نزار عثمان السمندل
أغلق عبدالفتاح البرهان نافذة الأمل التي كان يتسلل منها نسّام الهدنة على السودانيين. لم يغلقها في وجه واشنطن وحدها، بل في وجه وطنٍ أنهكته الجثث ومزّقته الحروب.
القرار لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان تعبيراً فلسفياً عن الخوف. اختار الرجل الحرب ليس لأنّ النصر قريب، بل لأنّ الهزيمة كانت أقرب، ولأنّ الوقت في عُرف العساكر يُشترى بالدم.
جلس أعضاء مجلس الأمن والدفاع، في اجتماعهم المُلتبس، وكتبوا وصية الوطن الأخيرة. استمعوا لمقترح أميركي بوقفٍ لإطلاق النار لثلاثة أشهر، وخرجوا بقرار يقول إن الحرب ستستمر، وإنّ “التجهيزات لمعركة الشعب السوداني متواصلة”.
وزير الدفاع حسن كبرون دعا إلى تعبئةٍ وطنية، إلى حشدٍ لا يعرف سوى لون التراب والدم، معلناً عن أن المعركة حقّ وطني، وأن الهزيمة خيانة.
لكنّ خلف الشعارات، كانت الحقيقة أكثر عُرياً: الجيش الذي خسر الفاشر يبحث عن انتصارٍ يُعيد له صوته، والبرهان الذي انكسر ميدانياً كاد أن يقبل التهدئة، لولا زمجرة الحركة الإسلامية في أذنه: “التراجع ضعف. الجلوس إلى طاولة المفاوضات يعني الجلوس على كرسيٍّ واهٍ من الشرعية”.
عاد الجنرال بعدها يطلب هدنةً من نوعٍ آخر: هدنة مع الزمن. فضّل أن يحارب حتى الرمق الأخير، ليقول للتاريخ إنه قاتل، لا أنه فاوض.
زمجرة “الكيزان” لم تكن وحدها ما كسرَ كلمة البرهان، فقياديو “القوة المشتركة” كانوا يدفعون الجيش أيضاً نحو الميدان، رافضين أي مسار سلام يُقصيهم من مستقبل السلطة. موقفهم، ومن ورائهم الحركة الإسلامية، كان حاسماً في تغيير اتجاه الريح داخل القيادة العسكرية.
فـ “المشتركة” ظنت، في لحظة التباس، أن انحيازها للجيش سيمنحها ثقلاً في معادلة ما بعد الحرب، فإذا بها، بعد هيمنة حميدتي على غرب السودان كله تقريباً، تفقد الأرض والرمز والرهان.
الوثيقة الأميركية التي رفضها البرهان كانت حزمة من الضمانات، تتحدث عن وحدة السودان، وعن فصل القوات، وعن ممراتٍ إنسانية للغذاء والدواء. لكنّ الورق الأبيض لم يُقنع مَن اعتاد الحديث بلغة البارود. في المقابل، تواصل واشنطن محاولاتها عبر مبعوثها مسعد بولس، متنقلاً بين القاهرة والجامعة العربية، في بحثٍ عبثي عن صوتٍ عاقل داخل ضجيج البنادق.
الواقع على الأرض أكثر وحشية من البيانات. الدعم السريع، تتهيأ لاجتياح كردفان. الجنائية الدولية تُحذر من جرائم حرب، وغوتيريش يصرخ من قطر: “ضعوا حداً لكابوس العنف الآن”. لكنّ أحداً لا يسمع، فالموت في السودان صار ضيفاً يومياً لا يحتاج إلى دعوة، والانحدار العدمي يتواصل بين جيشٍ يقاتل ليحفظ السلطة، وميليشيا ترتكب المجازر لتصنع دولة على أنقاض الدولة.
في النهاية، لم يشترِ البرهان الوقت، بل باع ما تبقّى منه. فالحرب التي أرادها سلّماً للمجد، صارت “حبلَ مَسَد”… إلى الهاوية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم