقدم أدبيات علم الحركات الاجتماعية والأحزاب مفاتيح عدة لفهم الإشكالية. فعلاقة الحزب بالحركة الاجتماعية، كما تبيّن دراسات غولدستون وكيتشلت، علاقة حدود رخوة وتبادل موارد وأطر، لا ثنائية صارمة، وقد تنتج «أحزاباً حركية» تحمل منطق الحركة إلى حقل الحزب أو العكس (Goldstone, 2003؛ Kitschelt, 2006). ويرصد تارو دورات الاحتجاج وما يعتريها من مأسسة وتنافس على تمثيلها (Tarrow, 2011)، بينما يشدد تيلي على أن نجاح التحدي يتوقف على ائتلافات مع أعضاء من داخل النظام السياسي (Tilly, 1978). في هذا السياق يكتسب تحذير سيلزنيك من «السلاح التنظيمي» أهميته. فقد حلل التقليد البلشفي في العمل عبر الواجهات والأجسام الجماهيرية بوصفها أحزمة نقل تحمل شعارات واسعة وتخدم غايات حزبية محددة (Selznick, 1952). وهو تقليد يوجب فحص السؤال التجريبي في الحالة السودانية دون افتراض الجواب، ولا سيما أن الحزب الشيوعي السوداني نفسه يؤكد في أدبياته أنه لا ينقل التجارب نقلاً أعمى بل يستمد تكتيكاته من التحليل الملموس للواقع الملموس (عثمان، 2022ب).

ولا يقتصر الخطر على الاختراق الخارجي، فالأجسام «الأفقية» نفسها تنتج هرمياتها. أرسى ميخلز مفهوم النزعة الأوليغارشية في المنظمات الجماهيرية (Michels, 1915)، وبيّنت فريمان أن غياب البنية الرسمية لا يلغي السلطة بل يخفيها في شبكات غير مساءلة (Freeman, 1972). وتضيف بيفن وكلوارد أن التنظيم الرسمي قد يبدّد القدرة التعطيلية للحركات، وأن قوة الفقراء تكمن في التعطيل لا في التنظيم (Piven and Cloward, 1977)، ويفرق غامسون بين التنظيم البيروقراطي المركزي وأدوات التعطيل في تفسير نجاح الحركات (Gamson, 1975). تعين هذه الأدبيات على فهم كيف يمكن لجسم يعلن الأفقية أن يصبح ساحة لنفوذ منظم، ولمَ تتحول الصياغة الوثائقية إلى موضع تنافس.

أما على صعيد التحالفات فتتجاذب الأدبيات منطقان. يرى ريكر أن الفاعلين يميلون إلى تكوين ائتلافات بالحجم الأدنى الذي يضمن الفوز (Riker, 1962)، ويصف برزيفورسكي معضلة الأحزاب اليسارية بين نقاء الهوية الطبقية والتحالف الانتخابي العابر للطبقات (Przeworski, 1985). في المقابل تُظهر دراسة شينويث وستيفان أن المقاومة المدنية تنجح بقدر اتساع المشاركة وتنوعها وقدرتها على استمالة ركائز النظام (Chenoweth and Stephan, 2011)، وأن الحراك الجماهيري المستدام ترتبط به استدامة أفضل للديمقراطيات الجديدة (Kadivar, 2018). فالتحالف الواسع مطلب بنيوي في لحظات الانتقال، وإن اقتضى كلفة من النقاء. ويضيف غرامشي مفهوم الكتلة التاريخية و«حرب المواقع» بوصفهما صبراً على بناء الهيمنة عبر التحالفات (Gramsci, 1971)، ويقترح لاكلاو وموف سلسلة تكافؤات بين المطالب المتباينة بدل التمايز الأيديولوجي المغلق (Laclau and Mouffe, 1985). ويرى بيات أن الثورات العربية افتقرت إلى بنى منظمة تترجم الزخم الشعبي إلى مؤسسات، وأن السياسة «اليومية» للناس العاديين تعمل في فضاءات غير حركية (Bayat, 2010؛ Bayat, 2017). تقودنا هذه المفاتيح إلى فرضية العمل. المواثيق القاعدية ظاهرة متعددة الأبعاد. فهي تعبير حقيقي عن مطلب قاعدي، وهي في الوقت ذاته ساحة تنافس تنظيمي، وقد تصبح أداة فيتو أخلاقي تجعل التحالف الواسع مكلفاً سياسياً.

  1. ما يقوله الحزب عن نفسه: الخط الجماهيري والتحالفات القاعدية والديمقراطية الشعبية في وثائق الحزب الشيوعي وسرديته (1946–2026)

الخط الجماهيري: «الجماهير من الجماهير وإليها» بين العقيدة التنظيمية والتطبيق

تقدم أدبيات الحزب الشيوعي السوداني، قبل أي حكم على سلوكه في مواثيق لجان المقاومة، معجماً واضحاً للعمل الجماهيري يصلح معياراً لاختبار الممارسة. ففي محاضرات الأعضاء الجدد (المرشحين)، في صيغتها المنقحة عام 2016، يُعرَّف «الخط الجماهيري» بأنه ينطلق من قاعدة ماركسية عامة تقول إن الجماهير تؤخذ منها وتُعاد إليها، فيعلّم الحزب الجماهير ويتعلم منها. ويعالج هذا الخط صلة الحزب بالجماهير، وصلة فرع الحزب بالجماهير، وصلة عضو الحزب بها، ورأي الجماهير وموقفها من الحزب والفرع والعضو. وتنبّه المحاضرة إلى أن الخط الجماهيري ليس هو العمل الجماهيري، فقد يمارس الحزب أعمالاً جماهيرية دون خط جماهيري سليم (الحزب الشيوعي السوداني، 2016). وتحيل المحاضرة في مراجعها إلى برنامج المؤتمر الخامس الذي عُقد في يناير 2009، وبرنامج المؤتمر السادس، ووثيقة «الماركسية وقضايا الثورة السودانية» (الحزب الشيوعي السوداني، 1987) التي تعود إلى المؤتمر الرابع في أكتوبر 1967، وبرنامج ودستور ذلك المؤتمر. وانعقد المؤتمر السادس في الخرطوم بين 28 و31 يوليو 2016 تحت شعار «طريق الشعب: الوحدة، حرية، سلام، عدالة»، بعد سبع سنوات من المؤتمر الخامس، وبحضور كبير للنساء والشباب بين المندوبين (طريق الشعب، 2016).

وتعود جذور هذا الخط إلى وثيقة «إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير» التي أُنجزت في سبتمبر في ظروف سرية خلال الحكم العسكري الأول، وقد صدرت لاحقاً في كتاب عن دار عزة عام 2004 (عثمان، 2025أ). وتبيّن مراجعة نقدية متداولة أن الوثيقة عالجت مقاومة اتجاهات العزلة، وأن الحزب اهتم بتنوع أشكال الصلة بالجماهير والتواجد حيثما توجد لتعلمها وتعليمها في تنظيماتها النقابية والثقافية والرياضية والخيرية والإصلاحية والتعاونيات والروابط القبلية (سودانيز أونلاين، 2009). وتروي الأدبيات الحزبية أن مؤتمر الحزب في الخمسينيات رفض اتجاه عوض عبد الرازق الذي كان يقدّم دراسة النظرية على العمل الجماهيري، وأكد ضرورة ربط العمل الفكري بالعمل الجماهيري، واستقلال الحزب في نشاطه بين الجماهير وإعلان موقفه المستقل من منابره، مع مواصلة النشاط الشيوعي داخل الأحزاب الاتحادية (سودانيز أونلاين، 2022). وتُرجع الرواية نفسها انقسام 1959–1961 جزئياً إلى خلل في العمل القيادي، فلم تجتمع اللجنة المركزية منذ أبريل 1959 حتى مطلع 1961، وحل العمل الفردي محل الهيئات (سودانيز أونلاين، 2022). وتنقل هذه الأدبيات عن قدّال أن الانقسام أدى إلى اجتماعات في بورتسودان وعطبرة والجزيرة ضد قرارات المؤتمر. وهذا ما يجعل «الخط الجماهيري» عقيدة حزبية معلنة وساحة نقد داخلي معاً.

وتتصل بالخط الجماهيري مقولة عبد الخالق محجوب عن «التطبيق الخلاق للماركسية على الواقع السوداني»، وهي تعني، بتعبير عبد الله علي إبراهيم، أن الماركسية دراسة متعينة للواقع، وأن الحزب يضطلع بدراسته من قواعد فروع الأحياء والعمل إلى قيادات المناطق، بعيداً عن «عموميات الماركسية» (إبراهيم، 2026). وقد حللت أبوشرف سعي محجوب إلى توطين السياسة اليسارية في فلسفات التحرر السودانية (Abusharaf, 2009). وتقدم الوثائق اللاحقة الخط نفسه بنبرة أقل نظرية. فقد دعت دورة اللجنة المركزية في أغسطس 2015 إلى أن يفعّل فرع الحزب دوره بين الجماهير بندوات مفتوحة ومغلقة وبتشكيل لجان عمل تتابع مطالب الحياة اليومية، كالكهرباء والمياه والغلاء، لأن الاحتجاجات المتفرقة قد تتطور إلى عصيان مدني شامل (عثمان، 2026ب). وفي هذا المعجم الحزبي كله لا تظهر لجان الأحياء استثناءً طارئاً، بل امتداداً لخط قديم يرى أن بناء السلطة الشعبية يبدأ من قضايا اليوم.

وللنقد حضوره حتى في الأدبيات المنتمية إلى الحزب. فقد رأى منتقدون أن مشروع دستور المؤتمر السادس، الذي ينص في مادته الثانية على أن الحزب يستند في تكوينه إلى «الجماهير العاملة في المصانع والمعامل والمؤسسات ودور العلم والحقول والمراعي والمثقفين»، ويضم في صفوفه «الثوريين من كل الطبقات والفئات الاجتماعية الذين يقبلون برنامجه ودستوره»، يكف عن ادعاء تمثيل الطبقة العاملة وحدها (سودانيز أونلاين، 2013). ويقرّ كاتب حزبي مثل تاج السر عثمان في كتابه «تقييم نقدي لتجربة الحزب الشيوعي السوداني» (دار عزة، 2009) بأوجه خلل في ممارسة الحزب، وقد أثار هذا الكتاب جدلاً حول «مفارقة التنظير للتطبيق» (سودانيز أونلاين، 2009)، كما تتناول قراءة حديثة مسألة الديمقراطية الداخلية في عهد محجوب بين «القيادة الثورية» و«المركزية الحزبية» (سودانايل، 2026).

التحالفات والجبهات القاعدية: من الجبهة الوطنية 1947 إلى «الجبهة الجماهيرية العريضة» 2026

تضع الأدبيات الحزبية التحالف جزءاً أصيلاً من نشأة الحزب. فعبد الخالق محجوب يرى في كتابه «لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني» أن أول ثمار الاتجاه السليم كان اشتراك الحزب في الجبهة الوطنية عام 1947، وبروز نشاط أعضائه ومواقفهم الثابتة ضد اتجاهات التردد بين أحزاب الطبقة الوسطى، وأن الجبهة الوطنية في الخرطوم بحري وضواحيها كانت «خير مثال لما يمكن أن يؤدي إليه النشاط الثوري للحزب» (عثمان، 2022ب). ويستدل الحزب بذلك على أن الأصل عنده هو الجمع بين الاستقلال التنظيمي والعمل المشترك لا الانعزال. وتتجلى المعادلة في خلاف ما بعد انقلاب مايو 1969. فقد طالب الجناح الذي قاده محجوب بحكومة جبهة شعبية يشارك فيها الشيوعيون شركاء متساوين، بينما أيد جناح «الشيوعيين الوطنيين» التعاون مع الحكومة، وسعى محجوب إلى جبهة وطنية ديمقراطية واسعة يحتفظ فيها الحزب باستقلاله بدل أن يذوب في اتحاد (Khalifa, 2024). وتُبرز مقابلة مع كوادر في الحزب جدلاً متكرراً بين الأجيال الشابة. يسأل بعضهم: لماذا نتحالف دائماً مع اليمين الذي يبيع الشعب؟ ولماذا لا نعمل باستقلال عبر جبهتنا الديمقراطية والمتحدة؟ ويأتي الجواب بأن تلك الأحزاب، شئنا أم أبينا، تضم الجماهير التي ينبغي أن تكون مؤيدة للحزب لكنها تمنح تأييدها لطوائفها الدينية (Khalifa, 2024).

وفي انتفاضة مارس–أبريل 1985 ظهر الوجه المزدوج للنمط نفسه. فقد وصفت تقارير الحزب الشيوعي بأنه أصغر التنظيمات الكبرى عدداً وأفضلها تنظيماً، وأن كوادره السرية زودت المتظاهرين بالشعارات، وأنه أصدر في 30 مارس بيانه العلني الأول داعياً إلى إضراب عام مفتوح حتى سقوط الحكومة. وشارك في المقابل عبر قيادي هو محجوب عثمان في «التجمع الوطني لإنقاذ الوطن» وفي المساومة مع جنرالات المجلس العسكري على تعيينات الحكومة المؤقتة، وانتهج سياسة «الانفتاح في كل الاتجاهات» بشرط ألا يؤدي الاتفاق إلى خنق الصراع الطبقي أو تقييد حرية النقابات في العمل والإضراب (MERIP, 2018). ويؤكد الحزب في أدبياته اللاحقة أن تجربته التحالفية مرت بمحطات أبرزها التجمع الوطني الديمقراطي وتحالف قوى الإجماع وقوى الحرية والتغيير (الرواية الأولى، 2026)، وأن قوى الإجماع الوطني وقّعت عام 2012 «البديل الديمقراطي» ميثاقاً لإسقاط النظام.

وتأتي المقولة المركزية في وثائق ما قبل ثورة ديسمبر. فقد خلصت دورة اللجنة المركزية في أغسطس 2015 إلى أن من الضروري بناء التحالفات القاعدية وتعزيزها وعدم الاكتفاء بأشكال التحالفات الفوقية، وأن على فروع الحزب في الأحياء والمدن والمناطق تنظيم الجماهير في «لجان الانتفاضة» التي قد تضم قوى الإجماع ونداء السودان، «أو قد تتخطاهم»، وأن التحضير للانتفاضة يتم في خضم الصراع اليومي في معارك المياه والكهرباء والغلاء والفساد، وأن «لجان الانتفاضة الشعبية» تحمي المتظاهرين في الأحياء عبر الرصد والتوجيه وقفل الشوارع لمنع عربات الأمن ورصد القناصين، مع التمسك بسلمية التظاهر (عثمان، 2026ب). وتنص الوثيقة نفسها على رفض التسوية و«الهبوط الناعم» والحوار الذي يقطع الطريق على تفكيك النظام. وفي محاضرات الأعضاء الجدد عام 2017 يُدرج الحزب بناء التحالفات القاعدية إلى جانب تحالف قوى الإجماع، وقيام أوسع تحالف معارض في الأحياء وبين الطلاب والشباب والنساء والمهنيين والعمال والمزارعين ومتضرري السدود والنازحين ومتضرري الحروب (الحزب الشيوعي السوداني، 2017). وتبين هذه النصوص أن الحزب أعلن قبل ثورة ديسمبر تصوراً يجعل الأجسام القاعدية رافعة يتجاوز بها أحياناً التحالفات الفوقية. وهي مقدمة نظرية أساسية لفرضية «القميص»، وإن لم تكن دليلاً عليها.

وبعد سقوط البشير تكرر الخطاب نفسه بصيغ متتالية. ففي 2019 رفض الحزب لقاء المجلس العسكري منفرداً (بيان المكتب السياسي في 20 أبريل 2019)، ودعا إلى لا تفاوض إلا حول تسليم السلطة للمدنيين، وإلى مواصلة التصعيد الجماهيري لتحسين الموقف التفاوضي، والمشاركة في المليونيات والمواكب والاعتصامات والإضرابات والعصيان المدني (عثمان، 2021). وفي 31 يوليو 2019 أعلن انسحابه من التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي (Sudan Tribune, 2019)، ثم خرج من «الحرية والتغيير» و«قوى الإجماع» في نوفمبر 2020 وطرح «ميثاق استرداد الثورة» عام 2021 (الراكوبة، 2022أ). وفي بيان للحزب في أوائل 2022 يصف المراكز الموحدة بأنها أجسام تتوافق على «ميثاق عمل وبرنامج عمل مستمد من المواثيق والبرامج التي طرحت كمشاريع من قوى الثورة»، وتنسيقيات ولائية قد تضم أجساماً شتى. وينقل البيان نفسه أن بعض أحزاب «الحرية والتغيير» قالت إن الميثاق «يعبر عن برنامج الحزب الشيوعي»، وأن لجان المقاومة تعرضت لهجوم خاص لأن بعض الناشطين وصفها بأنها لا تملك القول الفصل (الحزب الشيوعي السوداني، 2022). فاتهام «القميص» كان إذن موضوع سجال معلن في زمنه، وقد ردّه الحزب بوثائقه.

ثم صاغ الحزب في السنوات اللاحقة مشروعه على صورة «جبهة جماهيرية عريضة». فورقة اللجنة المركزية الصادرة في 2024 تتحدث عن استثارة الطبقات والشرائح الاجتماعية صانعة الثورة للاصطفاف في جبهة جماهيرية عريضة وبناء تحالف التغيير الجذري الشامل (الحزب الشيوعي السوداني، 2024ب). وتتوجه «مبادرة الحزب الشيوعي لوقف الحرب واسترداد الثورة» (ديسمبر 2024) إلى الجماهير تحت نيران طرفي الحرب وفي مناطق النزوح والمهاجر، وإلى لجان المقاومة والقوى السياسية والمدنية والحركات المسلحة والكيانات المهنية والمطلبية وقوى التغيير الجذري، وتدعو إلى الاستناد إلى المشترك في مواثيق قوى الثورة، ومنها «الميثاق الثوري لسلطة الشعب للجان المقاومة» و«الإعلان السياسي لجبهة النقابات» و«ميثاق العمل لقوى التغيير الجذري»، وإلى «النقد والنقد الذاتي» لاستعادة ثقة الجماهير، والتوافق على المجلس التشريعي وفق معايير الميثاق والإعلانين السياسي والدستوري (الحزب الشيوعي السوداني، 2024أ). ويعلق الزيلعي بأن المبادرة تهدف إلى تجمع للأحزاب والمنظمات الجماهيرية والحركات المسلحة والنضال المشترك «دون التخلي عن النشاط المستقل»، وأن من الضروري الوضوح حول قضية الكتل: فتحالف التغيير الجذري كتلة، ولجان المقاومة كتلة، والجبهة النقابية كتلة (الزيلعي، 2024). ويدافع الخليفة عن الحزب بأنه طرح تحالفاً قاعدياً مفتوحاً لعضوية الأحزاب والمتطوعين وعناصر لجان المقاومة، وتحالفاً عريضاً يشمل القوى السياسية والمهنيين والنقابيين ورجال الأعمال الوطنيين، وأن انسحابه من «الحرية والتغيير» جاء لأسباب محددة ومعلنة (الخليفة، 2025). وفي أحدث ما نُشر، تقول «كلمة الميدان» إن إنهاء الحرب واسترداد الثورة يقتضيان بناء جبهة جماهيرية عريضة قوامها القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة، تستند إلى مواقع العمل والإنتاج والأحياء والجامعات والقرى والمعسكرات ومواقع الخدمات، وتجمع العاملين والمزارعين والمهنيين والطلاب والنساء والشباب ولجان المقاومة (الميدان، 2026). وفي بيان نيروبي يطرح المكتب السياسي «البديل الوطني الديمقراطي» القائم على أوسع جبهة جماهيرية قاعدية، مستنداً إلى تجارب التجمع الوطني الديمقراطي وقوى الإجماع والحرية والتغيير، ومطوِّراً مواثيق مثل «البديل الديمقراطي» (الرواية الأولى، 2026).

الديمقراطية القاعدية والشعبية: من «السلطة الوطنية الديمقراطية» إلى «سلطة الشعب»

أما موقف الحزب من الديمقراطية فيمتد من خيار محجوب بالنضال الديمقراطي الشعبي وحده، إذ رفض الكفاح المسلح ضد الاستعمار ودعا إلى نضال شعبي قاد إلى استقلال 1956، وآمن بأن الشعب السوداني سيصل إلى الاشتراكية «بطريقته الخاصة ووفق تقاليده» (الجزيرة نت، 2014)، إلى وثائق لاحقة. فقد طوّر الحزب موقفه من الديمقراطية في وثيقة «جبهة للديمقراطية وإنقاذ الوطن» (1977) ووثائق المؤتمرين الخامس والسادس، ورفض نظام الحزب الواحد والشمولية والتكتيك الانقلابي، ورفض استغلال الدين في السياسة (عثمان، 2025أ). ويقدم مشروع البرنامج المقدم للمؤتمر السادس مفاهيم مثل «التغيير الاجتماعي» و«السلطة الوطنية الديمقراطية» و«الأفق الاشتراكي» و«الرأسمالية الطفيلية»، ويدعو إلى نظام لا مركزي فدرالي «يتأسس على المشاركة الحقيقية الديمقراطية للمواطنين في إدارة أقاليمهم»، وإلى أن تكون لأجهزة الحكم المحلي سلطة الإشراف على مرافق الخدمات التعليمية والصحية وعلى الشرطة والمطافئ والدفاع المدني (الحزب الشيوعي السوداني، 2014). ويرى كاتب في تقرير عن لجان المقاومة أن للحزب تاريخاً طويلاً في تشجيع فكرة «الكومونات» شكلاً للديمقراطية استناداً إلى التجربة السوفييتية وردّاً على قمع الدولة لأشكال التمثيل السياسي (MENA Solidarity Network, 2021)، وهذا تقدير الكاتب لا وثيقة حزبية.

وتبدو الصلة بين هذه التقاليد وميثاق لجان المقاومة واضحة في آلية «الديمقراطية الجماهيرية». فالإعلان السياسي الذي أصدرته لجان ود مدني يصف نفسه وثيقة مقترحة لبدء عملية سياسية جذرية واسعة، تشكلها الجماهير عبر عمليات المناقشة العامة والمفتوحة التي تنظمها لجان المقاومة والنقابات المنتخبة والقوى الثورية. وتتكوّن السلطة وفق الميثاق من ممثلين للسكن والنقابات يُختارون بآليات الديمقراطية الجماهيرية من المجالس المحلية، إذ تجتمع كل لجنة مقاومة في الحي أو القرية مع السكان في جمعية عمومية أو مخاطبة جماهيرية تختار مندوباً يمثل الحي في المجلس التشريعي الطوعي المحلي (الراكوبة، 2022أ). ويرى كرار، متحدثاً باسم الحزب، أن طريق النضال يجمع لجان المقاومة وتجمع المهنيين المنتخب والحزب الشيوعي وغيرهم (الراكوبة، 2022أ). ومن ثم تتقاطع الديمقراطية القاعدية في الميثاق مع تقليد حزبي قديم في العمل بين الجماهير، وهذا التقاطع هو منطقة الجدل الأساسية: هل هو تلاقٍ طبيعي بين حركتين تشتركان في المرجعية، أم امتداد لخط حزبي في جسم يزعم الاستقلال؟ وتتناول الفصول التالية هذا السؤال بالتفصيل.

وتتقاطع الأدبيات الحزبية في الديمقراطية مع رواية الضحية. فالحزب يقدم حل حزبه وطرد نوابه من البرلمان عام 1965 «مؤامرة» أدت إلى مصادرة الديمقراطية بانقلاب 25 مايو 1969 (عثمان، 2021)، ويقول إن الهجوم عليه مستمر بعد ثورة ديسمبر ومنه «قميص عثمان» الذي ترفعه الأطراف المنتقدة باسم مرونة لينين ومحجوب ونقد التكتيكية (عثمان، 2025ب). ومن المفارقات أن الحزب نفسه يستعمل مجاز «قميص عثمان» في الدفاع عن نفسه، فيصبح التعبير سلاحاً في يد الطرفين، وهو ما تقيّده الورقة بالتزامها بمؤشرات قابلة للاختبار لا بالخطابة. وتفيد هذه الأدبيات بأن الحزب يعرّف نفسه جزءاً من الديمقراطية الشعبية، لا نقيضاً لها، وأن أي حكم على سلوكه في الميثاق ينبغي أن يختبر هذا التعريف بالوقائع.

  1. من لجان الأحياء الحزبية إلى سلطة الأحياء: جذور تداخل لا يُنكر ولا يكفي لإثبات الهيمنة

تتعدد الروايات عن نشأة لجان المقاومة، لكنها تلتقي عند حقيقة مزدوجة هي أن اللجان وليدة حاجة محلية، وأن كوادر حزبية كانت من بين أوائل من أسهموا في بنائها. يؤرخ الجيزولي لأولى لجان المقاومة بمعناها الدقيق باحتجاجات سبتمبر 2013 في الخرطوم، وقد هيمن عليها طلاب وخريجون شباب من كوادر الحزب الشيوعي والمعارضة، ومنهم المؤتمر السوداني، وهم يحاولون ملء الفراغ السياسي الذي خلّفه انهيار آمال اتفاقية 2005. ويرصد في الوقت ذاته مواجهة جيلية واجتماعية بين «اللجان الشعبية» في عهد البشير بقيادة «شيوخ صغار» و«لجان المقاومة» التي يقودها شباب غاضب (El Gizouli, 2020). وتذكر تقارير أن الحزب الشيوعي دعا في 2012 أعضاءه إلى تشكيل لجان أحياء تضم الشيوعيين وسائر قوى المعارضة (New Internationalist, 2025)، وأن «قوى الإجماع الوطني»، والحزب عضو فيها، سعت بين 2013 و2014 إلى بناء تنظيم سياسي في أماكن العمل والأحياء (MENA Solidarity Network, 2021). وتورد الباحثة رباب النعيم أن فرع الحزب في سنار أصدر في 4 ديسمبر 2018 بياناً يدعو إلى إعادة تفعيل لجان المقاومة الحيّة (Elnaiem, 2024). وتنسجم هذه الوقائع مع خط الحزب المعلن في وثيقة 2015 عن لجان الأحياء والتحالفات القاعدية، فهي تسبق الثورة بثلاث سنوات على الأقل (عثمان، 2026ب).

لا تكفي هذه الشواهد لإثبات «ملكية» حزبية للجان. ومن يتحدث من داخلها يروي أن الناشطين عرفوا في أحيائهم أفراداً من حزب الأمة والبعث والشيوعي، وأن لجانهم كانت سياسية منذ البداية، وأن استقلالها عن «قوى الحرية والتغيير» نما تدريجياً حتى بلغ ذروته بالمواثيق (يونجفر ونصرالدين، 2024). وتذكر النعيم أن الحديث عن لجان المقاومة بوصفها بنية موحدة غير دقيق، فاللجنة انعكاس للطبقة والسياق الاجتماعي اللذين تنبع منهما، وأن اللجان بدأت صياغة مواثيقها بقوة بعد انقلاب أكتوبر 2021 (Elnaiem, 2024). وتصف ورقة «بيس ريب» اللجان بأنها فخورة باستقلالها وغير خاضعة لأي حزب، مع إقرارها بأن كوادر من الحزبين الشيوعي والمؤتمر كانت حاضرة في تأسيسها وأن اللجان انضمت إلى «تجمع المهنيين» وبعض القوى الحزبية (Abbashar, 2023). وفي المقابل يتحدث مصدر آخر عن جدل بين من يرى أن اللجان غير مستقلة عن الأحزاب وأن بعضها يعمل واجهةً لأجندات حزبية في مناطق بعينها، ومن يقرأ مقترحات تأسيس حزب لشباب اللجان دليلاً على تنامي ارتيابها في الأحزاب الساعية إلى السلطة (Democracy in Africa, 2025). والتحذير الأهم يرد عند الجيزولي، إذ يرى أن ممثلي اللجان أبلغوا الصحافة بأن قوات الدعم السريع وأجهزة الأمن وكوادر المؤتمر الوطني المنحل وأحزاب «الحرية والتغيير» كلها تسعى إلى موطئ قدم في اللجان، وأن الإغراء الأكبر هو «الاحتواء البنيوي» (El Gizouli, 2020). وتؤكد دراسة حديثة أن لجان الأحياء شبكات محلية فائقة غير رسمية من الشباب المنخرط في السياسة، ظهرت في ظل نظام قمعي وتحولت لاحقاً إلى غرف الطوارئ (The Conversation, 2026b). تتضح بهذا أول نتيجة تحليلية: حضور الحزب الشيوعي في اللجان واقعة تاريخية موثقة، وهو منسجم مع خطه المعلن، لكنه ليس حصرياً ولا كافياً لإثبات التوظيف، لأن الاختراق كان محاولة جماعية.

  1. من الشراكة إلى القطيعة: خروج الحزب من الحرية والتغيير وسؤال الأسبقية

يكتسب ترتيب الأحداث وزناً خاصاً في اختبار فرضية «القميص»، إذ تسبق القطيعة الحزبية المواثيق لا العكس. وُقّع إعلان الحرية والتغيير في يناير 2019 بين «قوى الإجماع الوطني» و«تجمع المهنيين» و«نداء السودان» و«التجمع الاتحادي المعارض» (عربي21، 2020). وقد ضم في بدايته الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين (Elnaiem, 2024). وفي 31 يوليو 2019 أعلن الحزب انسحابه من التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي، مع بقائه في التحالف وتأكيده المضي في العمل لتحقيق مواثيق المعارضة (Sudan Tribune, 2019). وتبرز مصادر صحفية أن التجاذب بين الحزب وسائر مكونات التحالف ظهر منذ التفاوض (الجزيرة نت، 2020). وبحسب رواية الحزب نفسه، رفض التوقيع على «الوثيقة الدستورية» لأنها كرّست هيمنة العسكر، وقاوم لاحقاً خرقها، ثم تحمل مسؤولية الخطأ واعتذر للشعب عن مساومة أفرزت اتفاقاً مشوهاً (عثمان، 2022أ). غير أن هذه الرواية، وهي رواية الحزب عن نفسه، تتجاوز حقيقة أنه كان طرفاً في مرحلة التفاوض الأولى.

في 7 نوفمبر 2020 قررت اللجنة المركزية للحزب الانسحاب من «قوى الإجماع الوطني» و«قوى الحرية والتغيير»، متهمة عناصر في التحالف بعقد اتفاقات سرية ومشبوهة داخل البلاد وخارجها وقيادته نحو الانقلاب على الثورة (عربي21، 2020؛ Sudan Tribune, 2022b). وتروي النعيم أن الحزب أصدر اعتذاراً للشعب عن دوره في تمكين العسكر عبر عضويته في التحالف، وأن الشراكة العسكرية أفضت إلى انقسام «تجمع المهنيين» إلى جناحين مؤيد لـ«الحرية والتغيير» ومعارض لها (Elnaiem, 2024). ويستشهد قيادي في الحزب لاحقاً بهذا الاعتذار ليقول إن على كل حزب ارتكب خطأً أن يعتذر كما فعل الحزب (العربي الجديد، 2022أ). وهنا بالتحديد يظهر المنطق الذي سيحكم شروط توقيع المواثيق: الاعتذار الذي قدمه الحزب عن شراكته يصبح معياراً يُطلب من الآخرين. وقد أكدت دبنقا لاحقاً أن الحزب «لم ينقسم بل انسحب من تحالف الحرية والتغيير في نوفمبر 2020» (Dabanga, 2022d).

ولا تُعفي هذه السردية الطرف الآخر. ينتقد ناشطون «الحرية والتغيير» في تعاملها مع لجان المقاومة، خاصة في إخفاق مشروع المجلس التشريعي أواخر 2020 وحصص تمثيل اللجان (Dabanga, 2022c). وتحدث الناشط إبرهارد يونجفر عن لقاءات متعددة بين ممثلي التحالف وأكثر من خمسين ممثلاً للجان، ردّت فيها اللجان بأنها في ائتلاف مع «الحرية والتغيير» لكن صوتها السياسي لن يصدر عنها وحدها (يونجفر ونصرالدين، 2024). وتشير تقارير إلى أن الحكومة الانتقالية سعت بعد 2019 إلى «إزالة الطابع السياسي» عن اللجان بتحويلها إلى «لجان تغيير وخدمات» تشرف على توزيع الخبز والوقود (New Internationalist, 2025). وتذكر ورقة «بيس ريب» أن تراكم الصفقات مع العسكر وتجاذب الأمة والمؤتمر وتباين الأولويات دفع اللجان والحزب الشيوعي وتجمع المهنيين إلى الابتعاد عن «الحرية والتغيير»، وأن اللجان شعرت بالإقصاء من الحوار السياسي (Abbashar, 2023). ويتبين من ذلك أن شقاق الحزب مع التحالف سابق على المواثيق، لكن شقاق اللجان معه كان كذلك مستقلاً في جزء كبير منه، وهذا يضعف فرضية القميص من أساسها. وتروي المصادر الإقليمية أن الخلاف ظهر في صورة احتجاجات 30 يونيو 2020 «لتصحيح مسار الثورة»، حين لم يتقدم قيادي واحد من قوى التغيير لمخاطبة المحتجين (الجزيرة نت، 2020)، وهو ما يوضح أن فجوة الثقة اتسعت بين التحالف الحزبي والشارع قبل أن يُطرح أي ميثاق.

  1. هندسة المواثيق: كيف كُتبت «سلطة الشعب» ومن تحكّم في الصياغة

بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 تحولت لجان المقاومة من فاعل احتجاجي إلى فاعل تأسيسي. أصدرت لجان مايرنو «ميثاق سلطة الشعب» ووقعت عليه لجان من ولايات ومناطق مختلفة، متعهدةً بالنضال السلمي (الراكوبة، 2022أ). أعقبته لجان ود مدني بـ«الميثاق الثوري لسلطة الشعب» في منتصف يناير 2022، واقترحت لجان الخرطوم «ميثاق تأسيس سلطة الشعب» في 28 فبراير وقعته في منتصف مايو (Dabanga, 2022a؛ Peoples Dispatch, 2022a). وتميّز ورقة «شبكة الدستور» بين ميثاق الخرطوم الذي قادته تنسيقيات لجان الخرطوم وميثاق ود مدني الذي قادته لجان من نحو خمس عشرة ولاية، وتلاحظ أن النصين يطرحان نفسيهما إلزاميين لأي وثيقة دستورية انتقالية لاحقة، فيثيران أسئلة الإنفاذ ومدة الفترة الانتقالية (ConstitutionNet, 2022). ثم وُحّد الميثاقان في نص وقّعته خمس وخمسون مجموعة، يلغي الوثيقة الدستورية لعام 2019، ويدرج بروتوكولات اتفاق جوبا، ويقيم نظاماً لا مركزياً في الفترة الانتقالية، ويرفض التفاوض المباشر وغير المباشر مع الانقلابيين، ويطالب بمحاسبة كل المتورطين مدنيين وعسكريين (Dabanga, 2022b). وتضمنت الصيغة تصوراً لمجلس تشريعي ثوري يزيد على ألفي عضو (2398)، ووصفاً للجيش بأنه مؤسسة نشأت أداةً للحكم الاستعماري (The National, 2022). وذكرت صحيفة «الأخبار» اللبنانية أن التوقيع على الميثاق يعني قبول بنوده والسعي إلى تحقيقها والامتناع عن المشاركة في السلطة الانتقالية بعد إسقاط الانقلاب (الأخبار، 2022). وكانت لجان الخرطوم قد أعلنت أن الميثاق يضعها في موضع متقدم لقيادة المبادرة، استفادة من تجربة التفويض الأولى لقوى الحرية والتغيير (العربي الجديد، 2022أ).

الأهم في سياق هذه الورقة أن آلية الصياغة نفسها كانت موضع نقد من داخل الحراك. ترى مجلة «أثر» أن بنية الصياغة «من أعلى إلى أسفل إلى أعلى» عبر ثلاثة مستويات سمحت بتأثير حاسم لممثلي مكتب «الاتصال الخارجي»، وأن الثغرة استُغلت عمداً لإحباط جهود دمقرطة اللجان وعملية الصياغة، لصالح الأكثر خبرة سياسية أو المنتمين إلى أحزاب. وهي ترى كذلك أن الميثاق «الثوري» دفعت به قوى «التغيير الجذري» بقيادة الحزب الشيوعي، بينما فضّلت قوى «الهبوط الناعم» المرتبطة بـ«الحرية والتغيير» ميثاق «تأسيس سلطة الشعب» (Atar, 2025). وهذه قراءة تفسيرية لطرف مراقب، لا حقيقة موثقة، ويعارضها أن الحزب رحّب علناً بميثاق الخرطوم، وبأن القيادي الشيوعي صديق يوسف وصف توقيت الإعلان عنه بالحاسم في توحيد قوى الثورة (العربي الجديد، 2022أ). وتنفي أطراف حزبية صلة الحزب بالإعلانات السياسية للجان، إذ نقل تقرير للراكوبة نفياً قاطعاً من كرار الذي تحدث باسم الحزب، مؤكداً أن الحزب طرح «ميثاق استرداد الثورة» قبل الانقلاب حين خرج من «الحرية والتغيير» (الراكوبة، 2022أ). فالمشهد لا يحسم لمصلحة طرف: فيه اتهام موثق، ونفي موثق، وبنية صياغة تفتح باب الأسئلة.

وتقدم نظرية فريمان تفسيراً لسبب بقاء هذا الباب مفتوحاً: جسم يعلن الأفقية ولا يعلن قواعد التمثيل والمساءلة يترك السلطة الفعلية لمن يملك الخبرة والوقت والشبكات (Freeman, 1972). وهذا ما يعطي لوثيقة الحزب في 2015 معنى مضاعفاً. فمن ينظّم الجماهير في لجان الأحياء وفق «الخط الجماهيري» ويدرّب كوادره على بناء التحالفات القاعدية سيكون، بحكم الخبرة والتنظيم، أقدر من غيره على التأثير في صياغة الوثائق، وإن لم يتآمر. والمشكلة هنا ليست بالضرورة تآمراً حزبياً، فبنية التمثيل الفضفاضة تغري أي طرف منظم بملء الفراغ، وتجعل النتيجة قابلة للطعن بالعدالة مهما كانت النيات. وقد أقرت دراسة لاحقة بأن الحزب ظل «أصغر الكتل الكبرى وأفضلها تنظيماً» في اللحظات الجماهيرية الكبرى، كما في 1985 (MERIP, 2018)، وهو معطى لا يثبت التوظيف لكنه يفسر أثر الأقلية المنظمة.

  1. المواثيق شروطاً وفيتو: كيف أنهك الاعتذار المسبق والتوقيع الفردي التحالف الواسع (2022)

تتجلى أطروحة «القميص» بأوضح صورها في الانتقال من الميثاق نصاً إلى الميثاق شرطاً للتحالف. وضعت اللجان شروطاً قاسية لتوقيع قوى «الحرية والتغيير»، أبرزها اعتذارها عن تجربة الشراكة مع العسكر، وأن يوقع كل حزب بمفرده لا توقيعاً جماعياً للتحالف، فرفضتها «الحرية والتغيير» لأنها عدّتها تشدداً (العربي الجديد، 2022ب). وكتب زين العابدين صالح عبد الرحمن في «سودانايل» أن فقرة الميثاق التي تجعل هياكل الحكم تحت إشراف ورقابة لجان المقاومة وقوى الثورة الحية «المتوافقة مع وجهة الميثاق» تثير سؤال من يحدد هذه القوى، وأن الميثاق أقرب إلى اصطفاف في استقطاب حاد منه إلى خلق واقع جديد. وشدّد على أن جميع مكونات «الحرية والتغيير»، بما فيها الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين، شاركت في التفاوض مع العسكر، وأن لجان المقاومة قبلت مخرجاته ولم تعترض عليه (عبد الرحمن، 2022). وهذه حجة جدلية لكنها تضيء مفارقة الاعتذار المشروط: تطالب لجان ظلت صامتة إزاء التفاوض بأن يعتذر من تفاوض. ويلاحظ أن شرط الاعتذار يتطابق في الصياغة والمنطق مع اعتذار الحزب عام 2020، وأن شرط التوقيع الفردي يحقق ما يسعى إليه «الخط الجماهيري» من تفتيت الكتل الفوقية إلى مكوناتها (الحزب الشيوعي السوداني، 2016؛ عثمان، 2026ب).

وفي يوليو 2022 تكثفت الوقائع. دعت «الحرية والتغيير» في 2 يوليو إلى جبهة مدنية موحدة لإسقاط الحكم العسكري عبر إضراب عام، وأشار بيانها إلى أن مواقف بعض القوى أسهمت في تعطيل وحدة قوى الثورة، في إشارة إلى الحزب الشيوعي. ودعا الحزب في اليوم ذاته إلى «مركز موحد للتغيير الجذري الشامل» مفتوح للأحزاب والنقابات والحركات المسلحة واللجان والهيئات التي أنشأتها الجماهير، في إشارة إلى لجان المقاومة دون تسميتها. ولاحظت «سودان تربيون» أن لجان المقاومة والشيوعيين والمجموعات غير الموقعة ترفض مشاركة المكون العسكري وتتفق في جوهرها مع «الحرية والتغيير» (Sudan Tribune, 2022a). فالتباين لم يكن في الهدف بل في الشكل والشروط والتراتبية. ثم بادرت «الحرية والتغيير» في مطلع يوليو إلى دعوة الأحزاب والنقابات واللجان لتكوين جبهة مدنية موحدة، لكنها فشلت برفض الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين واللجان. وقال الناطق باسم تجمع المهنيين إنهم يعولون فقط على المواثيق الصادرة عن لجان المقاومة التي تحدد مركزاً موحداً (العربي الجديد، 2022ب). وفي 24 يوليو أعلن الحزب تأسيس «قوى التغيير الجذري» بمشاركة اثنتي عشرة مجموعة سياسية ومهنية، منها تجمع المهنيين واتحاد المرأة السوداني، ودعا لجان المقاومة الولائية والعاصمية والنقابات إلى الانضمام (Sudan Tribune, 2022b؛ Dabanga, 2022a). وقد انقسمت «الحرية والتغيير» بذلك إلى ثلاثة كيانات هي المكتب التنفيذي وقوى الإجماع الوطني وقوى التغيير الجذري (Sudan Tribune, 2022b). وتشير «سودان تربيون» إلى أن كثيراً من هيئات الأحياء حريصة على الحفاظ على استقلالها. وتبيّن واقعة أخرى نمط «الإعلان قبل التوافق»: نفت حركة عبد الواحد نور انضمامها إلى التحالف الجديد بعد أن أعلن الحزب ذلك، مؤكدة أنها اتفقت على ميثاق آخر لن يُعلن إلا باتفاق جميع القوى (Sudan Tribune, 2022c). وقد أشار الصحفي عثمان ميرغني، فيما نقلته الصحافة، إلى أن الاكتفاء برفض مواقف البرهان يكرّس نهجاً ردّ فعل يجعل المكون العسكري دائماً خطوة متقدمة على المدنيين (Sudan Tribune, 2022b).

وفي أكتوبر 2022 دعا الكاتب عمر الحويج «طرفي التحالف الخصمين» إلى الجلوس معاً تحت «راية» لجان المقاومة والتوقيع على الميثاق، وطالب «قوى التغيير الجذري» بأن تتخلى عن مقاطعة التحالف الآخر (الحويج، 2022). تعكس هذه الدعوة تصوراً شائعاً بأن الميثاق مفترق طرق لا مظلة جامعة. وعندما وُقّع الاتفاق الإطاري في 5 ديسمبر 2022 بين العسكر، ممثلين بالبرهان وحميدتي، و«قوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي» ونحو أربعين كياناً مدنياً آخر (Xcept Research, 2022)، وقد نص على فترة انتقالية من عامين وعلى رئيس وزراء مدني (Amin, 2022)، رفضته لجان المقاومة واعتبرته استعادة للشراكة بين النخب السياسية والأمنية (Al Jazeera, 2022). وخرجت مظاهرات الخرطوم وأم درمان بدعوة من اللجان في 8 ديسمبر ضد الاتفاق (PBS NewsHour, 2022). وأقرّ ناطق باسم «المجلس المركزي» بإخفاق التحالف في إطلاع اللجان وبعض القوى على نص الاتفاق وبانعدام الشفافية (Dabanga, 2022d). وفي الوقت ذاته أعلن مسؤول في «المجلس المركزي» أن الجهات المخوّلة بالتوقيع تشمل لجان المقاومة والحزب الشيوعي والبعث والحركات المسلحة (Dabanga, 2022e). وهذه الواقعة بالذات تقدم لـ«المجلس المركزي» دفاعاً وعليه اتهاماً معاً: فهو يزعم دعوة الجميع، لكنه لم يشرك اللجان والحزب في صياغة الوثيقة، وقد رفضاها. ويقول محامو الحزب إن «الوثيقة المفبركة لا يسندها إلا أطراف أجنبية» (Dabanga, 2022d)، مما يجعل رفض الاتفاق الإطاري موقفاً مشتركاً بين الحزب واللجان لا خلافاً بينهما.

يخلص التحليل إلى أن شروط المواثيق وظيفياً (الاعتذار المسبق، والتوقيع الفردي، والامتناع عن السلطة، وإشراف اللجان على هياكل الحكم) جعلت التحالف مع «الحرية والتغيير» مشروطاً بإقرارها بالخطأ وبإعادة توزيع الشرعية، وهذا ما يتفق مع الفرضية بأن الميثاق عمل «فيتو أخلاقياً» أنهك التحالف الواسع. وينسجم ذلك مع منهج الحزب المعلن في بناء «المراكز الموحدة» التي تتوافق على ميثاق عمل مستمد من مواثيق قوى الثورة وتلتزم به الأجسام المنضوية والحكومات اللاحقة (الحزب الشيوعي السوداني، 2022). لكن الحكم بأن ذلك كان نتاج توظيف حزبي متعمد يتجاوز ما تتيحه الأدلة، لأن اللجان أنفسها أعلنت هذه الشروط، ولأن اتجاهات «المجلس المركزي» ساهمت كذلك في تغذية الارتياب.

  1. ما لا يفسّره القميص: استقلال اللجان وإخفاقات الشركاء وثقل العسكر والخارج

تضعف الأدلة المعاكسة ادعاء الهيمنة الحزبية إضعافاً جدياً. أولاً، تبيّن مضامين الميثاق نفسه استقلالاً عن الخط الحزبي في نقطة جوهرية. فالميثاق الموحد أدرج بروتوكولات اتفاق جوبا (Dabanga, 2022b)، بينما عارض الحزب الشيوعي اتفاق جوبا باستمرار (Sudan Tribune, 2022a؛ عثمان، 2022أ). ثانياً، تباينت تنسيقيات اللجان في مواقفها من الميثاق ومن نصوصه اللاحقة. ففي رؤية الميثاق الثوري لإنهاء الحرب في 2023 وقّعت سبع تنسيقيات في ولاية الخرطوم وتحفّظت تسع، وقال المتحدث باسم تنسيقيات الخرطوم إن التحفظات لا تعني الرفض المطلق، بينما أكد الناطق باسم الميثاق أن الرؤية تخص الموقّعين، وهم أكثر من ثمانين تنسيقية في ثماني عشرة ولاية (الراكوبة، 2023). ثالثاً، انتقد معلقون سودانيون الرؤية نفسها لاستنادها إلى افتراض أن تسوية 2019 أعطت الدعم السريع فرصة التمدد، ورأى «الجاك» فيه «ابتساراً» و«محاولة لتوظيف الأحداث للنيل من الخصوم» في إشارة إلى «الحرية والتغيير» (الراكوبة، 2023). وهذا النقد الداخلي أقوى حجة في صالح أطروحة القميص في سياق الحرب، لكنه ينتمي إلى ناقد وليس إلى وثيقة حزبية تثبت أن الحزب هو المحرك.

رابعاً، لم يكن الحزب وحده في محاولة الاحتواء. فقد وجّه التنافس على اللجان من أحزاب عدة، منها الأمة والمؤتمر والبعث، ومن الدعم السريع وكوادر المؤتمر الوطني المنحل كذلك (El Gizouli, 2020). وفي اتجاه عكسي، اقترحت جماعة «قوى الحرية والتغيير – الميثاق» المنشقة في أواخر 2021 مجلساً تشريعياً يتكوّن من قوى الحرية والتغيير ولجان المقاومة وقوى الثورة (القدس العربي، 2021)، مما يؤكد أن كل الأطراف أرادت توظيف شرعية اللجان لا الحزب وحده. خامساً، لم يتحقق التحالف الواسع في ظل الاتفاق الإطاري لأن الاتفاق نفسه رفضته اللجان وقوى أخرى، ولأن العسكر والدعم السريع تمسكا بمواقعهما، كما تلاحظ تحليلات تشدد على أن الاتفاق يمكّن الطرفين من جذب المدنيين إلى مدارهما مع الاحتفاظ بنفوذهما الأمني (Al Jazeera, 2022). فالعامل العسكري والخارجي، لا العامل الحزبي وحده، هو الذي حدد سقف الانتقال. ويكفي هنا أن نتذكر أن الحزب الشيوعي نفسه، الذي قاطع الاتفاق الإطاري، وجد نفسه في 2024 مع حزبي الأمة والبعث في بيان مشترك يرفض «مشروع تسوية سياسية» تُناقش سراً وتمنح طرفي الحرب حصة في الحكم (Dabanga, 2024)، مما ينفي ادعاء عداء الحزب لكل تحالف. وتدعم أدبياته المعاصرة هذا الاتجاه، فهو يعتبر لجان المقاومة «كتلة» مستقلة تُنسَّق معها لا تُدمج فيها (الزيلعي، 2024؛ الحزب الشيوعي السوداني، 2024أ).

وتضيف مصادر الحزب ومؤيديه رواية مضادة تُقرأ بوصفها دفاعاً: يرى تاج السر عثمان أن الهجوم على الحزب بسبب رفضه الاتفاقات الهشة التي تعيد إنتاج الأزمة والحرب «افتراء»، وأن موقفه من «الوثيقة الدستورية» أثبتته الأحداث اللاحقة (عثمان، 2026أ). ويقول قيادي في الحزب إن إقصاء الحزب نتيجة تعاطف «الحرية والتغيير» مع الشراكة مع العسكر (Dabanga, 2022c). ويرى الخليفة أن اتهام الحزب بالعزلة عن محيطه الجماهيري والسياسي «لحاجات في نفس يعقوب» (الخليفة، 2025). وتتجه هذه الحجة إلى أن «القميص» نفسه، حين يوجَّه إلى الحزب، قد يكون أداة في صراع الخصوم، وهو ما تنبّهت إليه الورقة بتحديدها المؤشرات المعاكسة. وتجدر الإشارة إلى أن مرجعيات هذه الرواية حزبية وليست محايدة، كما أن مرجعيات الاتهام صحفية رأي. ولهذا لا تستطيع الورقة أن تثبت أي رواية بيقين.

  1. الحرب ومواثيق اليوم: نمط يتكرر في ظروف مختلفة، وعزلة تحالفية بثمن مبدئي

حين اندلعت الحرب في أبريل 2023 أعادت اللجان تشكيل نفسها في «غرف الطوارئ» التي تتولى الإغاثة والمطابخ الجماعية والمأوى، وصارت هدفاً لطرفي الحرب (The Conversation, 2026a؛ Abdulshafi, 2025). وترى النعيم أن غرف الطوارئ «حلّت تقريباً محل لجان المقاومة» وهي في معظمها منفصلة عن السياسة، لكن «الحرب سياسية والجوع سياسي والأمن سياسي» (Elnaiem, 2024). وتؤكد أن الحراك السياسي والتأسيسي للجان تراجع أمام الحاجة الإنسانية. ويرى ناشط في مقابلة أن رفض اللجان تأييد أي طرف مرده معرفتها أن تشريع العنف لا يولّد إلا مزيداً منه (TNI, 2025). ومع ذلك استمر نمط المواثيق: صدرت رؤية سياسية لإنهاء الحرب باسم الميثاق الثوري (الراكوبة، 2023)، وفي 2026 انتقد المكتب السياسي للحزب الشيوعي «الميثاق السياسي» الصادر عن اجتماع نيروبي لقوى إعلان المبادئ، لأنه أغفل إدانة جرائم الدعم السريع وركز على جرائم المؤتمر الوطني، مذكّراً بأن التراجع عن المواثيق، كما حدث مع إعلان الحرية والتغيير 2019، خطر قائم (الرواية الأولى، 2026). وتتكرر هنا مفارقة الفيتو الأخلاقي: يصدق النقد في ذاته، لكن ما يترتب عليه عملياً هو استبعاد قوى كبرى من تحالف يحتاج إلى سعة.

وعلى مستوى التحالفات الحربية، انشقت «تقدم» في 10 فبراير 2025، وقد تأسست في أكتوبر 2023 برئاسة عبد الله حمدوك، إلى «تأسيس» التي شاركت في الإدارة الموازية للدعم السريع، و«صمود» التي ضمت أحزاباً مثل الأمة والمؤتمر والبعث ولجاناً مهنية وأعلنت رفض حكومة منفى (Al Jazeera, 2025؛ Sudans Post, 2025). ولم يرد الحزب الشيوعي بين الأحزاب المعلنة في «صمود». وبحسب «سودان تربيون» علّق مسؤول «صمود» على أن «تأسيس» قد تأثرت بغياب تمثيل «تجمع المهنيين» بعد أن طالب بنيابة رئاسة التحالف، وانسحبت حركة «الحركة الشعبية–التيار الثوري» من هياكله التنفيذية في 14 يوليو 2025 (Sudan Tribune, 2025). وقد أقرّ مسؤول في تحالف «تقدم» قبل ذلك بإخفاق محاولة عقد اجتماع مع الحزب الشيوعي، مبرراً ذلك بـ«تحفظات الحزب على التحالفات»، ومؤكداً أن الشيوعي والبعث لا يشترط انضمامهما إلى قيادة «تقدم» أو هيكلها (Sudan Tribune, 2024). وفي مقابلة حديثة وصف الحزب الحرب بأنها حرب «قوى فاشية عبر جناحيها: الحركة الإسلامية والدعم السريع»، ورأى أن مبادرة «الرباعية» ليست محاولة جادة لإنهاء الأزمة (MR Online, 2025). وقد يكون هذا الموقف مبدئياً ومتسقاً، ويتسق مع ما يعرضه الحزب في أدبياته من «جبهة جماهيرية عريضة» مستقلة عن التحالفات الفوقية (الميدان، 2026). لكنه يعني أيضاً أن الحزب يقف خارج الأطر المدنية الكبرى. ليس في ذلك دليل على تفكيك حزبي متعمد للتحالفات، لكنه يُظهر أن الموقف المبدئي المطلق يستتبع عزلة تحالفية، وهي نتيجة يناقشها برزيفورسكي في معضلة اليسار بين النقاء والتحالف (Przeworski, 1985). ويرد أنصار الحزب بأن اتهامه بالعزلة غير دقيق لأن فروعه الداخلية والخارجية ناشطة (الخليفة، 2025)، وتبقى الحقيقة أن أطر التحالف الحزبي الكبرى خلت منه.

  1. كيف تُنقذ المواثيق من أن تصير قمصاناً؟ دروس نظرية وممارسات مبتكرة قابلة للتنفيذ في السودان

يوحي التحليل بأن العلة ليست في الميثاق بحد ذاته، فالمواثيق القاعدية ممارسة ديمقراطية ثمينة، وإنما في تصميمها ووظيفتها. يمكن استخلاص مبادئ عدة من الأدبيات والتجارب المقارنة. أولها الفصل بين الميثاق مرجعيةً قيمية والميثاق شرطَ عضوية. حين يتحول الميثاق من إعلان مبادئ إلى امتحان ولاء يتضمن اعتذاراً وتوقيعاً فردياً وامتناعاً عن السلطة، يتحول من جسر إلى حاجز، وهو ما يتعارض مع منطق التحالف الواسع الذي تقتضيه المقاومة المدنية (Chenoweth and Stephan, 2011). ويقترح لاكلاو وموف بدل ذلك سلسلة تكافؤات تسمح بتعدد الهويات تحت مطالب مشتركة (Laclau and Mouffe, 1985)، ويقدم غرامشي فكرة الكتلة التاريخية بوصفها صبراً على الهيمنة (Gramsci, 1971). ويمكن عملياً صياغة مواثيق متعددة الطبقات: مبادئ عامة يُجمَع عليها، وبرنامج انتقالي قابل للتفاوض، وقواعد إجرائية للتعديل. وقد سار الحزب نفسه في اتجاه مماثل حين دعا في مبادرة 2024 إلى الاستناد إلى «المشترك» في مواثيق قوى الثورة لسد الثغرات وإثرائها (الحزب الشيوعي السوداني، 2024أ)، وهو ما يمكن البناء عليه بدل الاكتفاء بالمفاضلة بين ميثاق وآخر.

وثانيها الإفصاح المؤسسي عن الانتماءات والتمثيل، فبدونه تتحول الأفقية إلى «طغيان لا بنيوي» (Freeman, 1972). ومن ثمّ ينبغي أن تعلن الأجسام القاعدية قواعد انتخاب المندوبين وآليات سحب الثقة والتناوب وحدود الدور الحزبي، على نحو يقلل مخاطر الأوليغارشية (Michels, 1915). وتقدم آلية ود مدني نقطة انطلاق: جمعية عمومية في كل حي أو قرية تختار مندوباً إلى مجلس تشريعي طوعي محلي (الراكوبة، 2022أ)، ويمكن أن يُضاف إليها نشر قوائم المندوبين وانتماءاتهم الحزبية وسجلات الاجتماعات. وثالثها المأسسة المتوازنة، فتجربة الموازنة التشاركية في بورتو أليغري، كما حللها بايوكي، تُظهر أن حزباً قادراً على فتح قنوات للمشاركة دون ابتلاع الجمعيات المدنية يمكن أن يعزز استقلالها وفاعليتها (Baiocchi, 2005). وتبيّن تجربة «الحركة نحو الاشتراكية» في بوليفيا كيف يمكن لحزب خرج من الحركات أن يحافظ على روابط تنظيمية وثيقة بها، لكنها تكشف أيضاً توتر القيادة العمودية مع المشاركة القاعدية (Anria, 2018). ورابعها الوساطة المؤسسية؛ وقد قدم السودانيون أنفسهم نموذجاً أولياً في «اللجنة الفنية المشتركة لتوحيد المواثيق السياسية للجان المقاومة» (Dabanga, 2022a)، ويمكن توسيعه بحيث يضم وسطاء من الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، مع بند يقضي بألا تُعلن أي جبهة قبل توافق أطرافها (Sudan Tribune, 2022c). وخامسها استعادة الدور التعطيلي مع التنظيم، كما تنبه بيفن وكلوارد إلى أن القوة التعطيلية للحركات تضعف حين تنصرف إلى بناء تنظيم رسمي دائم (Piven and Cloward, 1977)، وأن الثورات العربية افتقرت إلى بنى منظمة قادرة على ترجمة الزخم إلى مؤسسات (Bayat, 2017). والخلاصة أن المطلوب توازن بين مرونة الحراك وصلابة المؤسسة، وبين استقلال القاعدة وكفاءة الحزب، لا ترجيح أحدهما على الآخر. وأخيراً، تُظهر خبرة السودان التاريخية في انتفاضتي 1964 و1985، وقد قامتا على تحالفات واسعة بين النقابات والهيئات المهنية والأحزاب، أن الانتقال لا يصمد بجبهة ضيقة (Berridge, 2015).

وللحزب الشيوعي بوجه خاص دروس عملية تنبع من أدبياته نفسها. فمبدأ «الجماهير من الجماهير وإليها» يقتضي، متى طُبق جدياً، أن تُعرض صيغ المواثيق على جماهير الأحياء مرة بعد أخرى، وأن يُقاس نجاح الحزب بقدرته على تعلّم الجماهير لا بقدرته على قيادتها (الحزب الشيوعي السوداني، 2016). ودعوة الحزب إلى «النقد والنقد الذاتي» لاستعادة ثقة الجماهير (الحزب الشيوعي السوداني، 2024أ) تتسع لأن تشمل مراجعة موقفه من شروط الاعتذار والتوقيع الفردي. وإقراره في وثائق 2015 بأن لجان الانتفاضة «قد تتخطى» قوى الإجماع (عثمان، 2026ب) يستلزم، لتفادي شبهة الأداتية، إعلان صريح بأن الحزب لا يملك اللجان وأن تنسيقياتها كتلة مستقلة، وهو ما بدأ الزيلعي والخليفة بالتأكيد عليه (الزيلعي، 2024؛ الخليفة، 2025). وعلى القوى المقابلة بدورها أن تقدم ما قدمه الحزب: اعتذاراً علنياً مؤسسياً عن إخفاقات الشراكة، وإشراكاً حقيقياً للجان في صياغة الوثائق، وشفافية كاملة في التفاوض، كما اعترف المجلس المركزي بإخفاقه في الاتفاق الإطاري (Dabanga, 2022d).

  1. خاتمة نقدية: توظيف جزئي لشرعية حقيقية في صراع بنيوي، ومسؤولية موزعة تتجاوز القميص

أظهر التحليل أن فرضية «قميص عثمان» تصمد جزئياً أمام الأدلة. فهي تجد سنداً في أدبيات الحزب نفسها التي تعلن منذ 2015 مشروع بناء التحالفات القاعدية ولجان الأحياء التي قد «تتخطى» التحالفات الفوقية (عثمان، 2026ب)، وفي التسلسل الزمني للقطيعة، وفي شروط التوقيع التي حوّلت الميثاق إلى فيتو أخلاقي، وفي حضور كوادر الحزب الشيوعي في بنية اللجان، وفي نقد صياغة المواثيق من داخل الحراك، وفي نمط «الإعلان قبل التوافق» الذي تجلى في تحالف «قوى التغيير الجذري»، وفي عزلة الحزب عن الأطر التحالفية المدنية الكبرى منذ ذلك الحين. وتقيّدها أدلة معاكسة: استقلال اللجان وتباين تنسيقياتها، ومحاولات سائر الأطراف اختراقها، وأخطاء «الحرية والتغيير» في إشراكها، وإقرار المجلس المركزي بإخفاقه في إطلاعها على الاتفاق الإطاري، وقبول الميثاق بروتوكولات جوبا التي يعارضها الحزب، ثم الدور الحاسم للعسكر والدعم الخارجي في تحديد سقف الانتقال. ويقف الحزب في المقابل بين رصيد مبدئي معلن وكلفة تحالفية معلنة: رصيد في الخط الجماهيري وتعدد أشكال الصلة بالناس وتاريخ طويل في الدفاع عن الديمقراطية والنقابات، وكلفة في عزلة عن الأطر الواسعة وإخفاق في تحويل «الجبهة الجماهيرية العريضة» إلى كتلة فعلية.

وعليه فالأدق وصف الحالة بأنها «توظيف جزئي» لشرعية قاعدية حقيقية في صراع بنيوي على معنى الانتقال ومن يقوده، لا «مؤامرة حزبية» على التحالفات ولا «براءة» كاملة. والتحالف المدني لم ينهَر بفعل ميثاق ولا بفعل حزب، بل بفعل تضافر إخفاق في الشراكة مع العسكر، وغياب آلية وساطة، وفيتو أخلاقي أُضيف إلى منطق الاستقطاب، واختلال بين خط حزبي منظم وأجسام قاعدية بلا قواعد تمثيل معلنة. ويؤخذ على قراءتنا نفسها أنها تعتمد في جانب منها على مصادر حزبية وصحفية رأي، وأن «قميص عثمان» مجاز يستعمله الطرفان في السجال. وسيظل استنتاجنا مرهوناً بوثائق داخلية لم تُنشر، وبدراسات ميدانية منهجية عن العضوية المتقاطعة بين اللجان والأحزاب، وبمراجعات يجريها الحزب واللجان وشركاؤهم لتجربة 2019–2023 بجرأة تتجاوز تبادل الاتهامات. وحتى ذلك الحين يبقى الدرس العملي أن قوة الشرعية القاعدية تقاس بقدرتها على بناء تحالف واسع تتسع قواعده لمن اختلف في الوسائل واتفق في الغاية، لا بقدرتها على إقصائه.

المراجع

  1. إبراهيم ع. العيد التاسع والتسعون لميلاد عبد الخالق محجوب (23 سبتمبر 1927): التطبيق الخلاق للماركسية على الواقع السوداني [الإنترنت]. سودانايل؛ 2026 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  2. الأخبار. السودان: ميثاق لـ«تأسيس سلطة الشعب»: «لجان المقاومة» في دائرة الفعل السياسي [الإنترنت]. بيروت: الأخبار؛ 2022 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  3. الجزيرة نت. عبد الخالق محجوب [الإنترنت]. الدوحة: الجزيرة نت (الموسوعة)؛ 2014 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  4. الجزيرة نت. تصدع وتربص.. 7 أسئلة تشرح لك لماذا باتت ثورة السودان في خطر [الإنترنت]. الدوحة: الجزيرة نت؛ 2020 أغسطس 1 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  5. الحزب الشيوعي السوداني. الماركسية وقضايا الثورة السودانية. الخرطوم: دار الوسيلة؛ 1987.
  6. الحزب الشيوعي السوداني. مسودة البرنامج المقدم للمؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوداني [الإنترنت]. سودانيز أونلاين؛ 2014 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  7. الحزب الشيوعي السوداني. سلسلة محاضرات للأعضاء الجدد (المرشحون)، المنقح 2016 [الإنترنت]. الحوار المتمدن؛ 2016 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  8. الحزب الشيوعي السوداني. محاضرات الأعضاء الجدد [الإنترنت]. الموقع الرسمي للحزب؛ 2017 يناير 7 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  9. الحزب الشيوعي السوداني. التصدي للانقلاب وإعلان العصيان المدني والإضراب السياسي العام [الإنترنت]. سودانيز أونلاين؛ 2022 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  10. الحزب الشيوعي السوداني. مبادرة الحزب الشيوعي السوداني لوقف الحرب واسترداد الثورة [الإنترنت]. صحيفة الراكوبة؛ 2024 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10] (2024أ).
  11. الحزب الشيوعي السوداني، اللجنة المركزية. الورقة السياسية [الإنترنت]. طريق الشعب؛ 2024 يناير 23 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10] (2024ب).
  12. الحويج ع. ضرورة توقيع طرفي التحالف الخصمين على الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب.. تحت راية لجان المقاومة وتنسيقياتها.. أو الطوفان [الإنترنت]. سودانايل؛ 2022 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  13. الخليفة ط ج. إلى من يزعمون أن الحزب الشيوعي معزول عن محيطيه الجماهيري والسياسي [الإنترنت]. صحيفة الراكوبة؛ 2025 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  14. الراكوبة. لجان المقاومة.. خارطة طريق نحو مدنية الدولة [الإنترنت]. صحيفة الراكوبة؛ 2022 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10] (2022أ).
  15. الراكوبة. تباين الآراء حول رؤية الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب لإنهاء الحرب [الإنترنت]. صحيفة الراكوبة؛ 2023 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  16. الرواية الأولى. الحزب الشيوعي السوداني ينتقد ميثاق نيروبي ويقول إنه أغفل جرائم المليشيا ويطرح بديلاً لاستعادة مسار الثورة وإنهاء الحرب [الإنترنت]. الرواية الأولى؛ 2026 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  17. الزيلعي ص. مبادرة الحزب الشيوعي خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح [الإنترنت]. صحيفة الراكوبة؛ 2024 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  18. سودانايل. عبد الخالق محجوب بين القيادة الثورية والمركزية الحزبية [الإنترنت]. سودانايل؛ 2026 يوليو 13 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  19. سودانيز أونلاين. الحزب الشيوعي السوداني … مواقع الصراع ومواطن الداء [الإنترنت]. سودانيز أونلاين؛ 2009 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  20. سودانيز أونلاين. لسنا ماركسيين.. ورقة مقدمة إلى المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوداني [الإنترنت]. سودانيز أونلاين؛ 2013 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  21. سودانيز أونلاين. بيانات ووثائق الحزب الشيوعي السوداني المنشورة [الإنترنت]. سودانيز أونلاين؛ 2022 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  22. طريق الشعب. المؤتمر العام السادس للحزب الشيوعي السوداني [الإنترنت]. بغداد: طريق الشعب؛ 2016 أغسطس 10 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  23. عبد الرحمن ز ع. لجان المقاومة ولعبة الروليت الروسية [الإنترنت]. سودانايل؛ 2022 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  24. عثمان ت. الهجوم على الحزب الشيوعي مقدمة لمصادرة الديمقراطية (7) والأخيرة [الإنترنت]. صحيفة الراكوبة؛ 2021 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  25. عثمان ت. ماذا وراء الافتراء كذباً على الحزب الشيوعي؟ [الإنترنت]. سودانايل؛ 2022 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10] (2022أ).
  26. عثمان ت. تجارب المشاركة في البرلمان من واقعنا ما من أكثر [الإنترنت]. صحيفة الراكوبة؛ 2022 أكتوبر 13 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10] (2022ب).
  27. عثمان ت. في ذكرى تأسيسه 79 كيف ارتبط الحزب الشيوعي بالواقع السوداني؟ [الإنترنت]. صحيفة الراكوبة؛ 2025 أغسطس 5 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10] (2025أ).
  28. عثمان ت. كيف استمر الهجوم على الحزب الشيوعي بعد ثورة ديسمبر؟ [الإنترنت]. صحيفة الراكوبة؛ 2025 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10] (2025ب).
  29. عثمان ت. ما هي مواقف الحزب الشيوعي بعد ثورة ديسمبر؟ [الإنترنت]. سودانايل؛ 2026 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10] (2026أ).
  30. عثمان ت. في ذكراه الـ80 كيف كانت خطة الحزب الشيوعي لإسقاط نظام الإنقاذ؟ [الإنترنت]. سودانايل؛ 2026 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10] (2026ب).
  31. العربي الجديد. ميثاق لجان المقاومة في الخرطوم: خريطة طريق سياسية لهزيمة الانقلاب [الإنترنت]. لندن: العربي الجديد؛ 2022 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10] (2022أ).
  32. العربي الجديد. مبادرة «تجميع قوى الثورة» السودانية.. مهمة صعبة تصطدم بغياب الثقة [الإنترنت]. لندن: العربي الجديد؛ 2022 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10] (2022ب).
  33. عربي21. قيادي بقوى التغيير بالسودان يتوقع اصطفافاً سياسياً جديداً [الإنترنت]. عربي21؛ 2020 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  34. القدس العربي. السودان: مركزي «الحرية والتغيير» ينفي صلته بإعلان سياسي قُدّم لحمدوك [الإنترنت]. لندن: القدس العربي؛ 2021 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  35. الميدان. كلمة الميدان: تصاعد حركة الجماهير واسترداد مسار التغيير [الإنترنت]. 2026 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  36. يونجفر إ، نصرالدين م. ملف السودان: لجان المقاومة وميثاقها الثوري لتأسيس سلطة الشعب [الإنترنت]. Migration Control؛ 2024 أغسطس 16 [اطُّلع عليه 2026 أكتوبر 10].
  37. Abbashar A. Resistance committees and Sudan’s political future [Internet]. Edinburgh: PeaceRep, University of Edinburgh; 2023 [cited 2026 Oct 10].
  38. Abdulshafi Q. Two years of war in Sudan: from revolution to ruin and the fight to rise again [Internet]. Washington (DC): Freedom House; 2025 [cited 2026 Oct 10].
  39. Abusharaf RM. Marx in the vernacular: Abdel Khaliq Mahgoub and the riddles of localizing leftist politics in Sudanese philosophies of liberation. South Atl Q. 2009;108(3):483-500.
  40. Al Jazeera. ‘Repeating cycle’: protesters decry Sudan agreement [Internet]. Doha: Al Jazeera; 2022 Dec 6 [cited 2026 Oct 10].
  41. Al Jazeera. After splinter, can Sudan’s anti-war coalition reinvent itself? [Internet]. Doha: Al Jazeera; 2025 Feb 20 [cited 2026 Oct 10].
  42. Amin M. Sudan’s rivals sign framework deal for transition [Internet]. Ankara: Anadolu Agency; 2022 Dec 5 [cited 2026 Oct 10].
  43. Anria S. When movements become parties: the Bolivian MAS in comparative perspective. Cambridge: Cambridge University Press; 2018.
  44. Atar. Betrayals and missteps: the tale of Sudan’s resistance committees and other revolutionary forces [Internet]. Atar (English ed.); 2025;(20) [cited 2026 Oct 10].
  45. Baiocchi G. Militants and citizens: the politics of participatory democracy in Porto Alegre. Stanford: Stanford University Press; 2005.
  46. Bayat A. Life as politics: how ordinary people change the Middle East. Stanford: Stanford University Press; 2010.
  47. Bayat A. Revolution without revolutionaries: making sense of the Arab Spring. Stanford: Stanford University Press; 2017.
  48. Berridge W. Civil uprisings in modern Sudan: the ‘Khartoum Springs’ of 1964 and 1985. London: Bloomsbury; 2015.
  49. Chenoweth E, Stephan MJ. Why civil resistance works: the strategic logic of nonviolent conflict. New York: Columbia University Press; 2011.
  50. ConstitutionNet. Sudan resistance committee draft charters: where they stand, and where they may go [Internet]. Stockholm: International IDEA; 2022 [cited 2026 Oct 10].
  51. Dabanga. Charters, agreements, conferences… quest to unite Sudan’s opposition continues [Internet]. Radio Dabanga; 2022 [cited 2026 Oct 10] (2022a).
  52. Dabanga. Sudan resistance committees: ‘New charter now active’ [Internet]. Radio Dabanga; 2022 [cited 2026 Oct 10] (2022b).
  53. Dabanga. FFC-CC draws new constitutional charter amidst criticism [Internet]. Radio Dabanga; 2022 [cited 2026 Oct 10] (2022c).
  54. Dabanga. Rebel alliance announces support for Sudan’s upcoming framework agreement [Internet]. Radio Dabanga; 2022 [cited 2026 Oct 10] (2022d).
  55. Dabanga. FFC says not all groups are entitled to sign Sudan Framework Agreement, sparking criticism [Internet]. Radio Dabanga; 2022 [cited 2026 Oct 10] (2022e).
  56. Dabanga. Sudan war: three political parties reject ‘political settlement proposal’ [Internet]. Radio Dabanga; 2024 [cited 2026 Oct 10].
  57. Democracy in Africa. Grassroots movements under political hegemony: lessons from Sudan [Internet]. Democracy in Africa; 2025 [cited 2026 Oct 10].
  58. El Gizouli M. Mobilization and resistance in Sudan’s uprising [Internet]. Nairobi: Rift Valley Institute; 2020 [cited 2026 Oct 10]. (X-Border Briefing).
  59. Elnaiem R. Sustaining Sudan’s revolution: a conversation with Rabab Elnaiem [Internet]. Washington (DC): Middle East Research and Information Project; 2024 [cited 2026 Oct 10].
  60. Freeman J. The tyranny of structurelessness. Berkeley J Sociol. 1972;17:151-64.
  61. Gamson WA. The strategy of social protest. Homewood (IL): Dorsey Press; 1975.
  62. Goldstone JA, editor. States, parties, and social movements. Cambridge: Cambridge University Press; 2003.
  63. Gramsci A. Selections from the prison notebooks. Hoare Q, Nowell Smith G, editors and translators. London: Lawrence & Wishart; 1971.
  64. Kadivar MA. Mass mobilization and the durability of new democracies. Am Sociol Rev. 2018;83(2):390-417.
  65. Khalifa M, Saeed O. Leave the Global South to itself: an interview with Mohamed Khalifa and Osama Saeed [Internet]. The Platypus Affiliated Society; 2024 Jul 1 [cited 2026 Oct 10].
  66. Kitschelt H. Movement parties. In: Katz RS, Crotty W, editors. Handbook of party politics. London: Sage; 2006. p. 278-90.
  67. Laclau E, Mouffe C. Hegemony and socialist strategy: towards a radical democratic politics. London: Verso; 1985.
  68. MENA Solidarity Network. Powering the uprising: Sudan’s resistance committees [Internet]. MENA Solidarity Network; 2021 Nov 4 [cited 2026 Oct 10].
  69. MERIP. Sudan’s revolutionary spring [Internet]. Washington (DC): Middle East Research and Information Project; 2018 Dec [cited 2026 Oct 10].
  70. Michels R. Political parties: a sociological study of the oligarchical tendencies of modern democracy. Paul E, Paul C, translators. New York: Hearst’s International Library; 1915.
  71. MR Online. ‘We should determine our own future’: interview with Sudanese Communist Party [Internet]. MR Online; 2025 Dec 11 [cited 2026 Oct 10].
  72. New Internationalist. Revolutionary aid in Sudan [Internet]. New Internationalist; 2025 [cited 2026 Oct 10].
  73. PBS NewsHour. Protests in Sudan demand ouster of military leaders in power, reject slow transfer [Internet]. Arlington (VA): PBS NewsHour; 2022 Dec 8 [cited 2026 Oct 10].
  74. Peoples Dispatch. As protests continue in Sudan, resistance committees release a key charter [Internet]. Peoples Dispatch; 2022 Mar 2 [cited 2026 Oct 10] (2022a).
  75. Piven FF, Cloward RA. Poor people’s movements: why they succeed, how they fail. New York: Pantheon Books; 1977.
  76. Przeworski A. Capitalism and social democracy. Cambridge: Cambridge University Press; 1985.
  77. Riker WH. The theory of political coalitions. New Haven: Yale University Press; 1962.
  78. Selznick P. The organizational weapon: a study of Bolshevik strategy and tactics. New York: McGraw-Hill; 1952.
  79. Sudan Tribune. Opposition group quits talks on power transfer in Sudan [Internet]. Sudan Tribune; 2019 Jul 31 [cited 2026 Oct 10].
  80. Sudan Tribune. Sudan’s FFC call for coordination body to topple military rule [Internet]. Sudan Tribune; 2022 Jul 2 [cited 2026 Oct 10] (2022a).
  81. Sudan Tribune. Communist Party establishes new coalition for radical change in Sudan [Internet]. Sudan Tribune; 2022 Jul 24 [cited 2026 Oct 10] (2022b).
  82. Sudan Tribune. SLM’s al-Nur did not join Communist-led anti-coup coalition in Sudan: statement [Internet]. Sudan Tribune; 2022 Jul 26 [cited 2026 Oct 10] (2022c).
  83. Sudan Tribune. Alliance of Civil Forces to Stop the War invites Sudanese groups to meetings [Internet]. Sudan Tribune; 2024 [cited 2026 Oct 10].
  84. Sudan Tribune. A key faction of Sudan’s civilian-led coalition suspends participation in the alliance’s executive bodies [Internet]. Sudan Tribune; 2025 Jul 14 [cited 2026 Oct 10].
  85. Sudans Post. Hamdok leads new civilian coalition after Taqaddum split [Internet]. Sudans Post; 2025 [cited 2026 Oct 10].
  86. Tarrow S. Power in movement: social movements and contentious politics. 3rd ed. Cambridge: Cambridge University Press; 2011.
  87. The Conversation. The Sudanese revolution seven years on: undone but not defeated [Internet]. The Conversation; 2026 [cited 2026 Oct 10] (2026a).
  88. The Conversation. Sudan’s protesters built networks to fight a tyrant: today they save lives in a war [Internet]. The Conversation; 2026 [cited 2026 Oct 10] (2026b).
  89. The National. Sudan’s resistance committees publish political blueprint to end crisis [Internet]. Abu Dhabi: The National; 2022 Sep 29 [cited 2026 Oct 10].
  90. Tilly C. From mobilization to revolution. Reading (MA): Addison-Wesley; 1978.
  91. Transnational Institute (TNI). Breaking with the war parties in Sudan [Internet]. Amsterdam: Transnational Institute; 2025 [cited 2026 Oct 10].
  92. Xcept Research. A critical juncture for Sudan’s democratic transition [Internet]. Xcept Research; 2022 [cited 2026 Oct 10].
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
حفلة فرقة الحقيبة في قصر الخليفة هارون الرشيد
منبر الرأي
هل يصنع الإنسان التاريخ… أم يصنعه التاريخ؟
منشورات غير مصنفة
لا يحتمل إنتظار “جودو” الحوار .. بقلم: نورالدين مدني
المكتب السياسي للحزب الشيوعي يربت على كتف آمال الزين .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
منشورات غير مصنفة
عن المشرحة .. ومافى نفس يعقوب!! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

البشير كل يوم حا .. حا وحا مافي عملنا ؟ .. بقلم: شوقي بدري

شوقي بدري
منبر الرأي

فتاوي وضلالات الترابي (6) … بقلم: بابكر عباس الأمين

بابكر عباس الامين
منبر الرأي

سنواتي في امريكا..الجواز الأخضر يحظر عليك التجول والسفر (2) … بقلم: طلحة جبريل

طلحة جبريل
منبر الرأي

حين يصبح النقد مرآة عاكسة لذات الناقد

تيسير حسن إدريس
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss