باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 14 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
علاء خيراوي
علاء خيراوي عرض كل المقالات

قهر الرجال!! عندما يُقتل السودانيون ويُترك الوطن وحيداً في مواجهة الإهانة

اخر تحديث: 14 أكتوبر, 2026 11:38 صباحًا
شارك

قهر الرجال!! عندما يُقتل السودانيون ويُترك الوطن وحيداً في مواجهة الإهانة… قراءة في سيكولوجيا الانكسار الوطني!!

علاء خيراوي
■ هناك نوع من الألم لا تصفه اللغة مهما اتسعت مفرداتها، ولا تستطيع الدموع وحدها أن تخفف وطأته، لأنه يتجاوز حدود الحزن الإنساني الطبيعي إلى منطقة أشد قسوة في أعماق النفس البشرية؛ تلك المنطقة التي يشعر فيها الإنسان بأنه عاجز عن دفع الظلم عن نفسه، وعن حماية من يحب، وعن استرداد كرامة انتهكت أمام عينيه، بينما يقف الذين يفترض أنهم سندُه وحماتُه موقفاً يزيد إحساسه بالعجز والخذلان. ذلك هو قهر الرجال؛ ليس بمعناه الضيق الذي يحصر الرجولة في القوة الجسدية أو القدرة على الرد والانتقام، وإنما بمعناه الإنساني الأعمق، حين يُسلب الإنسان إحساسه بالأمان والكرامة والقدرة على التأثير في مصيره، وحين يتحول الوطن الذي يفترض أن يكون ملاذه الأخير إلى مصدر إضافي للألم والخذلان. ولعل ما أصابنا نحن السودانيين من وجع وغضب ومرارة، عقب الهجوم الجوي المروع على مواقع التعدين قرب الحدود المصرية، يمثل واحداً من أكثر المشاهد قدرة على تفسير هذه الحالة النفسية. فقد نقلت شهادات الناجين التي نشرتها “سودان تربيون” تقديرات تتجاوز مئتي قتيل. خلف كل ضحية إنسان خرج يبحث عن رزقه، وأم تنتظر عودته، وزوجة ترقب صوته، وأطفال ربما ظلوا ينتظرون خبزاً أو دواءً أو ملابس وعدهم بها أبوهم قبل رحيله. هؤلاء لم يخرجوا بحثاً عن مجد عسكري، ولا طلباً لسلطة، ولا سعياً وراء حرب مع أحد. خرجوا إلى الصحارى القاحلة لأن وطنهم الذي أنهكته الحروب لم يعد يوفر لهم ما يكفي من أسباب الحياة، فإذا بهم يواجهون الموت في المكان الذي قصدوه هرباً من الفقر والحاجة. غير أن الفاجعة، في تقديري، لم تتوقف عند مشهد القتلى والمصابين، وإنما امتدت إلى ما هو أقسى على الوجدان السوداني؛ ذلك الشعور بأن دماء مواطنينا لا تستدعي من الذين يحكمون البلاد موقفاً بحجم الجريمة، وأن استجابة السلطة تأتي باردة ومتأخرة، وكأن الأمر يتعلق بحادث إداري عابر، لا بأرواح بشرية وبكرامة أمة بأكملها.

■ في علم النفس، لا تتحدد شدة الألم الإنساني بحجم الخسارة وحدها، وإنما تتأثر أيضاً بإحساس الإنسان بقدرته على مواجهة ما حدث، وبمدى وجود من يسانده ويحميه ويعترف بمعاناته. فقد يتحمل الإنسان خسارة فادحة عندما يشعر بأن هناك عدالة تسعى إلى إنصافه، ومجتمعاً يحتضنه، ودولة لا تتخلى عنه. لكنه قد يعجز عن احتمال خسارة أقل منها عندما يشعر بأن الظلم وقع عليه، وأن أحداً لا يكترث، وأن الأبواب التي يفترض أن يلجأ إليها قد أغلقت في وجهه. هنا تتولد حالة نفسية مركبة تختلط فيها مشاعر الحزن بالغضب والعجز والإهانة، وقد تتحول مع الزمن إلى ما يسميه علماء النفس “العجز المكتسب”، وهو مفهوم يشير إلى تراجع إحساس الإنسان بقدرته على تغيير ظروفه بعد تعرضه المتكرر لمواقف يشعر فيها بانعدام السيطرة. ولا يعني ذلك أن كل من يتعرض للقهر يصاب بهذه الحالة، لكنه يفسر كيف يمكن لتراكم التجارب المؤلمة أن يجعل الإنسان أقل ثقة بجدوى المحاولة، وأكثر استعداداً لتوقع الخذلان حتى قبل وقوعه. وهذا، في جانب منه، ما أخشى أننا نعيشه في السودان. لقد تعرض المواطن السوداني خلال السنوات الماضية لسلسلة متلاحقة من الصدمات؛ من القتل والنزوح والتشريد وفقدان البيوت ومصادر الرزق، إلى انهيار الشعور بالأمان، ثم تأتي فاجعة جديدة ليكتشف أن حتى ابتعاده عن ميادين الحرب لا يمنحه بالضرورة فرصة للنجاة. وليس أقسى على النفس من أن يتكرر الألم حتى يبدأ الإنسان في الاعتقاد بأن المأساة أصبحت قدره الذي لا يستطيع تغييره.

■ ويتحدث علم النفس الاجتماعي عن أثر الإذلال الجمعي عندما تشعر جماعة بشرية بأن كرامتها المشتركة قد تعرضت للانتهاك. فالإنسان لا يعيش باعتباره كائناً منفصلاً عن مجتمعه، وإنما يحمل داخله انتماءات متعددة تشكل جزءاً أساسياً من هويته، وفي مقدمتها الانتماء الوطني. ولذلك فإن الاعتداء على مواطن لا يشعر به بقية المواطنين دائماً بوصفه اعتداءً على شخص بعيد عنهم، بل قد يستقبلونه باعتباره اعتداءً يمس شيئاً من كرامتهم هم أيضاً. فما الذي يشعر به السوداني عندما يرى أبناء وطنه وقد تحولوا إلى جثامين في الصحراء؟ وما الذي يشعر به عندما يسمع روايات الناجين، ويرى عجز الأسر عن معرفة مصير أحبائها، ثم يبحث عن صوت دولته فلا يجد الموقف الذي يطمئنه إلى أن هناك من يضع حياة السوداني وكرامته فوق كل اعتبار؟ إنه لا يحزن على الضحايا وحدهم، وإنما يحزن على صورة وطنه في وجدانه. يحزن لأن ذلك الوطن الذي تربى على محبته، وتعلم في مدارسه أناشيده، وردد اسمه بفخر في غربته، يبدو فجأة عاجزاً عن منح أبنائه أبسط ما ينتظرونه منه؛ الإحساس بأنهم ليسوا وحدهم عندما تقع عليهم المظالم. وهنا تتحول الإهانة من حادثة محددة إلى جرح في الهوية الوطنية نفسها. فالكرامة الوطنية ليست علماً يُرفع في الاحتفالات، ولا نشيداً يُعزف في المناسبات الرسمية، ولا خطابات عن السيادة والشرف. إنها شعور عميق يسكن المواطن البسيط، ويجعله مطمئناً إلى أن انتماءه إلى وطنه يمنحه قيمة وحقوقاً وحماية، وأن دمه ليس أقل حرمة من دماء مواطني أي دولة أخرى.

■ ثمة فارق نفسي عميق بين الألم الذي يسببه المعتدي، والألم الذي يسببه تخلي من ننتظر منه الحماية. فالأول يجرح إحساس الإنسان بالأمان، أما الثاني فيجرح ثقته في العلاقات والمؤسسات التي يفترض أنها مصدر ذلك الأمان. ولهذا قد يكون الخذلان أشد إيلاماً من الاعتداء نفسه. فحين يتعرض الإنسان للخطر، يتجه عقله تلقائياً إلى البحث عن مصدر للحماية؛ الأب في الأسرة، والمجتمع في المحيط الاجتماعي، والدولة في المجال الوطني. فإذا غاب ذلك المصدر أو بدا غير مكترث، تضاعف الألم، لأن الإنسان لا يفقد إحساسه بالأمان فقط، وإنما يفقد أيضاً ثقته في الجهة التي كان يتوقع منها أن تعيد إليه ذلك الإحساس. ومن هنا تتولد مرارة الموقف السوداني الراهن. فالمواطن الذي سمع طوال سنوات الحرب خطابات لا تنتهي عن العزة والسيادة والكرامة الوطنية، يجد نفسه أمام أسئلة أخلاقية مؤلمة عندما تتعرض حياة مواطنيه للخطر. لماذا تبدو الكلمات الكبيرة عاجزة عن مواساة أسرة صغيرة؟ ولماذا تتسع المنابر لكل ذلك الضجيج الوطني، ثم تضيق عن موقف واضح يعيد إلى الناس بعض الثقة في حرمة دمائهم؟ إن المعضلة الأخلاقية هنا لا تتعلق بقدرة الدولة على الدخول في صراعات أو مواجهات عسكرية؛ فالحروب ليست معياراً للكرامة، ولا الانتقام طريقاً ضرورياً لاسترداد الحقوق. وإنما تتعلق بواجب أخلاقي أولي، هو ألا يشعر المواطن بأن حياته قابلة للإهمال، وأن قتله يمكن أن يصبح مجرد تفصيل في حسابات العلاقات بين الحكومات.

■ ومن أخطر نتائج تكرار المآسي أن الإنسان قد يبدأ، دون أن يشعر، في التكيف معها. فما كان يثير صدمة عامة بالأمس قد يصبح اليوم خبراً يمر سريعاً، وما كان يستدعي غضباً واسعاً قد يتحول إلى مادة للنقاش العابر، ثم تختفي آثاره من الذاكرة العامة قبل أن تنال الضحايا حقوقها. ويساعدنا مفهوم “التبلد الانفعالي” على فهم بعض جوانب هذه الظاهرة، وإن كان من الخطأ اعتبار كل مظاهر الصمت أو ضعف الاستجابة دليلاً عليه. فالإنسان الذي يواجه أزمات متكررة قد يلجأ نفسياً إلى تقليل انخراطه العاطفي في الأخبار المؤلمة، ليس لأنه فقد إنسانيته، وإنما لأن طاقته على احتمال المزيد من الحزن أصبحت محدودة. لكن الخطر الأخلاقي يبدأ عندما ينتقل هذا التكيف من الأفراد إلى الثقافة العامة، وعندما يصبح التعامل مع الضحايا باعتبارهم أرقاماً أمراً مألوفاً، وتصبح المطالبة بحقوقهم فعلاً استثنائياً لا واجباً طبيعياً. وأخشى أن الحرب السودانية الطويلة قد دفعتنا إلى حافة هذا المنحدر المخيف. فقد كثرت مشاهد القتل والدمار والنزوح، وتوالت الأنباء المفجعة، حتى أصبحنا أحياناً نحتاج إلى كارثة أشد فظاعة كي نستعيد الإحساس بالصدمة. وهذه ليست إدانة للمواطن السوداني المنهك الذي أنهكته المآسي، وإنما تحذير من أن الاعتياد على الظلم قد يتحول مع الزمن إلى أحد أخطر شروط استمراره. إن الأمة التي تتوقف عن الشعور بالألم عندما يُظلم أبناؤها لا تفقد حساسيتها الأخلاقية فحسب، وإنما تعرض قدرتها المستقبلية على التضامن والتماسك لخطر بالغ. وليس المطلوب أن يظل الناس غارقين في الحزن إلى الأبد، بل أن يحتفظوا بقدرتهم على التمييز بين ما يجوز التعايش معه وما ينبغي أن يظل مرفوضاً مهما تكرر.

■ الوطن في الوعي الإنساني أوسع بكثير من الجغرافيا. إنه الذاكرة واللغة والطفولة والوجوه المألوفة وروائح البيوت القديمة، وهو أيضاً شبكة من المعاني النفسية التي تمنح الإنسان شعوراً بأنه ينتمي إلى مكان يعترف بوجوده ويحفظ كرامته. ولهذا فإن فقدان الإحساس بالحماية الوطنية يمثل جرحاً نفسياً عميقاً. فالإنسان الذي يفقد بيته قد يستطيع بناء بيت آخر، والذي يفقد عمله قد يجد مصدراً جديداً للرزق، والذي يغادر مدينته قد يستقر في مدينة بعيدة، لكنه حين يفقد ثقته في أن وطنه يراه إنساناً كامل الحقوق، يصبح إحساسه بالغربة أكبر من مجرد الابتعاد الجغرافي. وكم من سوداني يعيش اليوم في بلاده وهو يشعر بالغربة داخلها! وكم من سوداني في المنافي يحمل وطنه في قلبه، لكنه كلما تابع أخباره شعر بأن المسافة النفسية بينه وبين ذلك الوطن تتسع، لا لأنه أحبه أقل، وإنما لأن صورة الوطن الذي عاش في ذاكرته لم تعد تشبه الواقع الذي يتكشف أمام عينيه. إن أشد أنواع الغربة ليست تلك التي تفصل الإنسان عن أرضه، وإنما تلك التي تفصل الإنسان عن إحساسه بأن له مكاناً آمناً ومحترماً في وطنه. ومن هذه الزاوية ينبغي أن نفهم الأثر النفسي لفاجعة المعدّنين السودانيين. فالمسألة لا تنتهي عند حدود حادثة مأساوية، وإنما تمتد إلى سؤال وجودي أكبر؛ ما قيمة الانتماء إلى دولة إذا لم يشعر المواطن بأن حياته وكرامته من أولوياتها؟

■ ليست هيبة الدول بما تمتلكه من طائرات ودبابات ومدافع، ولا بما يعلقه قادتها على صدورهم من أوسمة ونياشين، وإنما بما تمنحه لمواطنيها من أمن وعدالة وكرامة. فقد تمتلك دولة جيشاً كبيراً، لكنها تعجز عن بناء الثقة بينها وبين شعبها، وقد تكون دولة محدودة الموارد، لكنها تفرض احترامها الأخلاقي من خلال حرصها على حياة مواطنيها والدفاع عن حقوقهم بالوسائل المشروعة. والكرامة الوطنية ليست امتيازاً تمنحه الدولة لمن يؤيدها، ولا مكافأة يحصل عليها المواطن مقابل ولائه السياسي. إنها حق أصيل لكل إنسان، يستوي فيه المؤيد والمعارض، والغني والفقير، والعسكري والمدني، ومن يعيش في العاصمة ومن يبحث عن رزقه في أقاصي الصحارى. ولذلك فإن دماء المعدّنين السودانيين يجب ألا تتحول إلى قضية انقسام سياسي، ولا إلى مناسبة لإعادة إنتاج الخصومات القديمة. إنها قضية ضمير وطني قبل كل شيء، واختبار لمدى قدرتنا على الاعتراف بأن الإنسان السوداني أغلى من حسابات السلطة، وأبقى من الحكومات، وأسمى من خلافات الأحزاب والتيارات. وليس من مقتضيات الكرامة أن نكره الشعب المصري، أو أن نحمل ملايين المصريين مسؤولية أفعال مؤسسات دولتهم، أو أن نرد على مأساة إنسانية بإشعال الكراهية بين شعبين تجمعهما روابط تاريخية واجتماعية عميقة. بل إن السمو الأخلاقي الحقيقي يكمن في قدرتنا على التمييز بين الشعوب والسلطات، وبين المطالبة الصارمة بالعدالة والانزلاق إلى التحريض والانتقام. فالقضية في جوهرها ليست صراعاً بين شعبين، وإنما امتحان لمبدأ إنساني لا ينبغي أن يخضع للمساومات؛ لا يجوز أن تصبح حياة الإنسان رخيصة لمجرد أنه فقير، أو أعزل، أو يبحث عن رزقه في منطقة نائية لا تصل إليها كاميرات الإعلام.

■ لا يُعالج القهر الجمعي بإلقاء الخطب الحماسية، ولا بترديد الشعارات الوطنية، ولا بمحاولة إقناع الناس بأن ما يشعرون به من انكسار ليس سوى مبالغة عاطفية. بل يبدأ التعافي بالاعتراف الصريح بالألم، وبالإنصات إلى الضحايا وأسرهم، وبإعادة الاعتبار إلى الإنسان الذي سُحقت كرامته. وتخبرنا دراسات الصدمات النفسية وأبحاث العدالة الإجرائية بأن الاعتراف بالأذى، ووضوح الإجراءات، والمساءلة، وإشراك المتضررين، يمكن أن تساعد في إعادة بناء الثقة والشعور بالإنصاف. فالعدالة ليست فقط وسيلة لمحاسبة المسؤولين عن الأفعال الضارة، وإنما تحمل أيضاً قيمة نفسية وأخلاقية، لأنها تخاطب الضحية بوصفها إنساناً يستحق أن يُسمع صوته، وأن تُحترم معاناته، وألا يضيع حقه في صمت. ونحن السودانيين لا نحتاج إلى مزيد من ثقافة الفخر اللفظي الذي لا يسنده واقع، ولا إلى المزايدات التي تختزل الوطنية في الصراخ والتهديد. ما نحتاجه هو استعادة المعنى الأخلاقي للوطنية؛ أن نتعلم أن الدفاع عن كرامة السوداني يبدأ من احترام حياته، وأن حماية المواطن تسبق حماية صورة الحاكم، وأن السيادة التي لا يشعر بها الإنسان في حياته اليومية تظل مفهوماً ناقصاً مهما كثر الحديث عنها. كما نحتاج إلى ألا نسمح لهذا القهر بأن يتحول إلى يأس دائم أو كراهية عمياء. فالغضب الذي يتولد من الإهانة يمكن أن يصبح قوة أخلاقية تدفع إلى التضامن والمطالبة بالعدالة، مثلما يمكن أن يتحول، إذا تُرك دون وعي، إلى رغبة في الانتقام أو إلى انسحاب كامل من الشأن العام والفرق بين الطريقين هو الوعي. فالإنسان المقهور ليس محكوماً عليه بأن يظل أسيراً لقهره، والمجتمع الذي يتعرض للإذلال ليس محكوماً عليه بأن يفقد كرامته إلى الأبد. بل إن إدراك طبيعة الجرح، والاعتراف بأسبابه، والتمسك بالقيم الإنسانية في مواجهته، يمكن أن تصبح جميعها خطوات أولى في طريق التعافي واستعادة الثقة.

■ إنني لا أكتب هذه الكلمات لأنني أبحث عن حرب جديدة، ولا لأنني أريد أن أرى الدماء تُقابل بمزيد من الدماء، ولا لأنني أعتقد أن كرامة السودان تُستعاد بصوت المدافع. أكتبها لأنني أشعر، كما يشعر كثير من السودانيين، بأن شيئاً عزيزاً في داخلنا يتعرض للكسر كلما رأينا أبناء وطننا يُقتلون، ثم نجد أنفسنا مضطرين إلى المطالبة بما يفترض أنه من أبسط واجبات الدولة؛ الاعتراف بحجم الفاجعة، والوقوف مع الضحايا، والبحث عن الحقيقة، وصون الكرامة الإنسانية. لقد تحمل السودانيون من صنوف القهر ما يكفي أجيالاً كاملة. تحملوا فقدان الأحبة، وخراب البيوت، وضياع المدخرات، ومرارة النزوح واللجوء، وانكسار الأحلام التي بنوها خلال أعمار طويلة. وتحملوا أن يروا وطنهم الذي كان يجمعهم يتحول إلى ساحات حرب، وأن يشاهدوا مدن طفولتهم تتداعى، وذكرياتهم تتحول إلى ركام، وأصدقاءهم وأهلهم يتفرقون في جهات الأرض. ومع ذلك كله، ظل في داخل الإنسان السوداني شيء يقاوم الانكسار، شيء يجعله قادراً على أن يبتسم وسط الركام، وأن يمد يده إلى أخيه وهو أحوج الناس إلى من يمد إليه يداً، وأن يقتسم كسرة الخبز مع غريب، وأن يحتفظ بوطنه في قلبه حتى عندما لم يعد يجد فيه بيتاً يأويه. لكن لهذا الاحتمال الإنساني العظيم حدوداً ينبغي ألا نختبرها بلا نهاية. فليس من العدل أن نطالب شعباً بأن يظل صابراً إلى الأبد، وليس من الأخلاق أن نحمّله مسؤولية التكيف مع كل إهانة جديدة، وليس من الوطنية أن نطالبه بالافتخار بدولة لا يشعر بأنها تحمي حقه في الحياة. وأحسب أن قهر الرجال في حالتنا السودانية قد تجاوز معناه الفردي القديم، ليصبح وصفاً لحالة وطنية عامة؛ قهر الآباء الذين عجزوا عن حماية أبنائهم، وقهر الأمهات اللواتي انتظرن عودة من لن يعودوا، وقهر الزوجات اللواتي فقدن السند، وقهر الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، وقهر الرجال والنساء الذين وجدوا أنفسهم عاجزين أمام المآسي المتلاحقة، وقهر أمة كاملة تشعر بأن كرامتها تُستنزف يوماً بعد يوم. وما يؤلمني أكثر من كل ذلك أن الذين يتحدثون باسم الوطن قد لا يدركون حجم ما يتركه هذا الخذلان في نفوس الناس. فالجراح الجسدية قد تلتئم، والبيوت المهدمة قد تُبنى من جديد، والاقتصاد المنهار قد يجد طريقه إلى التعافي، أما الشعور العميق بأن وطنك تخلى عنك في لحظة احتياجك إليه، فإنه يترك في النفس ندوباً قد تصاحب الإنسان سنوات طويلة. إننا لا نريد وطناً يخشاه الآخرون بقدر ما نريد وطناً يشعر أبناؤه بالأمان في ظله. لا نريد زعيماً يغضب أمام الكاميرات، وإنما دولة لا يحتاج المواطن فيها إلى استجداء حقه في الحياة والكرامة. لا نريد أناشيد جديدة عن العزة، وإنما واقعاً يجعل تلك الأناشيد صادقة. وما أقسى أن يموت السوداني وهو يبحث عن لقمة عيشه، ثم يشعر أهله بأن عليهم أن يخوضوا معركة أخرى كي يثبتوا أن دمه يستحق الاهتمام!! ذلك، في تقديري، هو قهر الرجال في أبشع صوره؛ ليس أن يعجز الإنسان عن رد العدوان، وإنما أن يجد نفسه مضطراً إلى استجداء الحماية ممن يفترض أنهم أقسموا على حمايته. فالرجال والنساء لا يقهرهم الحزن وحده، وإنما يقهرهم أن يصبحوا غرباء عن العدالة في وطنهم، وأن يفقدوا الثقة في أن دماء أحبائهم ستجد من يصون حرمتها. وأي وطن هذا الذي يضطر أبناؤه إلى التساؤل، كلما وقعت بهم فاجعة؛ من الذي سيقف معنا هذه المرة؟!.

khirawi@hotmail.com

Author
علاء خيراوي

علاء خيراوي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م
منبر الرأي
من حملات الدفتردار إلى جبل العقيدات: مئتا عام من العنف على تخوم وادي النيل. ما الذي يثبته الدليل، وما الذي تصنعه الأسطورة، وكيف تُكسر الدورة في سودان ما بعد الحرب
منبر الرأي
ما هي الحلقة القادمة في مسلسل البلطجة المصرية!
منشورات غير مصنفة
جمارك بالكيلوجرام : عجباً
منشورات غير مصنفة
عن الخطاب السياسي: أفهموها إنها “مؤسّسة”! .. بقلم: بلّة البكري

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الوجيعة القطرية .. !! .. بقلم: نورالدين عثمان

نور الدين عثمان
منبر الرأي

الإصلاح يبدأ من الجذور – حملة على الأسماء واللافتات .. بقلم: حسن حميدة

طارق الجزولي
منبر الرأي

من يفحص كفاءة حميدتي يا البرهان؟! .. بقلم: عثمان محمد حسن

طارق الجزولي
منبر الرأي

الحزب الشيوعي السوداني في شيخوخته: ماركسية بابح .. بقلم: د.عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss